Site icon IMLebanon

الاستثمار السوري: صعود وهبوط

SyriaEcon1
رولا عطار

مع تصاعد حدة النزاع في سوريا، توقفت معظم المشاريع الاستثمارية عن العمل، وبدأ المستثمرون بالانسحاب بسبب عدم وضوح الرؤية حول ما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية والعسكرية في سوريا. وقد أدت الحرب إلى توقف المشاريع الاستثمارية في محافظات إدلب، الحسكة، الرقة، حماه، حمص، درعا، دير الزور والقنيطرة، في عامي 2015 و2016. لكن بعد نحو 4 سنوات من عمر الأزمة بدأت الحكومة تعمل على تفعيل الاستثمار مجدداً داخل ما أسمتها المحافظات الآمنة فيما اتجه سكان المناطق الأخرى (المحاصرة) نحو تنفيذ مشاريع تساعد على بقائهم وتؤمن لهم ما يحتاجون إليه من موارد للعيش.

تتحدث أرقام “المركز السوري لبحوث السياسات” عن ضرر كبير لحق بالاستثمار العام، فمع تحول أولويات الحكومة إلى الانفاق العسكري والأجور العامة، تراجع معدل الاستثمار في العام 2015 بنسبة 15% في الربع الأول و23% في الربع الثاني. وفي المقابل، قامت قوى الأمر الواقع في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة بتنفيذ مشاريع استثمارية محدودة، للمحافظة على بعض الخدمات الأساسية. وقدر هذا الاستثمار شبه العام بنسبة 0.05% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2012 وارتفع إلى 0.24% في العام 2013 وإلى 0.42% في العام 2014، وقدرت هذه النسبة بـ0.41% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2015. وتعتبر هذه النسبة منخفضة مقارنة بالحاجات الاستثمارية لهذه المناطق.

مع اشتداد الحصار على مناطق الغوطة بدأت تظهر مؤسسات إغاثية ومدنية تهتم بتنفيذ مشاريع مختلفة في الزراعة والمياه والكهرباء. وفي السياق، يقول المسؤول عن المكتب الإغاثي الموحد في الغوطة الشرقية، محمد الغوطاني لـ”المدن”، وهي أحد المؤسسات التي تعمل في القطاع الزراعي في الغوطة: “بدأنا العمل على هذه المشاريع بعد اشتداد وتيرة الحصار المفروض على الغوطة بحثاً عن موارد تغطي جزءاً من حاجة الغوطة في ظل منع النظام السوري وحلفائه الأغذية عن الغوطة. وتم التركيز على المشاريع الزراعية، التي تتنوع بحسب مواسم الزراعة. وبالنسبة إلى التكاليف، غالباً ما تكون مرتفعة وبعض المشاريع تكون جدواها الإقتصادية خاسرة لكنها تعد مشاريع أمن غذائي وليس هناك بديل من إقامتها لكونها تؤمن فرص عمل للفلاحين وبعض المهن الأخرى المرتبطة بالقطاع الزراعي في ظل الركود الإقتصادي والبطالة التي يسببها الحصار”.

أما بالنسبة إلى مدى توفر مستلزمات هذه المشاريع، فجزء منها يأتي من داخل الغوطة، والجزء الآخر يتم شراؤه من التجار. وتعتمد هذه المشاريع في تمويلها على التبرعات وبعضها الآخر يعتمد على دوران المشروع ونموه إذا كانت جدواه الإقتصادية رابحة.

من جهته، يتولى المجلس المحلي في مدينة حرستا، تنفيذ ثمانية مشاريع خدماتية وتنموية، منها مشاريع المياه والنظافة والصرف الصحي والكهرباء إضافة إلى المشاريع الزراعية (كزراعة القمح)، وتعد تكلفة المشاريع الزراعية عالية بسبب ارتفاع أسعار الوقود من 20 ليرة إلى 500 ليرة. كذلك الأمر بالنسبة إلى البذار والأجور والحراثة، إلى جانب استهداف المحاصيل الزراعية، ما يؤدي في بعض الحالات إلى احتراقها بالكامل.

ولا يعتبر الاستثمار في مناطق سيطرة الحكومة السورية أفضل حالاً، إذ تشير الأحصائيات الصادرة عن هيئة الاستثمار السورية، إلى تراجع في عدد المشاريع الاستثمارية خلال الربع الأول من العام 2016 إلى 12 مشروعاً فقط، بقيمة استثمارية بلغت نحو 17 مليار ليرة، في حين وصل عدد المشاريع الاستثمارية المقدمة إلى هيئة الاستثمار في العام 2010 إلى 397 مشروعاً بقيمة 91 مليار ليرة. ويلاحظ من خلال الأرقام وجود نشاط استثماري في العام 2010، ولاسيما في المحافظات التي تعد مناطق اشتباكات في الوقت الحالي. ففي محافظة ريف دمشق سجل تأسيس 82 مشروعاً في العام 2010، وفي العام نفسه أقيم في محافظتي الرقة ودير الزور أكثر من 40 مشروعاً وفي حمص 30 مشروعاً. هذا النشاط سرعان ما تأثر مع بداية الأزمة في العام 2011 حيث تراجع عدد المشاريع في محافظة ريف دمشق إلى 36 لتنخفض أكثر في العام 2016 إلى 5 مشاريع، والحال كذلك بالنسبة إلى معظم المحافظات السورية.

كذلك كان للاستثمار الخاص حصته من التراجع، ووصلت نسبة الانخفاض في معدل الاستثمار خلال العام 2015 إلى 5% مقارنة بعام 2014، إذ انخفض في الربع الأول منه بنسبة 19.3% وفي الربع الثاني بنسبة 5.3% إلا أن الإسقاطات أشارت إلى ارتفاع بنسبة 4.4% في الربع الثالث، و0.7% في الربع الرابع. يضاف إلى ذلك أن واقع الاستثمار الخاص لم يشهد تحسناً في معظم القطاعات الإقتصادية، حتى في المناطق الآمنة نسبياً، وذلك لاستمرار وجود عقبات مرتبطة بالأزمة والنزاع المسلح، بما في ذلك إغلاق معظم المعابر الحدودية مع الأردن والعراق، وارتفاع حدة المعارك في مناطق متعددة، كما يعتبر تطبيق السياسات الحكومية الرامية إلى تحرير الأسعار من أهم العقبات التي حدت من الاستثمار الخاص، إذ زادت الكلفة الإقتصادية للانتاج المحلي، وبالتالي ساهمت في تدهور الاستهلاك الفعال وانخفاض أسعار صرف الليرة السورية وتذبذبها مقابل العمالت الأجنبية.

Exit mobile version