Site icon IMLebanon

«ويكيبيديا» تخوض معركة فاصلة مع المال

wikipedia
مراد أحمد

عدد قليل من مستخدمي ويكيبيديا في كل مكان يتعاملون مع مقالاتها على أنها شيء مقدس. لكن نظرا إلى التفاخر بأن صفحاتها لا يمكن شراؤها، يرى كثير من الناس أن الـ 35 مليون حالة دخول، أو نحو ذلك، على الموسوعة الإلكترونية تمثل رقما محايدا إلى حد كبير.

هذه الشهرة من الحيادية، خلافا لشهرة سويسرا، تقوم على نفور مثالي من المال. فعلى النقيض من أصحاب المليارات الذين بنوا الأعمدة الرئيسية الأخرى للإنترنت، قاوم قادة ويكيبيديا الرغبة في نشر الإعلانات عبر الموقع. بالنسبة إلى المؤسس، جيمي ويلز، كانت المهمة هي “منح كل شخص حرية الوصول إلى مجموع كامل المعرفة البشرية”. وقد نجحت في ذلك: الموقع الذي يأتي معظم تمويله من خلال تبرعات ضئيلة، واحد من المواقع العشرة الأعلى تصفحا في العالم.

ليست هناك قواعد ثابتة، أو صارمة تتعلق بما يمكن نشره، باستثناء قاعدة واحدة هي “الخط المشرق”. يقول ويلز “إذا كنت مدافعا مدفوع الأجر، ينبغي لك الكشف عن تضارب مصالحك، وألا تحرر أبدا أي مساحة لمقال بشكل مباشر”. بالتالي، إذا كنت تختلف مع ما جاء في إحدى المواد، يكون الأمر صعبا. الخيار الوحيد هو إعلان ولائك وأن تناشد إلكترونيا فيلق ويكيبيديا من المحررين المتطوعين الذين يحاولون التحقق من المعلومات باستخدام مصادر مستقلة.

لكن الخط المشرق يتم اختراقه. أعلنت مؤسسة ويكيميديا غير الربحية، التابعة لويكيبيديا، أخيرا أنها أغلقت في أعقاب عملية رقمية سرية 381 “حسابا يستخدم أصحابها هويات خادعة”، مبينة أنها مستخدمة من قبل أشخاص مدفوع لهم لتحرير صفحات تتحدث عن شخصيات معينة، عادة لتصويرهم بشكل إيجابي. هؤلاء الأشخاص يبدو أن لهم سيدا واحدا “مجموعة منسقة” تنتحل صفة موظفي ويكيبيديا وتعرض عليهم إعداد مقالات للشركات الصغيرة والأفراد مقابل رسوم. ويقال إنهم أوقعوا بمصور لحفلات الزفاف ومتسابق سابق في برنامج تلفزيوني (بريطانيا تمتلك مواهب)، من بين عشرات آخرين.

هذا قد يكون عملية احتيال صغيرة، لكنها تسلط الضوء على هجوم مكثف على المبادئ التأسيسية لويكيبيديا. هل بإمكان استقامة الموقع البقاء والتغلب على الحتمية التجارية؟

يبدو أنه لا يمكنه ذلك، لأن ويكيبيديا هدف للمجمع المتنامي من المعلومات الصناعية، الذي حوّل إدارة السمعة عبر الإنترنت إلى صناعة قيمتها ملايين الدولارات. وعادة ما يعطيك البحث من خلال “جوجل” رابطا إلى الموقع واحدا من أول النتائج. وبالنسبة إلى الشركات والشخصيات البارزة المرموقة، تعتبر هذه قوة، أو سلطة لا يمكن أن يعهدوا بها إلى هواة مثاليين.

تعهدت شركات العلاقات العامة والشركات بالتمسك بقواعد ويكيبيديا. مع ذلك، تبقى هناك حالات من التلاعب. ففي حزيران (يونيو) الماضي، تبين أن موظفي شركة سنشاين ساكس، وهي مجموعة أمريكية تختص بالعلاقات العامة، تحايلوا في المادة الخاصة بعميلتهم، نعومي كامبل، لإزالة المراجع الدالة على الفشل التجاري لألبومها في عام 1994. وقالت شركة سنشاين إن أحد موظفيها لم يكن على علم بالقواعد، لكن الشركة “تلتزم بالقواعد اعتبارا من الآن”.

قد تكون الحقائق مقدسة، لكن التعديلات تحتاج فقط لأن تُقدَّم بنوع من الدهاء. في عام 2011، قام جهاز حاسوب مسجل لعنوان إنترنت في شركة كوكا كولا بتغيير وصف لمنتجها “داساني” من مياه “معبأة في زجاجات” إلى مياه “مصدرها الينابيع”. مياه داساني تصنع من المياه التي تمت تنقيتها التي مصدرها الحنفية. وقالت شركة كوكا كولا “إنها لم تستطع أن تتأكد من أن تلك التغييرات تمت من قبل موظف”، مضيفة أنها “لا تنسجم مع روح مبادئ الشركة الإلكترونية لوسائل التواصل الاجتماعي”.

بالنسبة إلى الجزء الأكبر، يعمل نظام ويكيبيديا بنجاح. والمواضيع الخلافية يتم ضبطها بشكل جيد. والصفحات المتعلقة بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني تتم حراستها من قبل دعاة من الجانبين، ما يسفر عن وجود مقالات مجردة فيها حقائق يمكن أن يتفق عليها معظم الناس. هذه هي نتيجة الجدل المتركز الثابت الذي يمكن أن يعطي بعض الأمل للذين وقعوا في صراع العالم الحقيقي. بالمثل، تثير المقالات المتعلقة بقضية التغير المناخي جدلا مستنيرا عقلانيا.

المشكلة هي أن عدد محرري ويكيبيديا آخذ في التراجع. وفقا للإحصائيات الخاصة بالموقع، كان عدد الأشخاص النشطين في الموقع، في إصداره باللغة الإنجليزية، في تموز (يوليو) 2014 نحو 31 ألف شخص، منخفضا من ذروة بلغت 51 ألف شخص في آذار (مارس) 2007.

وتساعد العوامل التكنولوجية على تفسير هذا. يمكن أن يكون التحرير عبثيا أو أخرق، وهو أسهل باستخدام الفارة ولوحة المفاتيح. وفي الوقت الذي يتحول فيه الناس إلى الأجهزة المحمولة، فإن عددا أقل منهم يقدم تغييرات. أما الأسباب الأخرى فهي عوامل بشرية بلا شك: يتوقف المحررون ببساطة عن دخول الموقع في الصيف. ردا على ذلك أسس بعض المحررين برامج بإمكانها التفحص بحثا عن أخطاء مطبعية وغيرها من الأخطاء، وتقوم على الفور بعكس التغييرات على الصفحات المعرضة لتكرار الأخطاء. وتعمل مؤسسة ويكيميديا كفريق واحد مع المؤسسات الأكاديمية، وتحاول جعل عملية التحرير أسهل.

لكن من دون مدققي الحقائق، فإن الثقة بمعلومات ويكيبيديا قد تتلاشى. ذلك أن بقاءها يعتمد على الأشخاص الحريصين على مواصلة الإسهام بحرية في مجموع المعرفة الإنسانية. الخوف هو أن تصمد دوافع أهل المال أكثر من دوافع المحررين الذين لا يملكون المال. فقد أصبحت التغييرات التي تخدم المصالح الذاتية لصفحات أصحاب المليارات، أو الشركات، أو متسابقي برامج المواهب تمر دون أن يلحظها أحد – وبالتالي، باتت بالنسبة إلى كثيرين حقيقة. من دون تعزيزات، لا يمكن أن يصمد الخط المشرق إلى الأبد.