Site icon IMLebanon

“مكافحة التلوث”: التنمية والتخطيط يحميان البيئة.. لا القروض

electricity-jiye-plant
مارسيل محمد

بعد 6 أشهر على إطلاق وزارة البيئة ومصرف لبنان مبادرة اعطاء “قروض ميسرة لمكافحة التلوث البيئي في لبنان”، والتي تأتي ضمن مشروع مكافحة التلوث البيئي “ليباب (LEPAP)، اعادت الوزارة واتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في لبنان، التذكير بالمشروع من خلال ورشة عمل عقدت، الأربعاء، بعنوان “قروض ميسرة لتمويل مشاريع للحد من التلوث البيئي في لبنان”.

المشروع ممول من البنك الدولي عبر قرض بقيمة 15 مليون دولار، ومن مكتب التعاون التنموي الإيطالي عبر هبة بقيمة 2.3 مليون يورو مخصصة للمساعدة التقنية، ويُنفّذ بالتعاون مع وزارة المال ووزارة الصناعية وجمعية الصناعيين اللبنانيين وجمعية المصارف، وإتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة، بالاضافة الى مجلس الإنماء والإعمار. والمشروع يأتي كمساعدة للمصانع اللبنانية على الحد من التلوث عبر التخفيف من الإنبعاثات وانتاج النفايات وما الى ذلك. ما يعني بحسب ما قاله وزير البيئة محمد المشنوق، في ورشة العمل، “العمل على توفير كل الظروف البيئية للمصانع”، وبهذه الحالة، تستفيد المصانع من الشهادة البيئية التي تحصل عليها بعد إنجازها المشروع البيئي، وهذه الشهادة، تفيد المصنوعات اللبنانية التي تُنتج في لبنان وتحمل دمغة صُنع في لبنان. لكن الحماسة التي يظهرها المشنوق للمشروع، تصطدم بواقع المصانع الذي يقر به المشنوق نفسه، إذ ان المصانع اللبنانية بغالبيتها، “موجودة منذ 10 سنوات وأكثر، وبعضها متوارث جيلاً بعد جيل، وحينها، لم يكن هناك معايير ومقاييس بيئية وتعقيدات”. وأيضاً، المشروع لا ينحصر بالمصانع، وانما يمتد وفق ما ذكره المشنوق، الى قطاعات أخرى كالكهرباء، حيث يعمل المشروع على “إزالة التلوث من محولات الكهرباء التي يمتد عمرها الى عشرات السنين، والتي تنتج تلوثاً خطيراً جداً”. ما يعني ان الحديث عن تطبيق هذا المشروع البيئي، من الطبيعي ان لا يسلك الطريق النظري الذي ترسمه له عملية الترويج التي انطلقت منذ 6 أشهر وصولاً الى اليوم.

امتداد المشروع من قطاع الصناعة الى الكهرباء يعني الدخول في تفاصيل الهدر والفساد في القطاع الصناعي وقطاع الكهرباء، ناهيك عن الفساد الإداري في إدارات الدولة، والذي يحد من إنجاز المشاريع التنموية، ومنها المشاريع البيئية. فهذا المشروع البيئي لا يمكن فصله عن باقي الأزمات التي تتأثر بها البيئة سلباً. فهل نسي اللبنانيون أزمة النفايات؟ وبالتالي كيف يمكن للصناعيين الإلتزام بتطبيق الشروط البيئية طالما ان الدولة لم تظهر جدية في حل ازمة النفايات، والتي يقر المشنوق بأنها أزمة تطال أكثر من وزارة وأكثر من جهة. وفي السياق نفسه، يشير أحد أصحاب المؤسسات الصناعية “المتوسطة” الى “عدم امكانية تجاوب كل المؤسسات الصناعية مع ما تطرحه وزارة البيئة اليوم. لأن هذه الوزارة كجزء من التركيبة الحاكمة، لم تقدم شيئاً للمصانع وغير المصانع، فكيف يطلبون منّا اليوم تقديم شيء؟”. صاحب المؤسسة رفض الكشف عن هويته لأن “العيون تتفتح على المؤسسة، في حين ان المسؤولين لا يفتحون عيونهم إلا على المؤسسات التي ترفض الإلتزام بشروط معينة ما لم تقم الوزارات بواجبها”. لكن صاحب المؤسسة يؤكد لـ “المدن” ان المسألة البيئية “مهمة”، والمؤسسة “تقوم بما تستطيع القيام به تجاه عدم رمي النفايات عشوائياً، بل تحاول التخلص من النفايات، وخاصة الورقية، عبر عرضها على المواطنين المحيطين بالمؤسسة، علّهم يستفيدون منها. اما عن الانبعاثات، فالمؤسسة تملك فلاتر، لكنها ليست بالمواصفات الممتازة، وذلك يعود للكلفة المرتفعة للفلاتر الممتازة”. وهنا بيت القصيد، حيث تتطلع المؤسسات الى الأكلاف المترتبة عليها نتيجة تزايد المتطلبات والشروط، كالشروط البيئية. فزيادة المتطلبات يعني زيادة كلفة الانتاج وزيادة سعر السلع وإفقاد السلع قدرتها التنافسية، وبذلك يصبح الالتزام البيئي في ظل غياب الشروط التنافسية الأخرى، عبئاً كبيراً لا تستطيع المؤسسات تحمّله. فضلا عن ان المشروع المطروح، ليس سوى قرض على المؤسسات تحمله، في الوقت الذي تعاني فيه من جمود السوق. ومن الطبيعي اذاً ان تبتعد المؤسسات عن هذه القروض.

الى جانب التكلفة التي ستزداد على كاهل المؤسسات في حال تطبيق المشروع دون مساعدات وحوافز تساعد الانتاج وتسويق السلع، تأتي العقبات الإدارية لتحد من سعي المؤسسات للإقتراض بهدف تنفيذ المتطلبات البيئية. فالمشروع كما يعرضه أصحابه، يتضمن شروطاً تقنية ومالية تُلقى على كاهل المصانع. إذ ان على المؤسسة الصناعية ان تكون حائزة على التراخيص القانونية كرخصة إنشاء وإستثمار، وهذا ما تفتقر إليه أعداد كبيرة من المؤسسات الصناعية. ما يعني ان تحسين الشروط البيئية للمؤسسات، سينحصر بالمؤسسات القانونية وسيترك المؤسسات غير القانونية، وهي فاعلة على الأرض وتساهم في التلويث. اما في ما يخص الشروط المالية، فعلى المؤسسة ان تتمتع بالجدارة الإئتمانية إستناداً الى متطلبات المصرف التجاري الذي يتم التعامل معه، أي الذي ستأخذ منه المؤسسة القرض، وبالتالي، فإن الشروط المالية ستقف عائقاً إضافياً امام تحسين المؤسسات لواقعها البيئي. فكم مؤسسة ستقبل على المشروع في هذه الحالة؟
بعد 6 أشهر من إطلاقه، وفي ظل تفاقم الأزمات البيئية، يبدو ان مشروع الإقتراض من أجل حماية البيئة لن ينجح، خاصة وان أزمة النفايات تقول للمواطنين والمؤسسات بكل صراحة، ان مشاريع الدولة اللبنانية لا يهمها لا البيئة والمواطن، بل يهمها جمع الأموال وتشغيل مؤسسات المنتفعين في الدولة.