
عمر ابراهيم
لا يحتاج الحديث عن غياب الدولة بوزاراتها المختصة عن تقديم اي دعم للصناعيين او حمايتهم الى اي دليل، فالامور تكاد تصل في بعض تفاصيلها الى حد التواطؤ، لضرب ما تبقى من هذه الصناعات وتحديداً الحرفية منها.
فمشكلات الصناعيين مع دولة غائبة عن مساعدتهم لا تعدّ ولا تحصى، وهناك تجارب أدت إلى تراجع صناعات وإلى وضع أخرى على حافة الانقراض، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها صناعة الزجاج بالطرق البدائية والحديثة، والتي يمكن تصنيفها على أنها من الحرفيات، وكانت تشتهر بها بعض المناطق اللبنانية ومنها مدينة البداوي، حتى وصلت في حينها إلى مرحلة المنافسة على مستوى الوطن العربي والدول الأوروبية، قبل أن تضرب «تسونامي» الحرمان والإهمال وغياب الدعم ومنافسة البضائع الأجنبية هذا القطاع وتؤدي إلى إقفال العديد من المصانع. وترك أرباب هذه الصناعة في وضع لا يحسدون عليه، ما دفع بعضهم إلى المبادرة تجاه منافسيه في سوريا، في ظل غياب الدولة عن القيام بواجباتها لجهة الحد من تدفق هذا البضائع إلى السوق المحلية، حيث عقدوا اتفاقات مع مصانع في سوريا لحماية صناعاتهم ولكن من دون جدوى. هذا الواقع يهدد أكثر من 80 عاملاً وموظفاً يعملون في هذه الصناعة.
وكانت مدينة البداوي تضم سابقاً أكثر من معمل مخصص لصناعة الزجاج بالطرق البدائية على رغم إدخال بعض الماكينات المتطورة، لكنها لم تلغِ دور مثيلاتها وجاءت مكملة لها ورافدة في إعطاء النوعية الجيدة من المصنوعات التي يتم تصدير غالبيتها إلى الدول العربية والأوروبية، وهي تركز على صناعة الأواني التقليدية التراثية، من أباريق وغالونات زجاجية وزجاجة النرجيلة، وذلك بطرق يدوية تعتمد على طحن الزجاج وطبخه في الفرن ونفخه لإعطاء الشكل المطلوب.
لكن هذه الصناعة شهدت في السنوات الماضية تراجعاً كبيراً أدى إلى خروج معملين من الخدمة بعد إقفالهما بسبب عدم قدرة أصحابهما على الصمود في مواجهة المنافسة غير الشرعية للبضائع المستوردة من سوريا، في حين بقي معمل واحد يقاوم بالحد الأدنى من المقومات المتوفرة وسط عجز واضح يعاني منه أصحابه الذين رفعوا الصوت للمطالبة بحمايتهم من منافسة البضائع السورية وتوفير الدعم المطلوب للحفاظ على هذه المهنة وعلى مصدر عيش عشرات العائلات.
ويقول عبد الحميد قبيطري صاحب المعمل الوحيد المتبقي في البداوي: «إن هذه الصناعة منتشرة في لبنان وسوريا، ونحن كنا نصدّر مصنوعاتنا إلى الاسواق اللبنانية والعربية والأوروبية».
ويضيف: «نحن أدخلنا معدات حديثة، لكنها لم تلغ الأفران الموجودة ولا دور المعلمين المتمرسين، والذين يقومون بنفخ الزجاج وطبخه وإعطاء الشكل المطلوب له».
ويتابع: «في سوريا هذه الصناعة تحظى بدعم من الدولة، ولكن نحن في لبنان لا نحصل على شيء، وتحديداً في ما يتعلق بسعر تكلفة الكهرباء أو المازوت الصناعي، فضلاً عن عدم حمايتنا من البضائع المستوردة والتي عادت من سوريا لتغزو أسواقنا وبأسعار تنافسية، القصد منها إجبارنا على الإغلاق لترك السوق لهم، وقد حاولت أخيراً الاتفاق مع صاحب المصنع في سوريا من خلال شراء منتوجات منه شريطة عدم اغراق سوقنا ببضائعه، لكن الامر لم ينفع وهم يواصلون ادخال البضائع مستفيدين من تسهيلات ومن عدم تطبيق الدولة للقوانين المرعية الإجراء بهذا الخصوص».
ويشير أبو خالد وهو أحد العاملين في المصنع إلى أنه يعمل في هذه المهنة منذ أربعين عاماً، «وقد تعلمتها من والدي، وبقيت أعمل بها حتى اليوم، وانا أقوم بوضع الزجاج داخل الفرن، وبعد ذلك أعمل على نفخه، قبل أن أضعه على قالب لإعطاء الشكل المطلوب».
ويضيف: «إنها مهنة رائعة وفيها حرفية وفن، ولكنني لن أعلمها الى اولادي، لانه لا ضمان لمستقبلهم في بلد لا يحافظ على تراثه ولا يدعم الصناعات الحرفية»
