هذا السوق يُمكن تحويله إلى سوق إستهلاكيّ كبير من منطلق أنّ 60% من الشعب الإيراني عمرُه لا يتجاوز الثلاثين عاماً، وهذا الشباب هو شباب معاصِر، له اطّلاع واسع على الخدمات العالمية من تكنولوجيا وغيرها. من هذا المُنطلق، تتمتّع هذه الشريحة بالانفتاح الكافي لكي يكون السوق الإيراني سوقاً إستهلاكيّاً بامتياز.
لكنّ هذا الأمر ليس بالوحيد، فالعالم مُهتمّ بنَفط إيران وغازِها، خصوصاً مع بروز عدّة مشاكل جيوإستراتيجية هدّدَت الاقتصاد العالميّ، وخصوصاً الغربيّ، بوَقف دعمِه بالنفط والغاز على مثال الأزمة بين روسيا وأوكرانيا التي هدّدَت وما زالت الاقتصادَ الأوروبي.
وأهمّية نفط وغاز إيران في هذه المرحلة تأتي من عدّة عوامل، على رأسها: (1) إيران بَلد مُصَدّر للنفط والغاز، والشركات التي ستتعاقد مع إيران لا تحمل أيّ مخاطر ناتجة عن عدم وجود نفط أو غاز. لذا يُعتبَر الأمر أمراً محسوماً.
(2) إنّ مشكلة الغاز والنفط هي بالنضوب، من هذا المُنطلق نرى أنّ معظم الدوَل تبحث عن بديل للنفط والغاز كالولايات المُتحدة الأميركية التي عملت على الغاز والنفط الصخري، والصين التي تعمل على استغلال احتياطها من الفحم كما والطاقة النوَوية.
لكنّ معظم هذه البدائل ما زالت تفتقِد إلى التقنيّات التي تجعل منها المصدرَ الرئيسي للطاقة، من هنا نرى أنّ النفط الإيراني مُرَحَّب به في الأسواق العالمية إلى حين تتمكّن الدوَل المعنية من إيجاد التكنولوجيا التي تسمح لها بإنتاج الطاقة بشكل واسع من غير النفط والغاز.
(3) تُعتبَر إيران سوقاً مثالياً من ناحية أنّ الإستهلاك المُستورَد سيتمّ دفعُه من النفط والغاز المُصَدّر. (4) إنّ واقع إيران الجغرافي يَسمح للولايات المتحدة الأميركية بتأمين النفط والغاز للعديد من حلفائها الإقليميين وعلى رأسِهم تركيا، الباكستان، والهند.
(5) إنّ الخطرَ الصيني على الاقتصاد الأميركي كبير، خصوصاً مع بِدعةِ ربط اليوان الصيني بالدولار الأميركي. من هذا المُنطلق ستَعمد الولايات المُتحدة الأميركية إلى منع أيّ اتّفاق على النفط والغاز الإيراني مع الصين المُتعطّش إقتصادُها للنفط والغاز.
إضافةً إلى هذين العاملين – السوق الإستهلاكي والنفط والغاز – هناك عامل الاستثمارات، فكلّ شيء في إيران بحاجةٍ إلى تحديث أو إعادة بناء من الصفر.
وقد يظنّ المرء أنّ كلّ هذه العوامل الآنفة الذكر كافيةٌ لوحدها لتشجيع التعاون الاقتصادي مع إيران، وهذا حقّ. لكنّ الشركات العالمية ترى مِن منظار مُختلف فرصةً ذهبية قد تزيد أرباحَ هذه الشركات.
فموقعُ إيران الجغرافي في بحر الدوَل العربية التي يزيد عدد سكّانها عن عدد سكّان الولايات المُتحدة الأميركية، يَسمح لها بأن تُلبّي صناعياً قسماً كبيراً من حاجة هذا السوق الذي ستتنافسه مع الصين وتركيا. فإيران تحتلّ اليوم المركزَ الرابع عالمياً في إنتاج الإسمنت، والمرتبة الأولى إقليمياً في صناعة السيارات.
وهنا تكمن فكرة الولايات المُتحدة الأميركية في جعل إيران المنافسَ الرئيسيّ للصين في السوق العربي (الشرق أوسطي وشمال أفريقيا). لكن لِفعلِ ذلك، تحتاج الولايات المُتحدة الأميركية لنقلِ التكنولوجيا إلى إيران، وذلك عبر الشركات التي ستستثمر في إيران مع أخذِ الإحتياطات بعدمِ نقلِ أيّ تكنولوجيا قد تقود إلى استخدام عسكري ضدّ إسرائيل. وبذلك ستكون هذه التكنولوجيا رافعةً للإستراتيجية الصناعية الإيرانية.
لكن هل هناك مِن ثقة كافية في النظام الإيراني تدفَع بالغرب إلى الإستثمار في إيران؟ وهل عودة المحافظين إلى الحكم في الولايات المُتحدة الأميركية ستُغيّر السياسة الأميركية تجاه إيران؟
مِن الواضح أنّ الثقة الغربية في النظام الإيراني كانت غائبة، لكنّ الرئيس الإيراني استطاع إحداث خرقٍ مِن ناحية توَجّهِه الإصلاحي والكاريزما التي يتمتّع بها. وبالتعامل بين الدوَل هناك كلمة «مصداقية» تُحَدّد مدى الثقة التي يُمكن إعطاؤها لنظام سياسي معيّن، وتنصّ على أن يقول النظام السياسي ما ينوي القيامَ به (ضمن احترام القوانين الدولية) والقيام بما صرّحَ أنّه ينوي القيامَ به.
أيضاً يُمكن القول أنْ لا مصلحة لإيران التي يُمكن أن تتبوَّأ عرشَ الدوَل الإقليمية اقتصادياً، أن تخِلَّ بالاتّفاق مع الدول 5+1 لِما في ذلك من تراجُع اقتصاديّ واجتماعي للشعب الإيراني.
أمّا نظرة المحافظين الأميركيين للنظام الإيراني، فهي نظرةُ حذَر، وإلى حدّ بَعيد رفضٍ لأيّ اتّفاق مع إيران. لكنّ النظام السياسي في الولايات المُتحدة الأميركية لا يتغيّر مع تغَيُّر العهد ببساطة، وذلك من ناحية أنّ الإدارة الأميركية بمعظمها ثابتة، ولا تتغيّر المُخططات بسهولة، بل يتمّ تطويرها.
في الختام، يَبقى السوق الإيراني سوقاً غيرَ سَهل وغيرَ واضح، أقلُّه قبل التصويت الأميركي على الاتفاق، وكم سيتطلّب مِن الوقت لرفعِ العقوبات عن إيران لكي تتمكّنَ الشركات العالمية من التموضع في هذا السوق.

