
تفاوتت نسبة الحركة التجارية في مختلف المناطق عشية الأعياد على نحو لافت جداً، حيث تراجع معدل اقبال المواطنين على المؤسسات والمحال في البقاعين الاوسط والغربي، لتبقى الحركة دون المستوى المطلوب، الأمر نفسه في أسواق صيدا، حيث تتوج الحركة مسارا من التراجع على كل المستويات، بسبب تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، والتذبذب السياسي الذي عصف بمؤشرات النمو، رغم كل الخطوات التي قامت بها جمعية التجار لتحفيز النشاط والتجاري في المدينة. في حين انتعشت أسواق طرابلس خلال الايام الاخيرة، حيث شهدت أحياء المدينة القديمة وأسواقها التراثية ـ التي فتحت أبوابها حتى وقت متأخر من الليل، زحمة متسوقين من أبناء المدينة والجوار.
البقاعين الأوسط والغربي
وفي البقاعين الأوسط والغربي بقيت نسبة اقبال المواطنين على المؤسسات والمحال التجارية بمناسبة الاعياد، دون أمنية اصحابها، فيما سجلت المؤسسات السياحية والمطاعم خرقا مقبولا بحسب التوقعات، وذلك يعود إلى تراكمات اقتصادية أثرت في انتاجية معظم القطاعات خلال السنوات الخمس الماضية، ما أثر سلباً في القدرة الشرائية للمواطنين، وفعل فعله بدورة اقتصادية كانت وما زالت عرضة لتقلبات مرتبطة بالواقعين السياسي والامني.
فالمركز الاقتصادي والتجاري والاداري للقضاء في بلدة جب جنين، شهد خلال النصف الثاني من الشهر الجاري حركة خجولة باتجاه المؤسسات التجارية لا تستأهل وصفها بـ»موسم اعياد»، على حد قول احد العاملين في هذا القطاع، وعدد مجموعة اسباب تتلخص بما يعيشه لبنان من ازمات «تبدأ من الفراغ الرئاسي ولا تنتهي بتراجع القدرة الشرائية عند المواطن البقاعي، الذي ينوء تحت وطأة ازمات اقتصادية مترابطة بعضها بعضا«.
والحال ذاته، ينسحب على مؤسسات مماثلة أو متخصصة بالهدايا والعطورات واجهزة الخلوي والحلويات والنوفوتية، التي عادة ما تنتظر موسم الاعياد عله يغطي تراجع الاقبال في الايام العادية.
والوضع «ارحم» بقليل بالنسبة للقطاع السياحي على تواضعه في القضاء، حيث لفت صاحب مؤسسة سياحية علي شرف، الى «حجوزات معقولة في بعض المطاعم والمقاهي المنتشرة على ضفاف بحيرة القرعون وصغبين«، وقال: « ان العاملين في القطاع يأملون من شهر الاعياد، وخصوصاً الاحتفالات التي تجرى بمناسبة راس السنة الميلادية بعضا من تعويض تراجع الاقبال في الصيف الماضي«.
زحلة
«الانتعاش الوهمي« لحركة الاسواق في البقاع الغربي قد لا ينسحب بنسبة عالية على مثيله في زحلة والبقاع الاوسط، فالمدينة لها خصوصيتها المرتبطة باحياء مناسبتي الميلاد ورأس السنة، وتشهد اسواقها التجارية وقطاعها السياحي حركة ناشطة قياسا بالاسواق التجارية البقاعية، لكنها تبقى دون المستوى المطلوب بحسب ما قاله صاحب مؤسسة تجارية ايلي حداد، الذي أكد «استحالة فصل سوق المدينة عن الحال الاقتصادية العامة، فالكل يؤثر ويتأثر. وبالتالي، موسمنا ليس سيئاً لكنه ليس ناجحا».
وكما البقاع الغربي كذلك زحلة، حيث تستعد مرافقها السياحية ومطاعمها ومقاهيها الى احياء ليلة رأس السنة بما يليق باستقبال العام الاتي، ويشهد هذا القطاع حجوزات لمئات المواطنين لحضور او المشاركة في حفلات فنية، ما يؤثر ايجابا في اقتصاديات القطاع السياحي وبملحقاته، وهو تأثير يأمل اصحابه بـ»رأس سنة» شهري، علهم يسهمون في تطوير الحركة الاقتصادية.
شتورة
ويعتبر الخط الممتد من المريجات الى شتورة وبر الياس وسعدنايل وقب الياس سوقا اقتصاديا بامتياز، اذ تنتشر على جانبيه عشرات ان لم نقل مئات المؤسسات والفنادق والمطاعم والمقاهي، وهي تشهد حركة ناشطة في الايام العادية وينسحب ذلك على المواسم خاصة الميلاد ورأس السنة. ورغم موقعها الجغرافي كنقطة وصل بين مدن وقرى البقاع، ورغم الثقل الذي فرضه النزوح السوري، الا ان العديد من اصحاب المؤسسات يطرحون امامك معادلة ما بين الراهن والاعوام الماضية ليخرجوا بنتيجة ان الوضع غير مقبول، ويسير من سيئ الى أسوأ في ظل الفراغ في سدة الرئاسة الاولى، وانعدام ثقة المستثمرين المحليين والعرب والاجانب بالاوضاع في لبنان، التي تزيد من صعوبتها الاوضاع الامنية المتفجرة في سوريا، وانعكاسها المباشر على لبنان وتحديدا البقاع.
صيدا.. أفضل الممكن !
وفي صيدا (رأفت نعيم)، انطباع واحد يحمله الزائر لأسواق صيدا عشية العام الجديد ويعبر عنه التجار كما المواطنون ـ كل على طريقته ـ وهو حركة الأعياد مع نهاية العام 2015 تتوج مسارا من التراجع على كل المستويات خلال العام، تراجع في السيولة لدى المواطنين، تراجع في السياحة وفي حركة الاغتراب نحو لبنان، وتراجع في الاستقرار السياسي وفي مؤشرات النمو، ومن الطبيعي ان يكون نتيجة كل ذلك تراجعا في حركة الأسواق تراوح بين 25 و50 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2014.
رغم الخطوات التي قامت بها جمعية تجار صيدا وضواحيها لتحفيز النشاط السياحي والتجاري في المدينة، التي تعبر عنها مظاهر الزينة والأضواء التي رفعتها بمناسبة الأعياد والحسومات على الأسعار التي رفعت على واجهات المحال التجارية وتمديد دوامها مساءً، يبدو تجار المدينة غير راضين عن حركة اسواقها خلال الأسبوع الأخير من العام الجديد لكن معظمهم يعتبرون ما سجل من حركة حتى الآن هو افضل الممكن، مقارنة مع الأشهر القليلة الماضية.. فازدحام السير في وسط المدينة لا يعبر بطبيعة الحال عن نشاط البيع في السوق.
في هذا السياق، قال رئيس جمعية تجار صيدا وضواحيها علي الشريف، ان «العام 2015 اجمالا كان اسوأ من سابقه العام 2014، مسجلا تراجعا بنسبة 20 في المئة حتى شهر آب، و25 في المئة حتى نهاية تشرين الثاني«، عازيا الأسباب الى «غياب الحركة السياحية المحفزة للنشاط التجاري وعدم عودة المغتربين في هذه الفترة والتجاذب السياسي في البلاد، وعدم انتخاب رئيس للجمهورية وتعليق جلسات مجلس الوزارء الى جانب الوضع الأمني والأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تضغط على كل القطاعات كما على معيشة المواطنين، فضلا عن عبء النزوح السوري، لكنه يشير الى تسجيل تحسن طفيف خلال الأيام العشرة الأخيرة من العام».
واعتبر الشريف انه «رغم كل هذه الأوضاع، تحافظ صيدا على دورها كعاصمة للجنوب ونقطة مركزية لمؤسسات الدولة ومرافقها الخدماتية بما يبقيها مركز جذب واستقطاب للزائرين والوافدين والعابرين من الجنوب والشرق والجبل»، لافتا الى ان «مشروع تأهيل السوق التجاري للمدينة يعطي زخما للحركة فيها وستظهر اثاره الايجابية اكثر بعد انجازه بالكامل«.
من جهته، أشار محمد الدرزي (قطاع الأحذية) الى ان «حركة الاقبال خلال فترة الأعياد هذا العام دون المستوى المطلوب وكنا نتوقع حركة افضل، فهناك تراجع بنسبة 25 الى 30 في المئة عن العام الماضي بسبب وضع البلد»، لافتا إلى «اهمية ما تقوم به جمعية التجار لتنشيط الحركة التجارية«، لكنه راى ان صيدا بحاجة الى امر اسياسي وهو تأمين مواقف للسيارات خاصة بعد حصر معظم شوارع السوق بالمشاة.
بينما اعتبر محمود حجازي (قطاع الألبسة)، انه رغم كل الأوضاع التي نعيشها نستيطع ان نعتبر حركة السوق حاليا مقبولة، وان على التاجر ان يعرف كيف يتكيف مع الوضع العام ويساير اوضاع الناس حتى لا تكسد بضاعته، وقال» للأسف المصاريف اصبحت كبيرة والمداخيل محدودة والمواطن لم يعد يستطيع ان يصرف كما في السابق ومعظم الألبسة اصبحت كماليات بالنسبة لكثير من الناس».
اما المواطنون فيجمع بعضهم على انهم لا يقصدون السوق الا لشراء الضروري من الحاجيات من البسة احذية ومستلزمات الأعياد، بينما يرى اخرون ان رب العائلة عادة «يجود من الموجود»، فاذا لم يكن لديه سيولة من الطبيعي ان ينكفىء عن الأسواق«.
طرابلس خارج السرب
وفي طرابلس، تحركت الاسواق التجارية خلال عطلة الاعياد بشكل لافت جدا، وشهدت أحياء المدينة القديمة وأسواقها التراثية التي فتحت أبوابها حتى وقت متأخر من الليل زحمة غير طبيعية، وكانت ساحة للتلاقي جذبت الزوار من مختلف المناطق والاقضية حيث وجدوا فيها كل ما يحتاجونه وشاركوا أهل المدينة فرحتهم في جو من المحبة والسلام والوئام، وهذا المشهد بنى عليه ابناء المدينة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، تمهيدا لاعادة دورة الحياة الى وضعها الطبيعي في العام الجديد، بعد أن عاشت المدينة ازمات متتالية أدت الى ضمور دورها، وضرب عصب الحياة فيها وتشويه صورتها ومحاولة سلبها موقعها كعاصمة ثانية وحاضنة شمالية.
واذ نوه رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس توفيق دبوسي بالايجابية والتفاعلية اللذين عاشت فيهما المدينة خلال عطلة الاعياد، «سواء بالنسبة للتأكيد على وحدة العيش، او بالنسبة لحركة الاسواق التي كانت جيدة جدا، بعد الاستقرار الامني والهدوء فيها وغياب كل المظاهر التي كانت سائدة فيها سابقا«.
وقال دبوسي «لطرابلس مقومات مهمة وموقع أهم يجب علينا الاستفادة منهما، اضافة الى المكانة التي تتمتع بها مع الجوار، وتؤدي غرفة التجارة والصناعة دور التواصل مع جميع الهيئات الاقتصادية والمؤسسات الرسمية لتؤكد ان طرابلس تتمتع بموقع تاريخي واستراتيجي مميز وممتاز، وانها حاضنة لمرافق ومؤسسات عامة وخاصة وهي رافعة للاقتصاد الوطني بكل ما يعني هذا التوصيف من معنى«.
واعتبر ان «مسؤولية النهوض بالفيحاء وتكريس دورها التفاعلي تقع على عاتق الجميع المفترض بهم توفير كل الوسائل لينسحب التفاعل الذي عاشته خلال عطلة الاعياد الى ما بعد حلول العام الجديد«.
بدوره، أمين سر لجنة تجار البلدية القديمة عمر حجازي وصف حركة الاسواق بالجيدة، «خصوصاً بعد اسستتباب الامن في المدينة وهو أدى الى هذه الحركة مقارنة مع السنوات الماضية عندما كان الامن مفقودا«.
وقال «نطمح الى تفعيل الحركة الاقتصادية بشكل افضل ومتدرج، لا سيما بعد اهتمام المسؤولين أكثر من اي وقت مضى بمتابعة اوضاع الاسواق والاشراف عليها، وكان في هذا السياق أكثر من زيارة لرئيس الغرفة دبوسي للاطلاع ميدانيا على أحوال التجار. وكان لافتا هذا الموسم المشاركة من خارج المدينة البلدات والقرى المجاورة للتبضع من الاسواق الامر الذي خلق مزيدا من التفاعل وأعاد دور الاسواق الى سابق عهدها كمكان لتلاقي الجميع«.
واعتبر صاحب مؤسسة تجارية في المدينة ناصر دبوسي بأن «الاسواق تحركت بشكل لافت خلال فترة عيد الميلاد وبنسبة تزيد عن 30 في المئة مقارنة مع المواسم السابقة، ولكن قبيل حلول العام الجديد عاد الجمود ليرخي بظله على كل أسواق المدينة، وهذا متوقع أن ينسحب على بداية العام الجديد اذا لم يرفع الشلل عن البلاد والعباد ويفرج عن الاستحقاق الرئاسي والذي بدوره يعطي استقرارا سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وبذلك تعود الحياة لتدب من جديد في المؤسسات كافة«.
