Site icon IMLebanon

عودة روح النمو إلى اقتصاد فرنسا بعد 4 سنوات ضعفاً

France-unemployment

شكّلت سنة 2015 محطة بالنسبة للاقتصاد الفرنسي استعاد خلالها نمواً مقبولاً نسبياً بعد 4 سنوات عجاف تهاوى فيها نشاط ناتجه المحلي المجمل دراماتيكياً بفعل التداعيات المستمرة للأزمة الاقتصادية المتواصلة نتائجها منذ عام 2008.

وجاء ليصب في هذا الإطار ما كشفه المعهد الوطني للاحصاء والدراسات الاقتصادية من أن فرنسا التي غالباً ما يُطلق عليها اسم «الخروف الأسود» في أوروبا، قد استأنف اقتصادها نشاطه العام الفائت، بتحقيق نمو بلغت نسبته 1,1 في المئة، في انتعاش بطيء قياساً بالأعوام الأربع الماضية التي كان نموّها ضعيفاً، إذ بلغ النمو 0,2 في المئة فقط سنة 2014، علماً أن النسبة المسجلة تقل عن تلك المسجلة على مستوى منطقة اليورو.

المفوضية الأوروبية تتوقع تسارع النمو الاقتصادي في هذه المنطقة قليلاً في العامين الحالي والمقبل، لكنها قالت إن وتيرة النمو عام 2016 ستكون أقل من التوقعات السابقة، بسبب ارتفاع المخاطر العالمية، حيث من المتوقع نمو الناتج المحلي المجمل لـ19 دولة عضواً بنسبة 1,7 في المئة هذا العام، صعوداً من 1,6 في المئة عام 2015.

وليست فرنسا سوى واحدة من مجموعة الدول الأعضاء التي ستتأثر حُكماً بما أشارت إليه المفوضية إيّاها من أن النمو المتواضع في أوروبا يواجه عقبات متزايدة من تباطؤ النمو في الأسواق الناشئة، مثل الصين، إلى ضعف التجارة العالمية والتوترات الجيوسياسية في الجوار الأوروبي، فضلاً عن أن تدني أسعار النفط والائتمان الرخيص وضعف اليورو عوامل ستواصل تعزيز النمو في المنطقة، لكن أثرها سيتبدد بفعل إصلاحات غير منظمة في الصين واحتمال زيادة أسعار الفائدة الأميركية.

في سوق العمل، لم تتمكن الحكومة الفرنسية حتى الآن من لجم تفاقم عدد العاطلين، الذين ارتفع عددهم في كانون الاول الماضي 0,4 في المئة، واختتم السنة على رقم قياسي بلغ 3,59 ملايين نسمة.

من النقاط المضيئة أن الصادرات الفرنسية زادت 5,9 في المئة العام المنصرم، لكن في المقابل ارتفعت الواردات بنسبة أعلى بلغت 6,1 في المئة، ما يعني أن خلل الميزان التجاري بقي لمصلحة الشركاء التجاريين، وساهم سلباً في النمو (-0,2 نقطة).

الخبير الاقتصادي لدى «ساكسو بنك»، كريستوفر ديمبيك، كتب أن فرنسا بالكاد تستوفي التزاماتها المتعلّقة بالعجز، ويعتبر معدل نموّها منخفضاً قياساً ببعض جيرانها الأوروبيين. غير أن الصورة، برأيه، ليست قاتمة بالكامل، إذ ان اقتصادها يتمتّع بمرونة كبيرة والعديد من نقاط القوة، ولا يستبعد أن يُحدث مفاجآت في السنوات القادمة.

بحسب المصرف، تتمثّل العقبة الرئيسية التي تحول دون حدوث تعافٍ قوي في ضعف الثقة من القطاع الخاص، حيث ألقت الانتقادات الحادّة التي وجهها الرئيس فرنسوا هولاند لقطاع التمويل خلال الحملة الرئاسية الماضية بظلالها على مستويات الثقة في مجتمع الأعمال، لا سيما وأنها ترافقت مع عدم استقرار مالي في أول سنتين من توليه لسدّة الرئاسة.

لكن مع ذلك، يجسد هذا الواقع مفارقة غريبة بشكل أو بآخر، برأي المصرف، لأن الحكومة الحالية أقدمت على العديد من الخطوات الطموحة على مدى سنين عديدة بهدف تحسين تنافسية الشركات الفرنسية. حيث أنه بإجراء تحليل اقتصادي مفصّل، يتبين أن المشهد ينطوي على ما يدعو للتفاؤل مستقبلاً، فالاقتصاد يتوسّع بمستويات تقارب معدلات نموّه المحتملة، ومن الواضح بأن الوضع يتحسّن مع ارتفاع للثقة، ولو أن الطريق لا يزال طويلاً.

البطالة

الخبير يعتبر أنه لا تزال مستويات النمو أدنى من الحد المطلوب لإحداث انخفاض ملحوظ في معدلات البطالة، ولكن الحكومة تستطيع أن تعتمد على ثلاثة عوامل كي تحقّق هدفها في «عكس مسار الأمور». وهذه العوامل هي برامج تدريب الباحثين عن عمل، والبالغ عددهم نصف مليون شخص (أي ثلث الذين يعانون من البطالة منذ أكثر من سنة)، وقسائم الخدمة، وتعزيز الاستفادة من «العقود المدعومة بالإعانات» من قبل الهيئات الحكومية المحلّية. وإذا ما تم تفعيل هذه العناصر معاً بشكل فعّال، فإن معدلات البطالة قد تنخفض رغم ارتفاع نسبة القوة العاملة مقارنة بالتعداد السكاني (أكثر من 160 ألف شخص).

النقطة السلبية تكمن في صعوبة تدريب الكثير من الباحثين عن عمل خلال هذه الفترة القصيرة. أما المخاطرة فتتمثل بعدم قدرة الهيئات المحلية على لعب دور فعّال بسبب تراجع التمويل الحكومي، وعدم قدرة الشركات على تحقيق الاستفادة القصوى من الأوضاع المواتية في السوق.

الإنفاق العائلي

يمثّل الإنفاق العائلي صمّام الأمان للاقتصاد الفرنسي، وينبغي عدم القلق من التوجّه السلبي الذي شهدته أواخر عام 2015، إذ أن الإنفاق على السلع الدائمة لا يزال إيجابياً، وهو المؤشر الصحيح على المدى الطويل.

وستبقى كل من الأسعار المنخفضة للنفط، والاستقرار المالي (الذي قد يشتمل على مزايا ضريبية قبل الانتخابات الرئاسية القادمة) ومعدلات التضخّم المنخفضة عوامل إيجابية خلال عام 2016، غير أن تأثيرها سيكون أضعف.

النقطة السلبية أن الضرائب المرتفعة على البترول (60 في المئة من سعر التجزئة) ستحدّ من التأثير النفسي الإيجابي الذي قد يطرأ على إنفاق المستهلكين كنتيجة لانخفاض أسعار النفط الخام، في حين أن المخاطرة تتمثل بما يعتبره الكاتب «الأخطاء الفادحة في سياسة الضرائب«.

إعسار الشركات

في هذا الجانب، يقول الخبير إنه لا يزال معدل الإفلاس في أوساط الشركات مرتفعاً (62163 حالة إفلاس خلال تشرين الأول الماضي عن عام كامل)، ولكن التركيز منصبّ حالياً أساساً على الشركات الصغيرة التي لا تضم أكثر من 20 موظف. ويكثر الإعسار بشكل خاص في منطقتي إيل دوفرانس والمركز، ومن المتوقع أن تكون الحال على نفس القدر من السلبية خلال 2016.

النقطة السلبية هنا هي ارتفاع في الحد الأقصى لتسديد الدفعات المستحقّة، ولاسيما بالنسبة للصادرات، في حين أن المخاطر تكمن في حدوث تراجع عالمي، لا سيما ضمن منطقة اليورو.

الاستثمار وهامش الربح

قد نشهد في 2016 استمراراً للتحسّن الطفيف الذي طرأ على الوضع خلال عام 2015، وذلك لأسباب عديدة أهمها الرؤية المالية الأفضل التي يتم تزويد الشركات بها، ولكن رغم ذلك سيبقى الاستثمار ضعيفاً للغاية وهشّاً، ودون المستويات التي كانت سائدة قبل الأزمة المالية (وهي فجوة تقارب 8 مليار يورو).

النقطة السلبية: تتمثّل مفارقة المشهد الحالي في ضعف ارتفاع الاستثمار رغم انخفاض تكاليف رأس المال.

المخاطر: قد يتم إيقاف العمل بإجراءات التصدّي للتراجع الزائد في قيمة رأس المال، مما سيضرّ بديناميكيات النمو والحالة العالمي.

ويمثّل هامش الربح الجانب الأكثر نجاحاً في الإجراءات الحكومية، حيث عاد إلى النمو وفق المعدلات التي كانت سائدة بين 2005-2008 (نحو 32 في المئة)، حتّى أنه فاق المتوسط الذي شهدته فترة الازدهار ما بعد الحرب العالمية الثانية (بين 1945 و1975)، والذي كان يبلغ 28 في المئة. وسيكون من شأن استمرار الائتمان الضريبي التنافسي (CICE)- الذي يأخذ شكل هبوط دائم في المساهمات- أن يفضي إلى هوامش ربحية مستقرّة.

النقطة السلبية هنا أن هذا الوضع لم يثمر استثمارات مبتكرة، والمخاطرة تتمثل باحتمال حدوث أزمة نفطية أو ارتفاع التكلفة الفعلية لرأس المال.

في المحصّلة، يخلص الخبير إلى أن الوضع الاقتصادي في فرنسا ليس بالسوء المعتاد، فالبلاد تتمتّع بمنظومة اقتصادية مرنة، وتجاوزت الأزمة العالمية من دون التعرّض للكثير من الأضرار، ومن غير المستبعد أن يُفاجئ النمو الفرنسي المراقبين في المستقبل القريب، باعتبار أن الإصلاحات الأخيرة أرست أسس بناء اقتصاد أفضل، على الرغم من أنه ما زال هناك الكثير للقيام به، وعلى وجه الخصوص في ميثاق العمل. عموماً، ستشكّل الإصلاحات الهيكلية حافزاً لعملية «التدمير البنّاء» التي ستكون الوسيلة الوحيدة لضمان ارتفاع معدلات النمو بشكل ملحوظ.