Site icon IMLebanon

البنك الدولي للبنانيين: النظام السياسي مصدر مــأساتكم

WorldBank1

يستنتج تقرير جديد للبنك الدولي ان هناك عائقين توأمين عميقي الجذور يهددان لبنان ويعيقان نمو اقتصاده ورخائه الاجتماعي، هما: الحكم الطائفي، أي تولّي طبقة نخبوية الحكم، واستخدامها ذريعة الطائفية قناعاً لها. والصراع والعنف الناجمان، جزئياً، عن صراعات واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط. ويخلص الى ان هذين العائقين يرتبان أعباءً ثقيلة تنهك الاقتصاد اللبناني، «اذ تُقدر الكلفة السنوية للخلل الناجم عن الحكم الطائفي بـ 9% من الناتج المحلي الإجمالي»، فضلا عن انهما يعززان من سلطة النخبة المسيطرة وأصحاب النفوذ الأثرياء

يقول البنك الدولي في تقرير جديد له بعنوان «تعزيز الحد من الفقر والرخاء المشترك- تشخيص منهجي للبنان 2015»، ان «لبنان لطالما تأثر، منذ أن نال استقلاله، بنظام الطائفية السياسية، الذي رسم خارطة الدولة عبر العقود. وكان الهدف، في الأصل، من إنشاء نظام سياسي بطابعه الطائفي تحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة للمجتمعات المذهبية المحلية، ولكن ما لبث أن تحوّل هذا النظام ليصبح في نظر الكثيرين عائقاً أمام الحوكمة السليمة والفعّالة، حيث أدّى إلى شللٍ واضحٍ في عملية أخذ القرار وصناعة السياسات، وبالتالي إلى إفراغ مؤسسات الدولة، كما أثبت النظام الطائفي في لبنان أنه الوسيلة الأقوى لتعريض البلد للتدخلّات الخارجية، التي بدورها تسبّبت في تغذية الخلافات والصراعات بين الفئات المحلية».

ويشير التقرير الى ان «الاقتصاد اللبناني شهد نمواً معتدلاً عبر العقود الماضية، لكن تفاوتت نسبة النمو من عام إلى آخر بسبب الصدمات الكبيرة والمتكررة، التي كان معظمها من الطابع السياسي، بحيث أبدى الاقتصاد صموداً ملحوظاً في وجه تلك الصدمات. سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بمعدل 4.4 بالمئة بين عام 1992 وعام 2014، وقد عمل هذا الأداء على إخفاء آثار العديد من الصراعات (المحلية، واالعالمية، والسياسية، و/أو الطائفية) التي واجهها لبنان خلال الفترة المذكورة. ومن أحدث تلك الصدمات الحرب القائمة في سوريا، التي نظراً للروابط الوثيقة بين البلدين، تتسبب في تداعيات سلبية هائلة ترهق لبنان، لكن استمر الاقتصاد الكلي اللبناني في صموده النسبي أمام الصدمات الكبيرة التي يواجهها البلد حتى يومنا هذا».
وبحسب الملخص التنفيذي للتقرير «لقد عمل لبنان على الحد من انتشار الفقر وتحقيق نمو اقتصادي شامل، وذلك في ظل ضعف فرص العمل وتدني نوعية النمو. ولم تتغير مؤشرات الفقر التي سجلت ارتفاعاً منذ نحو 25 سنة. وبيّنت الدراسات أن نسبة الفقر المدقع ما بعد الحرب الأهلية راوحت بين 7.5 بالمئة و 10 بالمئة. ومن خلال استخدام الخط الأعلى للفقر، أظهرت البيانات أن 28 بالمئة من إجمالي السكان عُدوا ضمن الفئات الفقيرة، كما أن التوزيع المناطقي لنسبة الفقر لم يكن متساويا، إذ بلغ أقصاه في شمال وجنوب البلاد، مع وجود بعض البؤر الصغيرة والمكتظة في ضواحي المدن الكبيرة، ما يدل على عدم التوازن الحاصل في نمط النمو الاقتصادي ومسار التنمية. أمّا العامل الأهم في عدم تحقيق النمو الشامل فيكمُن في نقص المرونة اللازمة بين عملية التوظيف والنمو. وقد تزامنت جهود خلق فرص العمل في لبنان مع ارتفاعٍ ملحوظ في القوى العاملة، لكن افتقدت تلك الفرص النوعية المطلوبة. وقد تأثرت على الأغلب قضايا النمو والفقر وفرص العمل أخيراً على نحو سلبي بسبب تداعيات الأزمة السورية على لبنان، وبالأخص التدفق الكبير للّاجئين السوريين إلى البلد. ولا يزال جزء كبير من اللبنانيين، وبالأخص الشباب الحاصل على شهادات جامعية، يلجأ إلى الهجرة خارج البلاد طلباً لفرصٍ نوعيةٍ في مجال العمل لا يوفرها لبنان».

يرمي تقرير البنك الدولي الى إعداد تشخيص منهجي للبلد بهدف تحديد العوائق والقيود الأساسية التي يواجهها لبنان، من وجهة نظر البنك، في مجال خلق فرص العمل (من حيث النوعية والكمية). ويفترض هذا التشخيص «أن جذور الفشل في توليد النمو المتكامل وفرص العمل تكمن في عائقين أساسيين مترابطين، أولاً: الحكم الطائفي، أي تولّي الحكم من قبل طبقة نخبوية تستخدم ذريعة الطائفية قناعاً لها. ثانياً: الصراع والعنف الناجمان، جزئياً، عن صراعات واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط». ويفرض هذان العائقان المترابطان، بحسب التقرير، أعباءً ثقيلة تنهك الاقتصاد اللبناني، «حيث تُقدر الكلفة السنوية للخلل الناجم عن الحكم الطائفي بـ 9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي». ويقول التقرير انه «بحسب الهيكلية القائمة، لا تُحاسب الدولة المواطنين الذين يخالفون القانون إذا ما كانوا من المقربين من النخبة المسيطرة طائفياً، أو من هم على صلة بأصحاب النفوذ الأثرياء، ما يعزز من سلطة النخبة المسيطرة ويغذي نظام المحسوبية، كما أن منهجية الواسطة والعلاقات الشخصية مع أصحاب النفوذ غالباً ما تؤثر سلباً على تنفيذ السياسات وتطبيق القانون. وهكذا يتفشى الفساد في أعماق الطبقة النخبوية الحاكمة ليصبح داءً مزمناً يمنع البلد من تحقيق أهدافه التنموية». ويضيف التقرير «أن كلفة الصراع والعنف باهظة ومتكررة، فالتاريخ يشهد على الحرب الأهلية (1975- 1990)، التي استنزفت نصف الاقتصاد اللبناني، والصراع مع إسرائيل عام 2006 الذي تسبب في خسائر مباشرة هائلة بلغت 2.8 مليار دولار أميركي، وخسائر غير مباشرة قُدرت بـ 700 مليون دولار أميركي، والصراع في سوريا أخيراً الذي كلف الاقتصاد اللبناني حتى الآن 7.5 مليارات دولار أميركي من جرّاء الخسائر في القطاعات المنتجة وتوسيع العجز المالي بحوالى 2.6 مليار دولار أميركي خلال عام 2014».
يُظهر التشخيص «أن هناك قيودا أخرى (أكثر تقليدية) متداخلة ضمن العائقين المترابطين في صميم النخبة المسيطرة، وقد تمأسست تلك القيود عبر النظام الطائفي القائم، والوضع الدقيق في البلد، وظروف المنطقة المتضررة من جرّاء الصراعات المسلحة على نحو عام. وتؤثر القيود سلبا على إمكانات لبنان في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام الذي يضمن العيش الكريم للمواطنين، بما في ذلك عدم استقرار الاقتصاد الكلي، والمناخ الضعيف لأنشطة الأعمال، والاستثمارات غير الكافية في مجال البنى التحتية (وبالأخص في المناطق المحرومة)، وعدم التوازن بين الكفاءات المعروضة وحاجات سوق العمل، وضعف المؤسسات والأطر التنظيمية»، كما يفترض التشخيص هذا، أنه «في غياب نظام الحكم الطائفي والنزاعات الداخلية والإقليمية، تكون تداعيات القيود المذكورة محدودة أكثر. وبالتالي، القيود التي تتعلق بقطاع الكهرباء وقطاع التعليم، على سبيل المثال لا الحصر، فهي متداخلة ضمن العوائق الأخرى المترابطة، ما يؤدي إلى تعطيل العمليات الإصلاحية وإلى تفاقم التداعيات السلبية على القطاعات الأخرى».
ويستنتج التقرير «أن جذور العائقين التوأم المترابطين عميقة في صميم النظام، الا ان هناك وسائل للحد من تأثيرهما، نصنفها كالآتي: (1) استراتيجية ترمي مباشرة إلى الحد من تفاقم تداعيات العائقين المذكورين؛ ( 2) واستراتيجية ترمي إلى تطوير برنامج إصلاحي كحافزٍ أقوى يُبطل النظام القائم. الاستراتيجية الأولى تحمل إمكانات عديدة في مجال تحقيق الأهداف التنموية، لكنها تتطلب وقتاً طويلاً لحصد النتائج نظر لعمق جذور العائقين. أما الاستراتيجية الثانية فهي مناسبة أكثر لتحقيق النتائج على المدى القريب، ولكن على نحو محدود نظراً لعمق القيود». ويذكر التقرير بعض الأمثلة حول الاستراتيجية الأولى، كتطبيق بنود أساسية من اتفاق الطائف من خلال اعتماد قانون اللامركزية، وإنشاء مجلس مصغر ضمن البرلمان يجري انتخابه على أساسٍ غير طائفي، وتحسين كيفية الحصول على المعلومات الإحصائية، وتعزيز الاستقرار السياسي، وإصلاح المؤسسات وتطويرها. أما الاستراتيجية الثانية، فتتضمن الأمثلة التالية: العمل على تحليل شامل يبيّن حدة التداعيات السياسية والاقتصادية بالنسبة إلى القطاعات المتداخلة، وتصميم حزمة كبيرة من الإصلاحات، وفرض نهج الاستفادة من الفرص حينما تُتاح، والعمل على موضوع الطبقة النخبوية المسيطرة، والمشاركة الاجتماعية «الأفقية»، وإدارة قضية النزوح السوري إلى لبنان وتحويلها إلى فرصة محتملة.

Exit mobile version