Site icon IMLebanon

رسالة من فرنجية إلى الحريري!

كتب ابراهيم الأمين في صحيفة “الأخبار”:

 

عزيزي الشيخ سعد،

آمل أن تصلك رسالتي وأنت وعائلتك بألف خير، متمنياً لك وافر الصحة لمناسبة الأعياد المجيدة، وراجياً من الرب أن تكون هذه السنة آخر سنواتك العجاف، وخاتمة منفاك الطوعي.

أودّ، بداية، تكرار شكري لك على استقبالي الودّي في باريس، وامتناني لثقتك وترشيحك لي لمنصب رئاسة الجمهورية. ولا أخفيك أنها كانت أكبر مفاجأة في حياتي السياسية. كما لا أخفيك أنها نالت مني بعض الشيء، ونالت من محيطي أكثر. لكنني أعمل جاهداً على عقلنة المشاعر، واحتواء الانفعالات، حتى لا نقع، نحن وإياك، ضحية جائزة افتراضية.

قلتَ لي الكثير، وقلتُ لك ربما ما هو أقل. سألتَ عن هذا وذاك، وهذه وتلك، وأجبتُك بالقدر المتيقن عندي. وعندما توصلنا الى ارضية تفاهم قائمة على الاستعداد الإيجابي لبناء علاقة مديدة، تعهّدنا سوية ببذل الجهود، كل من جانبه، لتحويل مقترحك الى حقيقة عملية على الأرض.

وعدتني بأن تعمل على جمع كل رفاقك في تيارك السياسي، وفي فريق 14 آذار، وأن تكونوا يداً واحدة خلف القرار. كما كررتَ أمامي أن لديك ما يكفي من الضمانات بأن حلفاءك، في الإقليم والعالم، سيقفون الى جانبنا، ويساعدون في تذليل أي عقبات، وفي دفع الأمور، وبأسرع مما يتوقع الآخرون.

من جانبي، قلتُ لك إنني سأبذل جهدي الكامل لإقناع حلفائي، في البلاد وفي المنطقة والعالم أيضاً، للوقوف الى جانب التسوية. وإنني سأتعاون مع المخلصين لتذليل عقبة العماد ميشال عون. وقد سعيت، فور عودتي الى بيروت، الى اعادة صياغة خطاب وفاقي غير انقسامي داخل تياري السياسي.

وطلبت من رفاقي والعاملين معي استعادة كل تاريخ إيجابي حول علاقتي بأبناء طائفتك، وحتى مع الخصوم من أبناء منطقتي وطائفتي. وأعطيت توجيهاتي الى كل محيطي بتجاوز أيّ أحقاد لها علاقة بالماضي الأليم، خصوصاً مع منافسي وقاتل عائلتي.

لكن، ها قد مرّت أسابيع عدة، والأمور لا تسير وفق المشتهى. وربما بات من المفيد، لنا سوية، أن نجري مراجعة، ونضع الوقائع كما هي حقيقة، لا كما تمنّينا، لأن في ذلك ما ينير الطريق، ويسهّل علينا المهمة، ويمنع عنا السهو والخطأ، لأنني لا أزال أرى في مقترحك فرصة قابلة للتحقّق، كما هو حالك، بحسب ما تقول لي دائماً، وبحسب ما يصرّح المقربون منك.

عزيزي،

أودّ أن أطلعك، بأمانة، على صورة الموقف في جانب حلفائي وأصدقائي. وسأكون دقيقاً بما يسمح لك بتقدير الخطوة المقبلة.

لم يبادر الرئيس نبيه بري الى خطوات كما توقعتَ أنت. بل هو في مربّع المنتظِر، وغير المبادر. وهو لا يخفي أمامي، ولا أمام الآخرين، عدم معارضته للتسوية، بل ويبدي ترحيبه بها. لكنه يستخدم الـ “إذا الشرطية” في كل أحاديثه، ويتحرك بقدر عالٍ جداً من الحذر، مع بعض الريبة. ربما لديه، ما ظهر أنه موجود لدى صديقنا الآخر، وليد بك جنبلاط، حيث يكرر الاثنان الأسئلة حول ما إذا كنا، أنا وأنت، في صدد عقد صفقة تسيطر على أعمال الحكومة المقبلة. وهما يتندّران حول بعض ما طرحتَه أنت في لقائنا الباريسي. وجنبلاط، ربما، أوضح تعبيراً من الرئيس بري، عندما يقول إنك تطمع في الكثير. لكن النتيجة أن الرئيس بري ليس في صدد إحراج أحد، ولذلك لا يبدو أنه سيدعو الى جلسة انتخاب بعد أيام. بل هو يقول، صراحة، إن الأمور غير ناضجة. وأكثر ما يقلقني أنه نفى علاقته بكل التسوية. وأقسم أيماناً مغلّظة، امام مرشحين منافسين، انه كان مدعوّاً الى المائدة، ولم يشارك في وضع لائحة الطعام، وإن كان لا يخشى ان التحلية، في النهاية، لن تكون مخالفة لمذاقه.

أما في شأن العماد ميشال عون، فالحقيقة أنه لم يتحرك قيد أنملة عن موقفه وموقعه. صحيح أن انصاره ومقربين منه وإعلاميين ومحبيه، لم يهدروا دقيقة من وقتهم للهجوم على المقترح، حتى نالوا مني أيضاً. لكن الأمر لم يكن انفعالياً كما اعتقدنا سوية. عندما التقيت صهره جبران، قبل مدة، سمعت اسئلة وتعليقات جعلتني غير مرتاح. لكنني قلت في نفسي أن جبران مقدور عليه. وتذكّرت قول عمتي، صونيا، انه، في النهاية، ابن احد أتباع جدي، وانه في حاجة الى علاقة معي اذا ما أراد الوصول الى النيابة وتعزيز حضوره الشمالي.

ولكن، عندما قصدت الجنرال، لاحقاً، وجدت الأمر أكثر صعوبة. اضطررت، مرة وأكثر، لأن أعدّل جلستي حتى لا أكون في كابوس. الرجل لا يرى أن التسوية قائمة أصلاً. ويرى نفسه الرئيس حتى ولو أمضى عهده في بيته في الرابية. أعطاني درساً في السياسة، ولفتني الى ما يحبه، هو، من انضباط في صفوف جيشه. خرجت من اللقاء أكثر إحباطاً من قبل. ولم يكتفِ بذلك، بل تعمّد أن يكرّس موقفه في بيان للكتلة النيابية التي أنا عضو فيها. وكنت، في كل لحظة، ارى في ظله صورة السيد حسن، يقف خلفه، يدعمه ويشجعه. أو، لكي أكون دقيقاً، الجنرال يرى أنني الوحيد في فريقنا من تحرك من مكانه، فيما كل الآخرين لا يزالون الى جانبه مرشحاً ورئيساً ولو كره الكارهون.

عندما عدت الى المنزل لم أجد ما أقوله للمقربين. رفعت سماعة الهاتف، وطلبت الحاج وفيق (صفا)، وقلت له إنني أحتاج الى لقاء عاجل مع السيد حسن. ليلتها لم أنم جيداً. فكّرت، وقرّرت انه لا حاجة الى لفّ ودوران، فليس أمامي سوى حزب الله. إن أقنعتُه قضي الأمر، وإن فشلت فلا داعي لتحميل النفس أكثر مما في وسعها.

كنت في تلك الأيام أراقب وأسمع المواقف والتعليقات، خصوصاً المعارضة منها، وكنت أفهم أن بعضها عائد الى مخاوف على وحدة فريقنا السياسي. لكنني تجاوزت الأمر قليلاً، عندما فكرت ان التسوية، تفترض، اصلاً، فك التحالفات القائمة. ونظرت الى مصيبتك بين حلفائك، فوجدت مصيبتي بين حلفائي أقل وطأة. مع ذلك، انتبهت في لحظة الى ان صديقي وشريكي ورفيق دربي في لبنان وسوريا، المير طلال ارسلان، يخشى ان يعلن تأييده لي علناً. كنت فهمت منه ان موقفه لن يقدم أو يؤخر، لكنه قد يتسبّب له بمشكلات هو في غنى عنها، سواء مع العماد عون او مع الآخرين. ثم فكرت: مع مَن مِن الآخرين يقصد؟ وتذكرت ان المير طلال كان في زيارة صديقنا المشترك الرئيس بشار الاسد. كما أنه تشاور مطولاً مع الحلفاء في حزب الله، وبالتالي، فإن إحجامه عن اعلان دعمي، لا يتعلق بحذر من إغضاب الآخرين، بل يبدو انه سمع نصيحة من هؤلاء الآخرين، بأن “اهدأ، ولا تستعجل الأمر”. عندها، تأكدت أن لكل هذه الاسئلة جواباً واحداً سأسمعه في حارة حريك.

قصدت السيد حسن. وللامانة، ولا اقصد هنا أن أشمت بك، هو حليف وفيّ وحقيقي، وليس كالذين تعرفهم انت. الرجل محترم ومهذّب ولطيف وكريم الضيافة. لم أشعر في رحلتي اليه، او في سهرتنا الطويلة، ما هو مختلف في شيء عما كنت أجده قبل ان ترشحني أنت لرئاسة الجمهورية. بل أكثر من ذلك، فقد أغدق عليّ الكلام الطيب، والأوصاف الأحبّ الى القلب، رافضاً اي اساءة قد تكون وُجِّهت اليّ من احد من فريقنا، او حتى من اشخاص، اعتقد أنا انهم يعملون بوحي من الحزب، او بعدم ممانعة على الاقل.

وكعادته، قدم لي تصوّره عما يجري من حولنا. ولا اخفيك أنه جعلني، مرات كثيرة، أضحك في سري، وهو يعرض حالة حلفائك في الاقليم والمنطقة. قدم الكثير من الوقائع والامثلة، الى درجة كدنا ننسى أن هدف اللقاء أمر آخر. ولكن، وكلما قدم لي دليلاً على ضعف فريقك في البلاد والمنطقة، كلما تنبّهت الى أن الآتي من الكلام لن يكون حسب ذوقنا الرئاسي. الى ان أعدنا ترتيب أنفسنا في مقاعدنا، وتنهّد الرجل، ثم قال ما لا أرغب في ازعاجك بتكرار تفاصيله. هو لا يلجأ الى كلام نابٍ كالذي نتمازح به نحن. لكن قدرته على التقريع بك، وبحلفائك، كبيرة جداً، الى درجة شعرت فيها ببعض الاحراج إن حصل ان طلبت مني يوماً ان اروي لك التفاصيل.

لكن، دعك من التفاصيل، وخذ مني الخلاصة: الرجل لا يرى انك، ومن خلفك، في موقع يسمح لك بلعب دور المرجعية التي تقرر مصير هذا وذاك في البلاد. بل ربما يرى العكس. وهو، اصلاً، لا يثق بكلّ وعودك، وذكّرني بما فعلتَه معه، ومع الآخرين، بما في ذلك العماد عون. ولم يكن مضطراً ليقول لي ما الذي تفعله اليوم مع حلفائك في 14 آذار. ثم دفعني الى الزاوية وسألني: ألا تخشى ان يهرب الرجل من كلام قاله في جلسة مغلقة، وهو لا يزال يحاذر اعلانه رسمياً؟ وحتى لو فعل ذلك، الا ترى انه اختار توقيتاً لافتاً، واثار معك عناوين وملفات تخص مصالحه؟ ولم يتأخر في الشرح، حتى عاد وقال لي: كل الناس خير وبركة. لكننا، نحن، لسنا هو، ولا نشبهه يا سليمان بك. نحن اوفياء، ونؤمن بأن لمن وقف معنا في الشدائد له في رقابنا دَيْن الى يوم الدين. ونحن لا نخذلك انت، الرفيق والشريك والصديق، فهل ترانا نفعل هذا مع العماد عون؟

المهم، يا عزيزي، انني خرجت من تلك السهرة محبطاً بعض الشيء. اعرف ان الرجل لا يتصرف بانفعال، وهو لم يقل لي لحظة بأن أتخلى عن خياري. لكنه قال لي ما يمكن اعتباره توصية، بأن أحذر الغدر، وأن أحذر لعبة قد تخسّرني الاهل والاصدقاء، ولا تربحني اياً من الآخرين.

على انني، وإن كنت لا اريد أن أثقل عليك أكثر، إنما ــــ طالما انها سيرة وانفتحت ــــ أودّ إعلامك بأنني سأقصد الرئيس الاسد قريباً، ولا أتوقع منه ما لم اسمعه من السيد حسن. حتى ولو كنت مرتاحاً اكثر في عرض فكرتي، وفي إفراغ ما في صدري من حنق على بعض حلفائي. لكنني اود لفت انتباهك، من الآن، الى انني لست في صدد الدفاع عنك، ولا عن السعودية وفرنسا وأميركا امام الرجل. وإن هو أفاض في مهاجمتكم، فسأوافقه الرأي، ليس بقصد مسايرته، بل لأنكم لا تتوقفون لحظة عن تسعير النار في بلاده.

لكن يا عزيزي،

أود اخيراً ان أسالك عما فعلته مع حلفائك، لأن ما وصلني ليس جيداً على الاطلاق. هل سمعت ان سمير جعجع يتمنى لو كان حزب الله حليفه ولست انت؟ وهل بلغك ان “العنيد” امين الجميل وبّخ نجله سامي لأنه، ربما، افرط في الود معي قبل ان نتعهد له بمقابل معقول؟ وهل تناهى الى مسامعك ان مسيحيي 14 اذار صاروا يفضّلون بقاء تمام سلام في السرايا لأنه اكثر لطفاً منك؟

طبعاً، لن أسالك عن تيارك. فصراخ اشرف ريفي وبقية الشلة في الشمال يصمّ أذنيّ هنا في بنشعي، حتى انهم استبدلوا جبل محسن بزغرتا في معرض توصيفهم للعدو. والسلفيون، الذين قلت لي ألا أخشاهم وأنهم تحت السيطرة، يتوعدون بتسليم الشمال الى “داعش” إن أنا وصلت الى بعبدا. وطبعاً، لا حاجة لي الى أن أنقل لك موقف فؤاد السنيورة، الذي لا يتخيل غير جوزيف طربيه في قصر بعبدا.

لكن، دعني انصحك بأمر. لديّ شاب في العائلة اسمه طوني، وهو وريثي السياسي. طوني يتحرك، وينشط هنا وهناك، لكنني لم اسمع احداً يشكو انه قليل التهذيب. فهلّا نصحت ابن عمتك احمد بأن يأخذ في الاعتبار فارق العمر والتجربة عندما يتحدث مع رجالك من النواب والوزراء والكوادر. حقيقة، الامر فظيع. وانا أثير الامر، حتى لا تصاب بصدمة إن أنت وجدته وحده امام بيت الوسط. وقد قيل لي انه لا يمون على المعلم سلّوم، بائع العصير في ساحة باب السراي في صيدا، ربما لأن للرجل ديوناً في ذمتكم. كما أنني سمعت الكثير عما فعله ابناء برجا به، عندما قرر ان يسبق بزيارته شاحنات النفايات الى مطمر قرب سبلين.

وقبل ان اختم، هل لي أن أستوضحك ما إذا كنت تملك من الحظوة ما يسمح لك بمفاتحة اهل بيتك في الرياض، وان تقول لهم، صراحة، انه لا يمكنني تسويق تسوية معهم، وهم يفتحون النار ليل نهار على حلفائي، وخصوصاً، على من بيدهم الامر…

انتبه الى نفسك، واجمع ما في حصّالتك من اموال تحتاجها لكي تسير مطمئناً في شوارع بيروت. وتذكر، ان المشروع لم يمت، لكنه يحتاج الى تغذية افضل…

انا فهمت، هلا فهمت انت!

تحياتي

سليمان فرنجية