Site icon IMLebanon

مخدّرات لبنان.. من المعلومة إلى التوقيف والمصادرة

 

كتبت صحيفة “السفير”: من غرفةٍ صغيرةٍ في مخفر “حبيش” تُدار جميع العمليّات. الإمكانيّات محدودة. الأدوات كذلك. التّواجد محصور. العدّة والعتاد أيضاً. شيئان يعوضان النّقص: المعلومات والعقليّة الأمنيّة الصّحيحة الوُجهة.

من غرفته الصّغيرة في الطّابق الرّابع تخرج الأوامر إلى العلن. من دون شكّ، كان جزءاً من “ضبط شهيّة تجّار المخدّرات في العام 2015. ينهمك الرّجل في الاتّصالات. التّوجيهات. “إفعل هذا. امتنع عن ذاك. المعلومات ستكون لديك بعد ساعة. اتّصل بعد ساعتين”. عمليٌّ للغاية. يتوّقف بين الاتّصال والآخر للاعتذار. التّأخّر في الشّروع عن المقابلة هو السّبب. تأخّرٌ طبيعيّ. انهماكٌ مبرّر. فملاحقة المخدّرات لا تعرف “الانتظار”.

يُدرك رئيس مكتب “مكافحة المخدّرات” في قوى “الأمن الدّاخلي” العميد غسّان شمس الدّين حجم المسؤوليّة الملقاة على عاتقه. هو يعلم أنّ أمامه خياراً من اثنين: إمّا القيام بواجبه وإمّا الفشل. لم يتلقَّ شمس الدّين شهادات التّقدير عن طريق الصّدفة. أكثر من 17 شهادة تقدير ودرع موزّعة بين الحائط والطّاولات. لكلّ واحدةٍ قصّة. مرتبطة بإنجاز، بواجب. ما يهمّ أنّ الرّجل قد يصل ليله بنهاره من أجل توقيف كيلوغراماً واحداً من “الحشيشة”.

وعلى الرّغم من كونه في الواجهة، يصرّ شمس الدين على توزيع الإنجازات على الجميع. “كلّ شيء يعود إلى الضّبّاط والعناصر، من دون تعاون النّاس لا نستطيع النّجاح”، يقول لـ”السّفير”.

“المعلومات”. تختصر الكلمة كلّ شيء. عليها، تعتمد جميع العمليّات. من دون معلومات لا يمكن الوصول إلى الهدف، الأشخاص، الوجهة، الكمّيّة المهرّبة، سواء إلى الدّاخل أو الخارج. يؤكّد شمس الدّين الأمر. يجيب على التّساؤل المتكرّر “كيف تتمكّن الأجهزة من ضبط المخدّرات”؟ “كيف تتمّ العمليّة”؟

“في أغلب الأحيان تأتينا المعلومات من أحد عناصرنا، مخبر على سبيل المثال”، يشرح شمس الدّين. يستفيض “قد تأتي أيضاً من أشخاص على علاقة بالشّأن العامّ كموظّفين في القطاع العامّ، فعلى سبيل المثال، قد يطلب شخصٌ ما من أحد هؤلاء إنجاز معاملة مهما كانت الكلفة كبيرة”. ومن الشّكّ يبدأ اليقين. لمَ لا يكترث هذا الشّخص بكلفة المعاملة؟ لمَ يريد إنجازها بأقصى سرعة مهما كانت تبعاتها؟ يشير مدير المكتب إلى أنّ “المعلومة تردُ بناءً على شكوك، نتابع الموضوع، نراقب، نحلّل، نحقّق، قد نصل إلى نتيجة أو لا نصل”.

لمْ يتمّ الوصول إلى وجهة؟ فشل الأمر؟ غير مهمّ، المهمّ أنّ معلومةً لم تفلت من المتابعة. من التّحقّق. لا يتوقّف الأمر على عمليّة التّهريب أو الإتجار الّتي تشير إليها أصابع الشّكوك. العقليّة الأمنيّة تعنيها التّفاصيل. تتوقّف عندها، لكنّها تمضي إلى ما هو أبعد منها. خيطٌ صغير قد يوصل إلى عملّيّةٍ كبيرة. وهو تماماً ما يحصل عند هذا النّوع من التّبليغات. يتحدّث شمس الدّين عن “عملّياتٍ أخرى، تقف خلف العمليّات، قد نصل إليها، ونضبطها ونفشلها قبل أن تصل إلى وجهتها”.

يستند إلى المنطق الأمنيّ في الكلام “عند ضبط كمّيّة من المخدّرات نضع في الحسبان أنّنا نضبط من خمسة إلى عشرة في المئة فقط من الكمّيّة الموجودة أو الّتي يتمّ تهريبها في السّوق”. يُتبع بمثال “إذا ضبطت طنّاً من حشيشة الكيف أضع في الحسبان أنّ تسعة أطنان مرّت من دون ضبط”.

إذاً ما العمل؟ هل تكتفي الأجهزة بما تملك؟ بالطّبع لا. يشير شمس الدّين إلى أنّ “الجهد يتركّز في هذه الحالة على عدم السّماح للكمّيّة المتبقّية من المخدّرات للذّهاب إلى وجهتها المقبلة”. أغلب عمليّات ضبط البضائع “الفالتة” يتمّ تعقّبها من خلال التحّقيقات. يلفت شمس الدّين الانتباه إلى أنّه، ومن خلال التّحقيق، “يعترف الموقوفون أنّ عمليّات تهريب حصلت قبل فترةٍ قليلة مع ذكر الوجهة”، مشيراً إلى أنّ “الأجهزة تقوم عندها بمتابعة الموضوع وضبط البضائع قبل أن تصل إلى وجهتها”.

“المخدّرات” في 2015

لا يمكن الحديث عن سنة 2015 من دون ذكر “المخدّرات”. حشيشة الكيف. كوكايين. هيرويين. بذر حشيشة. ماريجوانا. أمفيتامين. سيلفيا. كناكيمو. سيمو. كبتاغون. وللأخيرة روايةٌ يُعاد إليها لاحقاً.

أرقام ضبط المخدّرات العام الماضي تشي بمتابعةٍ جدّيّة من قبل الأجهزة. 2781 موقوفاً هو عدد موقوفي متعاطي المخدّرات العام الماضي. ارتفع العدد، بالمقارنة مع العام 2014، 71 موقوفاً. وعن العام الّذي قبله 109 موقوفين. وعن العام 2012 ، 532 موقوفاً. وبالمقارنة مع العام 2011 ارتفع العدد 1019 موقوفاً. عددٌ كبير، وما “لم يُوقّف كان أعظم”.

عدد المتوفّين من جرّاء تعاطي المخدّرات بشكلٍ مباشر، أي من خلال جرعةٍ زائدة أو الانقطاع المفاجئ عن التّعاطي، بلغ ثلاث وفيّاتٍ فقط. ضعف هذا العدد كان خلال العام 2014. أمّا في العام 2013 فقد توفّي اثنان فقط. والعدد الأعلى حصده العام 2011 مع ثماني وفيّات.

في جولةٍ على الفئة العمريّة، يُلاحظ أنّ النّسبة الأكبر من متعاطي المخدّرات خلال 2015 هي ممّن تراوحت أعمارهم بين ستّةٍ وعشرين وثلاثين عاماً، وقد بلغت 42.25 في المئة. ومن خلال المقارنة مع العام 2011، يُلاحظ ارتفاعُ نسبة المتعاطين من هذه الفئة من 33.20 في المئة إلى النسبة الحالية.

لا مقارنة بين الإناث والذّكور من المتعاطين. حاز الذّكور على النّسبة الأعلى. النّسب لافتة للانتباه. 97.70 في المئة للذّكور في مقابل 2.30 في المئة فقط للإناث. تجدر الإشارة إلى أنّ عدد الموقوفين الإناث العام الماضي تراجع عن العالم الّذي قبله من 97 (للعام 2014) إلى 64 (للعام 2015).

أمّا المهن. تحوز أربع على النّسب الأعلى من المتعاطين. الحلّاقون ومزيّنو الشّعر، الطّلّاب، السّائقون. اللافت للانتباه ارتفاع نسبة المتعاطين بين السّائقين من العام 0.79 في العام 2011 مع 14 موقوفاً، إلى 5.47 موقوفاً في العام 2015 مع 152 موقوفاً.

وكما هو متوقّع، يحتلّ متعاطو الحشيشة رأس اللائحة، مع نسبةٍ بلغت 56.27 في المئة في العام 2015. تلاها الكوكايين، مع نسبةٍ بلغت 20.32 في المئة.

ما بين العامين 2014 و2015 أمورٌ لافتة للانتباه. الارتفاع في كمية الحشيشة المضبوطة ما بين العام 2014 (2781 كيلو غراماً) والعام 2015 (6678 كيلو غراماً). الارتفاع في كمية الكوكايين ما بين العام 2014 (72 كيلوغراماً) والعام 2015 (168 كيلوغراماً). كذلك ارتفاع كمية الهيرويين والماريجوانا وسجائر الحشيشة وبودرة MDMA .

تجدر الإشارة إلى أنّه في العام 2015 تمّ إيقاف 92 مهرّباً، 132 تاجراً، 18 ناقلاً، 612 مروّجاً. وضبط خمسة مصانع.

“المكتب” غير راضٍ

ومن قلب العمليّات النّاجحة تخرج المشاكل. غياب مكاتب مكافحة المخدّرات عن المعابر البحرية والبرية والجوية مشكلة كبيرة. يشتكي شمس الدّين “مكتب المكافحة غير موجود في المعابر الرّئيسية في البلاد”. يؤكّد أنّ “المكافحة تعتمد على إدارة كبيرة هيكليّاً وعدديّاً وتقنيّاً واستراتيجيّاً”، مشّدداً على أنّهم لو كانوا موجودين في المعابر الرّئيسيّة لكانوا أعطوا نتيجةً أكبر بكثير.

يشرح شمس الدين كيف تحدث الأمور. “يوميّاً نحصل على معلومات. نضعها في تصرّف إدارة الجمارك المتمركزة في المطار أو المرافئ. وهم يتعاملون معها”. هنا تظهر المشاكل. “في أحيان كثيرة لا يتمكّنون من الحصول على نتائج مرضية. وجودنا في المكان يُحدث فرقاً كبيراً”.

أين تكمن المشاكل؟ الحركة الكبيرة للمرفأ والمطار. بسببها، لا تتمكّن الجمارك من تمرير كلّ البضائع على “السكانر”، لأنّ الأمر يأخذ وقتاً طويلاً. لذا، يتمّ اعتماد التّفتيش “الانتقائي”، أو بحسب المعلومات الواردة.

الكبتاغون.. والقاضي بصيبص

15 مليون و650 ألف و81 حبّة هي حصيلة عام 2015 من حبوب الكبتاغون. على الرّغم من الرّقم الكبير، لم يكن العام 2015 نجم “الكبتاغون”. للأخيرة وقعٌ كبير. ليس فقط لأنّها تعدّ من أخطر أنواع المخدّرات. بل لأنّ تجارتها أصبحت “رائجة”، وبشدّة. وأيضاً لأنّ اسمها أضحى مرتبطاً في “اللاوعي” بالأمير السّعوديّ عبد المحسن بن وليد آل سعود، أو “أمير الكبتاغون”، الّذي ضُبط بحوزته، مع أربعة مرافقين، طنّان من تلك الحبوب في مطار “بيروت”. تلك الرّواية استدعت بعض “الاجتهادات”. آخرها من رئيس “محكمة الجنايات” في البقاع سابقاً القاضي المتقاعد جان بصيبص. اعتبر الأخير أنّ الكبتاغون ليس من المخدّرات. يردّ شمس الدّين على هذا الكلام بالاستناد إلى “تحاليل رسميّة في المختبرات قمنا بها في لبنان وخارجه بعد كلّ عملية ضبط للحبوب”. يؤكّد أنّ “الكبتاغون يحتوي على الإنفاتامين والنزيل ميتيل كيتون”، واصفاً إيّاها بـ “أخطر أنواع المخدرات في العالم”.

“يا محلا الكوكايين والهيرويين قدّام هالمواد”، يقول شمس الدّين، مستشهداً بالعدد الكبير الّذي تمّ ضبطه من العام 2013 ولغاية الـ 2015 والّذي بلغ أكثر من ستّين مليون حبّة. يهزأ شمس الدّين من عبارة “الكبتاغون كلمة تجارية”، متسائلاً “ما دخلي بالعبارة التّجاريّة”؟ بالنّسبة إليه، وباختصار “يحتوي الكبتاغون على هذه المواد، إذاً هو ممنوع”.

ويسأل “إذا اخترع أحد الأشخاص خلطة مشروب تحتوي على الرّيد بول والكيوي واللّيمون ومشروباً غازيّاً، وأضاف لها نصف ملعقة من الكوكايين، فهل نسمح بها لأنّ عيار المخدّرات فيها قليل”؟

العمليّة الأضخم

عند الحادية عشرة ليلاً وصلت المعلومة لـ “مكافحة المخدّرات”. عمليّة تهريب ما تُطبخ من مرفأ “بيروت”. على مدى أربع ساعات بقيت العناصر على اتّصالٍ مع الشّخص الّذي أعطى المعلومة. وعند الثّامنة صباحاً أوقف العناصر 15 مليون حبّة داخل مئة طنّ ذرة.

تلك كانت نصف حكاية كبتاغون مرفأ “بيروت” في الـ 2014 الشّهيرة.

قبل أربعة أيّام توجّهت حمولة من مئة طنّ إلى اليونان. كان هناك تمويهٌ في العمليّة. كان المخطّط على الشّكل الآتي: اليونان، السّودان، الخليج. يغيّرون السّفينة في اليونان، منها إلى السّودان فالخليج. “أغلب حمولات الكبتاغون تتوجّه إلى دول الخليج”، يشير شمس الدّين. “لن يشكّ أحدٌ بشيء إذا كانت الحمولة متوجّهة إلى اليونان”.

لم يتوقّف الأمر هنا. استكمل المكتب عمله. على الرّغم من ضبط الكمّيّة، تابع تحقيقاته مع المجموعة. أقرّت الأخيرة بالخطّة المُعدّة: يوجد أيضاً مئة طنّ من الذرة تحتوي على الكمّيّة نفسها المضبوطة هنا. 15 مليون حبّة كبتاغون.

“وبعد التّدقيق والتّحقيق، تمكّنّا من ضبط الحمولة في السّودان، بالتّعاون مع الأجهزة الأمنيّة”. تلك كانت العمليّة الأضخم خلال السّنوات الماضية. وتلك كانت أيضاً العمليّة الّتي حاز عليها شمس الدّين العديد من الأوسمة والتّنويهات.