Site icon IMLebanon

فصول من “المفاوضات الدولية” حول النفط اللبناني

oil-gas

 

 

مهما علا الغبار السياسي، وازدحمت الاستحقاقات الداخلية، يبقى ملف الحدود البحرية والنفطية حاضرا، بصمت أحيانا وبصخب أحيانا أخرى، مع ما يمثله من تحدٍّ استراتيجي للعدو الإسرائيلي المتربص بالحقوق اللبنانية المشروعة، إضافة إلى كونه يشكل اختبارا مفصليا للدولة اللبنانية التي لم تتجاوز علاماتها معدل النجاح، حتى الآن، بسبب استمرار عجزها عن إصدار المراسيم التطبيقية الحيوية لقانون النفط.

ويبدو أن إعادة تحريك ملف النزاع البحري مع إسرائيل، في اتجاه إنصاف لبنان، تنتظر نتائج الجهود التي تُبذل، من وقت إلى آخر، لدفع الأمم المتحدة إلى المشاركة في معالجة هذا الملف، بالتعاون مع الولايات المتحدة التي تستطيع وحدها ممارسة الضغط على إسرائيل.

وأبلغت مصادر واسعة الاطلاع «السفير» أن المطلوب إيجاد «إخراج» مناسب، يسمح للمنظمة الدولية بأن تساهم في تسوية هذه المشكلة، استنادا إلى آلية متصلة بالقرار 1701، على قاعدة احترام حقوق لبنان في مياهه ونفطه، علما أن المعلومات تفيد أن من أسباب «حذر» الأمم المتحدة، لغاية الآن، في مقاربة أزمة الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، رغبتها في ألا تُفتح عليها أبواب مغلقة في أماكن أخرى من العالم.

ولكن.. كيف تطور هذا الملف، وما هي المراحل التي عبرها؟

قبل سنوات قليلة، وخلال مؤتمر نفطي عقد في البحرين اكتشف لبنان بالمصادفة أن بحره يختزن ثروة نفطية. يومها، استطاع أحد الخبراء النفطيين اللبنانيين الذين كانوا يشاركون في المؤتمر أن يستحوذ على نسخة من تقرير أعدته شركة «نوبل إنرجي» الأميركية، تؤكد فيه أن البحر اللبناني «ثري» بتروليا.

والمفارقة أن الدراسة وحدها كانت معروضة للبيع بمبلغ يقارب الخمسة ملايين دولار، وأن الشركات العالمية بدأ لعابها يسيل، فيما الدولة اللبنانية كانت آخر من يعلم!

وفور عودته إلى بيروت، سلّم الخبير النفطي الدراسة إلى مسؤول لبناني كبير، إيذانا ببدء مرحلة جديدة، سمتها نفطية. ولاحقا، بدأت معركة متعددة الأبعاد والأطراف في الداخل لإقرار قانون النفط.

خلال واحدة من جلسات الحوار الوطني السابق في بعبدا، وزَّع الرئيس نبيه بري على المتحاورين مغلفا يتضمن نسخة عن التقديرات الأجنبية المتفائلة بالمخزون الغازي في البحر اللبناني. حينها، اعتبر أحد أقطاب الحوار أن التوقعات مبالغ فيها، فأجابه بري: «شحاذ.. ومشارط»، مضيفا: حتى لو افترضنا أن الأرقام الحقيقية أقل مما هو متوقع، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الثروة النفطية وانعكاساتها الاقتصادية على لبنان.

وفي ما بعد، احتاج الأمر إلى جولات من المد والجزر بين مكونات الحكومة، ثم بين الحكومة ومجلس النواب، قبل أن يسلك قانون النفط «الخط العسكري» بغطاء من بري الذي اضطر آنذاك إلى «الهرب» من المستشفى حيث كان يُعالج من نوبة «بحص» ليشرف شخصيا على عبور اقتراح القانون ممر الهيئة العامة بأسرع وقت ممكن.

وبينما كان لبنان ينكب على تحديد «البلوكات» النفطية وترسيم حدودها، كانت إسرائيل تحاول أن تفرض أمرا واقعا في البحر، من خلال عدم الاعتراف بحق لبنان في جزء من مياهه الإقليمية (المتاخمة للبحر الفلسطيني)، والتي تقارب مساحتها 850 كيلومترا مربعا، باتت موضع نزاع حدودي مع كيان الاحتلال.

وتختزن هذه المساحة كميات نفطية ضخمة، يسعى العدو الإسرائيلي باستمرار إلى اقتناص ما أمكنه منها، عبر وسائل تقنية عدة، لا سيما في البلوك الرقم «8» الواقع في أقصى بحر الجنوب اللبناني عند مثلث الحدود البحرية اللبنانية ـ القبرصية ـ الفلسطينية.

وقد حصل ذات مرة أن عرض بري أمام أحد الزوار الأميركيين صورا عن أنشطة إسرائيلية مريبة في المياه الإقليمية اللبنانية، محذرا من تبعات خطيرة لأي سرقة إسرائيلية للنفط. سأل الزائر الأميركي رئيس المجلس: من أين أتيت بهذه الصور؟ فأجابه: هذا شأن لا يعنيكم.. المهم أن تتدخلوا لوقف الانتهاكات الإسرائيلية لسيادتنا البحرية.

وبعد اتصالات أميركية مع الجانب الإسرائيلي، تبلغ بري من السفير المعتمد في بيروت ديفيد هيل أن الأمر لا يتعلق بسرقة نفطية، وإنما بوضع أجهزة إنذار مبكر لرصد أي تسلل إلى فلسطين المحتلة عبر البحر، فرد عليه بري قائلا: هذا عذر أقبح من ذنب.. نحن لا نقبل أن توضع أجهزة إنذار في مياهنا.

وما زاد الموقف تعقيدا، أن المقاربة الرسمية اللبنانية لهذا الملف لم تكن موحدة حينها، بعدما نشب خلاف بين بري ووزير الطاقة في تلك المرحلة جبران باسيل (حكومة سعد الحريري) حول المنهجية التي يجب استخدامها في عملية تلزيم «البلوكات» النفطية العشرة.

وخلال أحد الاجتماعات بين الإثنين في عين التينة توجه بري إلى باسيل بالقول: أنا أطلب منك شيئا واحدا، وهو أن تعرض جميع «البلوكات» للتلزيم حتى نضمن حقنا في المساحة المتنازع عليها مع إسرائيل، وبعد ذلك، ليس مهما عندي من أي «بلوك» يبدأ التلزيم الفعلي.. أولويتي هي لتكريس حقنا وحمايته، وأنت حر التصرف في ما بعد.

وعندما زار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون رئيس المجلس، تمنى عليه بري أن تؤدي الأمم المتحدة دورا مباشرا في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، تماما كما فعلت في البر، على قاعدة أن الحدود كل لا يتجزأ.

يومها، قال بري لـ «بان»: كما أشرفتم على رسم الخط الأزرق في البر، نريد منكم أن تساهموا في رسم خط أبيض في البحر الأزرق. رفض «بان» الاقتراح اللبناني، معتبرا أن هذا الجانب ليس من اختصاص المنظمة الدولية.

حاول بري الالتفاف على الرفض «الأممي»، قائلا: أنا كنت شريكا في كتابة القرار 1701، وهناك سفن لقوات الأمم المتحدة، موجودة في البحر بموجب هذا القرار، فكيف يصح ذلك، ولا يصح أن تتولوا رعاية ترسيم الحدود البحرية لحماية حقوق لبنان من الأطماع الإسرائيلية. لكن «بان» أصرّ على موقفه، وبالتالي انتقل البحث إلى شؤون أخرى.

عند نهاية الاجتماع، وفيما كان بري يودع ضيفه عند المصعد، همس «بان» في أذنه قائلا: عليك بالأميركيين.. تكلم معهم.

وبالفعل، دخل الأميركيون لاحقا على خط النزاع البحري بين لبنان وسلطات الاحتلال، لا سيما أن مصالح إسرائيل النفطية أصبحت على المحك، بعدما أبدى لبنان استعدادا للذهاب حتى النهاية في الدفاع عن حقوقه، متسلحا بقوة المقاومة، عبر التلميح تارة والتصريح طورا.

اختارت واشنطن في البداية أحد كبار موظفي وزارة الخارجية فريدريك هوف لتولي «الوساطة»، وهو صاحب خبرة في المفاوضات المتصلة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، سواء تلك التي تمت في السابق بين إسرائيل وسوريا برعاية أميركية، أو تلك التي سميت «متعددة الأطراف».

بعد اللقاء الأول بين بري وهوف، بدا لرئيس المجلس أن الموفد الأميركي غير «متعصب» ومنفتح على النقاش، وإن يكن متعاطفا مع إسرائيل.

تواصلت الاجتماعات في عين التينة على فترات متقطعة ومتباعدة، ليقر هوف في خلاصتها بحق لبنان في 530 كيلومترا مربعا من المساحة البحرية المتنازع عليها، ثم أضاف إليها لاحقا عشرات الكيلومترات الإضافية، لتبلغ النسبة المعترف بسيادة لبنان عليها عتبة الـ700كيلومتر مربع.

فجأة، وقع الانقلاب على هوف، وتبلغ المعنيون في بيروت أن مسؤولا أميركيا جديدا، سيتولى الملف النفطي هو مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة آموس هوشتاين. على الفور أثار الإسم الريبة والهواجس، بالنظر إلى طابعه اليهودي الواضح، وما لبثت المخاوف أن صدقت بعدما تراجع هوشتاين عن سقف هوف، وأعاد خلط الأوراق.

وخلال أحد اللقاءات بين بري وهوشتاين، نبه رئيس المجلس الزائر الأميركي إلى أن مسألة الحقوق البحرية والنفطية اللبنانية حساسة جدا، وربما تتسبب باندلاع حرب بين لبنان وإسرائيل في حال أصرت إسرائيل على مواصلة انتهاكها. وأضاف مخاطبا هوشتاين: يجب أن يكون معلوما أنه ليس واردا لدينا التنازل عن كوب واحد من مياهنا ونفطنا.. تذكر أنه بسبب شجرة لبنانية كادت تندلع حرب قبل سنوات.

كان الأميركيون يتسلحون بنقطة ضعف لبنانية ـ تتمثل في الخلاف حول بعض التفاصيل النفطية ـ للهروب إلى الأمام والتمويه على الدور الإسرائيلي السلبي. هنا، وربما في واحدة من المرات النادرة، أدرك المسؤولون المعنيون ضرورة سد هذه الثغرة الداخلية لتحصين جبهة التفاوض، وبالتالي تمكنوا من التوافق على ورقة «ثوابت لبنانية» حيال الحدود البحرية، بموافقة كل من نبيه بري وتمام سلام وفؤاد السنيورة و «حزب الله» وجبران باسيل ووليد جنبلاط.

نام بري على ورقة الإجماع التي استقرت في عين التينة بعد تجوالها، وراح ينتظر الزيارة المقبلة لهوشتاين التي كان موعدها قد حُدد سابقا.

وصل الموفد الأميركي إلى بيروت، وجال على المسؤولين المعنيين الذين أبلغوه بأن هناك موقفا لبنانيا موحدا من مسألة ترسيم الحدود البحرية.

وعندما التقى هوشتاين برئيس المجلس في ختام جولته، بادره إلى القول مبتسما: لقد فعلتها.. فأجابه بري: من الطبيعي أن نستعد جيدا لزيارتك التي نوليها كل الاهتمام.

جلس هوشتاين والسفير الأميركي ديفيد هيل جنبا إلى جنب، وكان بري على مقعده بجوارهما. فجأة، طلب رئيس المجلس من ضيفيه أن يفسحا المجال له، كي يجلس بينهما. استجاب الزائران الأميركيان مع شيء من الاستغراب لطلب بري الذي توسطهما، ثم ما لبث أن بسط على الطاولة «خريطة رسمية إسرائيلية» تؤكد صوابية الطرح اللبناني حول الحدود البحرية.

فوجئ هوشتاين وهيل بالوثيقة، وسألا بري: كيف حصلت عليها؟ ابتسم رئيس المجلس وقال لهما: لا أحد يحقق معي.. بل أنا من يجب أن يحقق في ما يجري.