Site icon IMLebanon

أوروبا على أبواب أزمة مالية قد تطول

european-stock1
بروفسور غريتا صعب
عندما تتفحّص الاقتصاد الأوروبي ترى أنّ المشكلات في إيسلاندا وإيرلندا والبرتغال واليونان بسيطة ولا تُقارَن بما قد يحصل إذا ما احتاجت إيطاليا وإسبانيا الى مساعدة لا سيما وأنّ الاقتصاد الإيطالي وحده يشكل أكثر من اقتصاد هذه الدول مجموعة. كذلك ويبدو أنه ومع العام الجديد برزت معطيات جديدة في الجغرافيا السياسية والاقتصادية ما يعني أنّ المخاطر متزايدة لا محال.
مع تضاؤل فرص النمو والتضخم سيُضطر البنك المركزي الاوروبي الى زيادة عملية التيسير الكمي في الاشهر المقبلة. وقد ظهرت معطيات مخيفة في اقتصادات فرنسا وألمانيا ما حدا بالرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الى إعلان حال طوارئ اقتصادية واجتماعية لا سيما وأنّ فرنسا تشهد الآن أكبر نسبة بطالة منذ ١٨ عاماً وقد بلغت نسبة ١٠،٦ بالمئة الامر الذي يوجب إيجادَ فرص عمل جديدة.

هذا، وحذّر الخبراء من انهيار اقتصادات فرنسا وألمانيا ما سوف يؤثر سلباً في أوروبا ويؤدّي الى انهيارٍ كامل في منطقة اليورو ويتسبّب بأضرار جسيمة بالاقتصاد العالمي.

لذلك لم يكن من المستغرَب أن تقول مجموعة من كبار الاقتصاديين إنّ العام ٢٠١٦ قد يكون الأخطر منذ الأزمة المالية العالمية في العام ٢٠٠٨. وهنالك مواطن ضعف أساسيه في اقتصاد منطقة اليورو حجبتها السياسات النقدية السهلة للبنك المركزي الأوروبي إنما أعادتها الى الواجهة ازمة اللاجئين وتراجع قوة الدفع نحو الإصلاحات الهيكلية.

هذا الوضع يهدّد على ما يبدو التكامل الاوروبي الامر الذي شجع بلداناً مثل ألمانيا والسويد والدنمارك على إعادة فرض الضوابط على الحدود وكذلك بروز الأحزاب المناهضة لسياسات الإنفتاح القائمة والتي تولّت السلطة في بعض البلدان كما هي الحال في بولندا العام الماضي، والغموض السياسي في إسبانيا عقب انتخاباتٍ غير حاسمة في الشهر الماضي، ومن المرجّح أن تستمرّ في البرتغال واليونان.

وإذا كان خطر انسحاب اليونان من اوروبا تراجع في العام ٢٠١٥ فإنّ هنالك انتخابات تقرّر إجراؤها في فرنسا وألمانيا حيث المستشارة الألمانية ميركل تتعرّض لضغط سياسي بسبب السياسات المتعلقة باللاجئين كذلك الاستفتاء الذي سوف يحصل في العام ٢٠١٧ بشأن ما إذا كان ينبغي أن تبقى المملكة المتحدة ضمن أوروبا، لا سيما أنّ نتائج الانتخابات هذه تشكل بما لا يقبل الشك مزيداً من عدم اليقين حول اقتصاد المملكة المتحدة وأوروبا بشكل عام.

لذلك قد تبدو سنة ٢٠١٦ بداية لأزمة مالية وهذا ما دفع جورج سوروس الى تحذير الاتحاد الاوروبي من الانهيار. وقد تراجع مؤشر البنوك في إيطاليا بنسبة ١٨ بالمئة هذا العام وخسر ثالث بنك في ايطاليا Monte dei Paschi ٥٠ بالمئة من قيمته خلال الفترة نفسها.

وتُعتبر المصارف الإيطالية حالياً في مأزق مع قروض خاملة تنامت منذ العام ٢٠٠٨، لذلك ومهما كان مقدار تفاؤل بروكسل في حلّ أزمات أوروبا المتتالية فإنّ الصعوبات لم تختفِ ولا يزال النموّ في أدنى مستوياته، وما زالت البطالة في إسبانيا تبلغ ٢٣ بالمئة مع ما يقارب ٢٥ بالمئة في اليونان، والعملة الموحَّدة لن تكون في أيّ وقت الحلّ لمشكلة اقتصادية سياسية متباينة.

هذه الأمور مجتمعة سوف تؤدّي الى تداعيات اقتصادية واجتماعية والى حركات مناهضة للاتحاد الأوروبي مثل الجبهة الوطنية في فرنسا بقيادة مارين لوبن وتمرّد مفتوح لا سيما وأنّ أزمة المهجّرين أدّت أخيراً الى سلسلة من الهجمات الإرهابية الإسلامية.

لذلك لا بدّ من القول إنّ الاتحاد الأوروبي يحتاج الى إصلاح وهذه حقيقة لا رجعة فيها لا سيما وأنّه على وشك الانهيار وحسب وقائع ٢٠١٥ وبداية ٢٠١٦ يبدو أنّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تتوالى وبروكسل تحاول جاهدة الخروج منها.

لكن ولغايته باءت بالفشل ولا يمكن إصلاح أيّ أمر إلّا بانتخابات قد تعيد اليمين المتطرف الى الحكم. والذي إن نجح بذلك نكون قد قضينا على ما تنصّ عليه اتفاقية شينغن.

وللعلم النمسا علّقت عضويتها في اتفاقية شينغن، ومن دون شينغن وحسب رئيس الاتحاد الاوروبي جان كلود جونكر فإن لا معنى لليورو بلا فتح الحدود المنصوص عليها، والخوف من أن تكون خطوة النمسا بداية لخطوات مماثلة لدى الدول الاعضاء ولدى رئيس المجموعة اليمينية في ايطاليا Lega والذي قال إنّ بلاده يمكنها أن تحذو حذو النمسا في تعليق عضويّتها ما يعني انهيار الشينغن واليورو في آن إذا ما تتابعت الامور على هذه الحال.

هكذا نرى اوروبا في العام ٢٠١٦ امام تحدّيات كبيرة اقتصادية واجتماعية وسياسية لا محال. واذا كانت عواقب العام ٢٠١٥ جاءت طفيفة إنما وعلى ما يبدو العام ٢٠١٦ يحمل احتمالات خطرة سوف تضع وحدة أوروبا والشينغن واليورو على المحك.

وإذا كنا قد تجنّبنا في العام ٢٠١٥ أيْ Grexit فإنّ العام المقبل قد يحمل Brexit أيْ خروج بريطانيا فضلاً عن بداية بعض الدول تعليق عضويّتها. لذلك مشكلات أوروبا كثيرة واقتصادها متداعٍ ونموّها متباطئ ما يعني وحسب المحلّلين بداية أزمة مالية، اقتصادية واجتماعية قد تقضي نهائياً على أوروبا واليورو معاً.