Site icon IMLebanon

النمو في لبنان: تكهنات لا أرقام

LebanonEcon4
عزة الحاج حسن

عندما يتوقع صندوق النقد الدولي تحقيق لبنان نمواً بنسبة 2 في المئة للعام 2015، في مقابل تأكيد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بلوغ النمو للعام نفسه مستوى الصفر في أفضل الأحوال، يصبح الحديث عن الأرقام مجرّد “حشو” لتقارير يضيع القارئ في تفاصيلها، ويتوه واضعوها في توقعات اقتصادية ومالية قد تصيب وقد تخيب.
ولا يقتصر تضارب الأرقام بين المؤسسات الدولية ومصرف لبنان فحسب، إذ ينسحب على توقعات جمعية المصارف اللبنانية أيضاً التي تتوقع بلوغ النمو الإقتصادي في لبنان مع نهاية العام الحالي نحو 2.5 في المئة، وهي نسبة متقدمة عن العامين السابقين، إذ بلغت نحو 1.75 في المئة في العام 2014 ونحو 1.5 في المئة في العام 2013، فما هي المعايير التي تستند إليها التقارير، محلية كانت أم دولية؟ وهل تختلف المعطيات الإقتصادية بين مؤسسة وأخرى؟ لاسيما أن الإختلاف تجاوز مستويات النمو، ليصبح إختلافاً حول تحقيق نمو أو لا نمو نهاية العام الحالي.
لا شك أن الاقتصاد المحلي شهد تحسناً في الأداء في الفترة الأخيرة وإن بوتيرة متواضعة نسبياً، ولكن ترسّخ الأزمة السياسية الناجمة عن إرجاء الإستحقاقات الدستورية، إضافة الى تداعيات الاضطرابات الإقليمية على الساحة المحلية، وتفاقم دين لبنان العام. لا تترك للشك مكاناً في تراجع غالبية المؤشرات الإقتصادية لاسيما تلك المتعلّقة بالقطاعات الإنتاجية، وهي ما تحتّم على مستويات النمو الإنخفاض، ولكن يبقى الإختلاف حول نسبة الإنخفاض.
ورغم أخذ صندوق النقد الدولي بالإعتبار تداعيات الأزمة السورية على الإقتصاد اللبناني، غير أن التقديرات بالأرقام أوردها مصرف لبنان وهي ما شكّلت داعماً أساسياً لتوقعات انخفاض النمو الى الصفر، فكلفة الحرب السورية على لبنان تتراوح بين 10 الى 11 مليار دولار، بحسب مصرف لبنان.
اختلاف جوهري آخر في تقدير مسبّبات النمو بين صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان، وهو اعتبار الأخير أن لبنان يستفيد من تراجع أسعار النفط العالمية، لأنه بلد مستورد وليس منتجا، وهو ما لا يختلف حوله مع صندوق النقد الدولي، ولكن بحسب المصرف فإن انخفاض سعر النفط، بات كسيف ذي حدّين، إذ أنه يطاول التحويلات الخارجية الى لبنان التي تصل الى 8 مليارات دولار سنويا، ومنها 60 في المئة من دول الخليج، مقابل خفضه لفاتورة لبنان النفطية بحدود 50 في المئة.
أما في ما خص الدين العام اللبناني فتحذّر التقارير كافة من مخاطر تفاقمه، إن جهاراً أو ضمناً، لاسيما بعد بلوغه نسبة 140 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بنحو 50 مليار دولار، وليس تفاقم الدين العام سوى “مكبّل” و”كابح” للنمو الإقتصادي، الذي يعتمد على عوامل الثقة والإستقرار ووضوح الرؤى الإقتصادية.
ونظراً الى استمرار الأزمة السورية بما تحمل من تداعيات خطيرة على الإقتصاد اللبناني، وغياب أي رؤية لبنانية لضبط العجز والدين العام، وتراجع الثقة الدولية بلبنان، والتي تظهر بخفض التصنيفات الإئتمانية من قبل الوكالات الدولية (وكان آخرها من قبل وكالة ستاندر أند بورز) فكيف تُفسّر توقعات صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير حول النظرة المستقبليّة للإقتصاد العالمي، بارتفاع نسب النمّو الحقيقي في لبنان إلى 2.5 في المئة نهاية العام 2016 المقبل، والى 4 في المئة في العام 2020؟.
غياب تعليلات دقيقة لتوقعات النمو من قبل المراجع الدولية والمحلية، تجعل من الأرقام المُتوقعة مجرّد تكهنات لا أكثر، بحسب الخبير الإقتصادي الدكتور ايلي يشوعي، لاسيما أن تحديد مستويات النمو تستلزم وجود إحصاءات لكل القيم المضافة التي حققتها القطاعات كافة في المجالين العام والخاص، وهذا غير متوفّر على الرغم من وجود مديرية للإحصاء المركزي.
وخير دليل على غياب الأرقام الإحصائية الدقيقة، وفق حديث يشوعي لـ المدن” هو التناقض في “التكهنات” حيال النمو بين المؤسسات الدولية والمحلية وبين المؤسسات المحلية نفسها، وفي إطار التكهنات أيضاً يميل يشوعي الى احتمال عدم تحقيق أي نمو للعام الحالي، لاسيما بعد بلوغ التراجعات الإقتصادية ذروتها وخروج الكثير من الإستثمارات من لبنان.

Exit mobile version