Site icon IMLebanon

تفاصيل تصفية الحجيري…!

 

 

 

كتبت ناتالي اقليموس في صحيفة “الجمهورية”:

شهدَ ملفّ «العسكريين المخطوفين» تطوّرَين بارزين، الأوّل استبشر الأهالي منه خيراً بعدما أوقف الجيش المسؤولَ الإرهابيّ لتنظيم «داعش» في عرسال سامح البريدي، فاعتبروا أنّ هذا التوقيف قد يحمل لهم أيَّ جديد عن مصير أولادهم التسعة المخطوفين لدى «داعش». إلّا أنّ سماء التفاؤل سرعان ما لبَّدتها غيوم التخوّف من اهتزاز الوضع الأمني في عرسال والجوار، بعدما ثأرَ معروف حميّة والدُ العسكري الشهيد محمد، لدماء ابنِه وقتلَ حسين محمد الحجيري ابنَ شقيق رئيس بلدية عرسال السابق، مصطفى الحجيري الملقّب بـ«أبو طاقية».الشهيد محمد حميّه هو الجندي الذي أعدمته جبهة النصرة في كانون الأوّل 2014 برصاصة في الرأس، بعدما كان مِن بين العسكريين الذين خطفَتهم في عرسال في آب من العام نفسه.

وفي تشرين الثاني 2015، أوقفَت مديرية المخابرات الإرهابي السوري علي أحمد لقيس الملقّب بـ«أبو عائشة» الذي بايَع «جبهة النصرة»، وقد اعترفَ بقتل الشهيد حميّه، قبل محاولتِه مغادرةَ لبنان مستخدماً جواز سفر مزوّر.

إلّا أنّ والد الشهيد معروف حميّه كان قد لوَّح بالثأر مراراً لدماء ابنه، معتبراً أنّ الموقوف شخصٌ مأمور، والرأسُ الكبير «أبو طاقية»، وأمس نفّذ ما سمّاه «بتحقيق الوعد».

وفي التفاصيل…

بينما كان الشاب حسين محمد الحجيري موجوداً في رأس العين – بعلبك، استدرجَه معروف حميّه؛ ويَروي هذا الأخير لـ«الجمهورية»: «كِنت «عم كزدِر» على العين، وسمعتُ صدفةً كلاماً عرساليّاً فمررتُ بجانب الشخص المتحدّث وقلتُ له: «يعطيك العافية، حابِب إتعرّف عليك، تعا طلاع معي لنكزدِر شوَي»، وعندما تأكّدتُ منه مئة في المئة أنّه ابنُ بو علي العصفور» نفّذتُ حكم الله فيه». وتابَع: «بنفسي أحضرتُه إلى أمام قبر الشهيد ابني، وقلت له «إذا استفاقَ الشهيد، بتِركَك طيّب، وإنْ قام إبني أعيدك حيّاً، للأسف إبني تحت التراب وما كان بوسعي إلّا الثأر له».

واعتبَر حميّه أمس «أنّها أكبر فرحة، وصدقتُ بوعدي لإبني يوم سفِكت دماؤه، وقد سبّبتُ جرحاً لتلك العائلة كي تذوقَ لوعة الجرح الذي أعانيه منذ استشهاد محمد. جرحٌ آلمَني وحرَم أفراد عائلتي النوم، جرحٌ لم نذُق أمرَّ منه». وأضاف متوعّداً: «بدأتُ بالابن، والدورُ آتٍ لثلاثة آخرين من نفس العائلة».

وأكّد أن «لا أعتدي على أحد، ولا على أيّ مظلوم، لو كنتُ من هذا النوع لَما انتظرتُ كلّ هذا الوقت، ولَكنتُ في اليوم التالي اعتديتُ على أيّ كان. إلّا أنّني حرصتُ على أخذِ حقّي من مكانه الأساس، أي مِن «بو طاقية» و»بوعجينة»، فهُما المسؤلان عن دماء إبني ودماء الشهداء الذين سقطوا».

ألم تفكّر بأنّك بذلك تزيد من ألم العائلة، خصوصاً بعد إلقاء القبض عليك؟ يجيب: «تآخَينا مع الحزن والوجَع منذ خسارتنا لإبننا، خسرَت زوجتي ابنَها، فما عادت تعني لها الخسارة شيئاً. ويؤكّد حمية أنّه جاهز لأيّ تدبير أمني، «ولكن لن أسلّمَ نفسي، أنا بأمر الدولة»، وعن تفسيره لهذا التناقض، أجاب: «أنا تحت القانون ولن أسلّم نفسي، ولكن لو القانون أخذ لي حقّي، لم أكن لأجبَر على الوصول لاتّخاذ هذه الخطوة، ولكنّ القانون يأخذ المتواطئين من عرسال ويَضمن لهم لقاءات مع رسميّين، فعن أيّ قانون تتحدّثون؟».

أهالي المخطوفين: «نترقّب»

في موازاة ذلك، عاش أهالي العسكريين صراعاً نفسياً بعدما أملوا في أن يحمل توقيف البريدي أيَّ خبر عن مصير أبنائهم. وقال نظام مغيط شقيقُ الجندي المخطوف إبراهيم مغيط لـ«الجمهورية»: «صحيح أنّنا لم نتحرّك في الآونة الأخيرة نظراً إلى الاستحقاق البلدي الذي يعيشه لبنان، ولكن بعد انتهاء الاستحقاق سنعيد تحرّكَنا مجدّداً».

في سياق متّصل، فضّلَ مغيط عدم الدخول في قضية مقتل الحجيري، قائلاً: «المسألة قضية عشائر وأخذٍ بالثأر». وأكّد «أنّ الأهالي ضد عملية سفكِ الدماء من أيّ جهة كانت، لأنّ الذين يسقطون هم لبنانيون في نهاية المطاف، لأيّ طرف انتموا».

وعمّا إذا كان متخوّفاً من أن يؤثّر الوضع في عرسال على ملف العسكريين المخطوفين، قال: «حميّه كان مخطوفاً مع جبهة النصرة، وعندما توجّهنا إلى ابو طاقية لمعرفة أيّ جديد عن المخطوفين لدى داعش، أكّد لنا أنْ ليس بوسعِه أن يقدّم أو يؤخّر، لأن لا قنوات له مع تنظيم داعش، لذا نستبعد أيّ انعكاس سلبي».

من جهته، قال حسين يوسف والدُ المخطوف محمد، إنّ الأهالي في حال ترقّب، «بعدما لمسنا تعاطياً جدّياً من قبَل قائد الجيش العماد جان قهوجي واللواء عباس إبراهيم، لذا نأمل في الوصول إلى نهاية سعيدة من دون تصعيد، خوفاً من تداعيات قد تنعكس سلباً».

وأضاف: «نحن على اتّصال مباشَر مع اللواء عباس إبراهيم والعميد خالد موسى لمعرفة المعطيات المتوافرة، ولكنْ حتى الآن ما مِن دليل قاطع على مصير العسكريين، لا تسجيل ولا صوَر ولا معطيات موَثّقة تفيدنا».

وعن ثأر حميّه لابنه، قال يوسف: «نتفهّم خسارة الأب المجروح لابنه، وخسارةُ محمد حميّه خسارة لنا، وتُوازي الكونَ برُمّته. ولكنْ في الوقت نفسه ليس بوسعنا لا إدانتُه ولا إعطاؤه الحقَّ الكامل، فهو الأدرى بالملف، وما يملكه من معطيات قد لا نملكه نحن».

وأضاف: «بَيد أنّ اللجوء إلى المؤسسات هو الأفضل لحلّ المشكلات»، متمنّياً «ألّا تنعكس الجريمة سلباً على مصير العسكريين المخطوفين، لأنّ ملفّهم في الأساس مفصولٌ عن ملف جبهة النصرة».

تحسُّباً للثأر المضاد

وتزامُناً مع الجريمة، خيَّمت حالٌ من الغليان على العائلات العرسالية، وخوفاً من أيّ عملية ثأر مضادة نفَّذ الجيش انتشاراً كبيراً في مدينة بعلبك وصولاً إلى طاريا وطليا، حيث أقام حواجزَ ثابتة ومتنقّلة، واتّخذ إجراءات أمنية مشدّدة. كذلك ضربَ طوقاً أمنياً حول منزل معروف حمية ونفّذ عمليات مداهمة بحثاً عن القاتل، إضافةً إلى مداهمات شَملت عدداً من المشتبَه بهم.

ولاحقاً عَمد الصليب الأحمر والدفاع المدني إلى نقلِ جثّة الحجيري وتسليمِها إلى الجهات المختصة لإجراء الفحوصات اللازمة والكشفِ عليها من قبَل الطبيب الشرعي في مستشفى دار الأمل الجامعي.

ووسط أجواء التوتّر توالت الأصوات المحذّرة من الانجرار وراء الفتنة، فدانَ «تيار المستقبل» الجريمة: «هي انتقامٌ بشِع، لا يُعيد الجنودَ الشهداء إلى أهلهم، ولا ينصِف تضحيات الجنود الذين ما زالوا مخطوفين، وهي نذيرُ شؤم يعيد النفخَ في رماد الفتنة»، مناشداً «الحكومة اللبنانية والمرجعيات السياسية والدينية التدخّلَ السريع لاستدراك التداعيات الخطيرة».

كذلك طالبَت كتلة «المستقبل» بملاحقة القتلة، «لأنّ مَن ارتكبَ هذه الجريمة النَكراء إنّما يكون بالفعل يقتل العسكريّ الشهيد مرّتين، وهو في عمله هذا يقف إلى جانب المتآمرين على استقرار لبنان وعلى وحدة اللبنانيين وانضوائهم جميعاً تحت سقف القانون».

ومساءً تسلّمت عائلة الحجيري جثّة ابنِها وشيّعته على وقعِ إطلاق نارٍ كثيف.