Site icon IMLebanon

ثمن أن تتعايش مع إرهابيين !(غسان عبدالقادر)

 

 

كتب غسان عبدالقادر

 

في الشهر الأول من العام 1976، كسرت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين رقماً قياسياً عالمياً حين استولت على مبلغ 450 مليون دولار من البنك البريطاني في بيروت في خضم الحرب الأهلية. ومازال نايف حواتمة (الأمين العام للجبهة) موضع ملاحقة عالمية باعتباره المسؤول المباشر عن أكبر عملية سطو في التاريخ متلطياً خلف عبارة المقاومة وتحرير الأرض ومتدثراً برداء الممانعة من الأسد الأب الى الأسد الإبن، وتحول شعار من “مقاومة حتى النصر” الى “مقاومة حتى آخر الشهر”. هذه كانت أولى المعاناة المصرفية للبنان مع الإرهاب – المقاوم، حيث تقهقرت ثقة المودعين والمستثمرين في مؤسساته المالية منذ ذلك التاريخ وصولاً الى أعوام الثمانينات “المليشياوية” والتي ترجمت تخبطاً اقتصادياً وتضخماً نقدياً أودى بالعملة الوطنية الى القاع.

طوال العقدين التاليين، حققت المصارف اللبنانية طفرة تاريخية من حيث الودائع والاستثمارات والأرباح سواء بسواء، ووسعت انشطتها الى جملة بلدان عربية منها الأردن وسوريا ومصر، مستفيدة من مناخات التحولات الاقتصادية الليبرالية والانفتاح التي شهدته أسواقها. لكن الارهاب كان لها مجدداً بالمرصاد على أرض سوريا بالتحديد؛ فقد دخلت المصارف اللبنانية الى سوريا في العام 2005  ونجحت بشكل ملفت في اجتذاب الودائع والاستثمارات ومنح القروض  وتجاوز عدد الفروع لدى بعض المصارف العشرين فرعا. وفي عام 2011 اي سنة انطلاقة الثورة ضد نظام الأسد الإبن، بلغت حصة المصارف اللبنانية من اجمالي الموجودات المصرفية في سوريا ما يربو على 17%، فيما تجاوزت حصتها من الودائع والقروض 22% لكل منها. وقد شكلت في حينه 60% من الموجودات المصرفية السورية و70% من الودائع و57% من القروض ما يعتبر انجازاً للقطاع المصرفي اللبناني. مع تصاعد الأزمة، وبفعل ارهاب النظام الحاكم والدواعش، تراجع أداء المصارف اللبنانية في سوريا كانت له نتائج سلبية على أرباح المصارف اللبنانية مع حفاظها على نمو مقبول لحجم الودائع والارباح ولكن دون المتوقع بالاضافة الى اضطرارها لاقفال عدد من الفروع في مدن القتال الرئيسية.

غير ان المعاناة الاساسية كانت على مستوى الفروع اللبنانية لهذه المصارف التي رضخت لتعميمات مصرف لبنان آزاء وقف التحويلات المالية بين لبنان وسوريا وكذلك فتح حسابات بالدولار الأميركي تحديداً مع تقييد لحركة الودائع العائدة إلى زبائن سوريين في وقت كانت ودائع السوريين تفوق 3 مليارات دولار. فقد التزمت الحكومة اللبنانية منذ العام 2011 بعقوبات مجلس الأمن الدولي على نظام دمشق، وأعلنت صراحة أن “لبنان لن يكون الرئة المالية لسوريا” كما جاء على لسان وزير المال في حينه محمد الصفدي، وانكفأت التحويلات السورية عبر المصارف اللبنانية وخسر القطاع مردودات كانت ستنعش الاقتصاد بشكل عام وفرص عمل للبنانيين.

بالرغم من ذلك، أبدى القطاع المصرفي اللبناني صموداً متميزاً وإدارة كفوءة في مواجهة المخاطر المتمثلة  بارهاب الدولة والتنظيمات في سوريا وكذلك في وجه المطبات التي شكل حزب الله عنوانها الرئيسي في الداخل. فبدأً من فضائح البنك اللبناني الكندي، ومن ثم مصرف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مروراً بجملة مؤسسات الصرافة اللبنانية، وجهت وزارة الخزانة الأميركية عشرات الاتهامات لمصرفيين ومؤسسات مالية لبنانية بإعتبارها تعمل على تبييض أموال حزب الله المصنف ارهابياً على اللوائح الأميركية. بطل المواجهة، والتي يدين حزب الله له بالكثير، هو رياض سلامة الذي ابتدع مخارج لكل من هذه الأزمات وسط حركة دؤوبة بين لبنان وواشنطن، بغية الحفاظ على عامل الثقة التزام لبنان بالقوانين الدولية.

منذ يومين فقط، أصدرت وكالة التصنيفات الإئتمانية موديز تقريراً يفيد أن لبنان قد اظهر مقدرة على تأمين سيولة كافية ولكن تبقى العقبات الأساسية لديه في تأخر الاصلاحات الاقتصادية والمالية المصارف اللبنانية التي تعاني الى جانب المخاطر التقليدية المتمثلة بالملاءة المالية والقدرة السداد وغيرها، مخاطر تراجع نمو الودائع التي هبطت من 6 % عام 2014 الى 14.8% في 2016. وهنا يأتي الانفجار الذي استهدف بشكل مباشر المقر الرئيسي لبنك لبنان والمهجر (بلوم بنك) ربما ليدفع وكالة موديز لزيادة منسوب المخاطر ما يجعل كلفة تمويل العجز في الموازنة العامة أعلى من الاحتمالات المتوقعة. فرفع مستوى المخاطر في أي بلد (بما في ذلك المخاطر الأمنية والسياسية ناهيك عن المخاطر التمويلية)، عادة ما يدفع السلطات المعنية الى رفع معدلات الفوائد لجذب المتمولين ما يحمّل دافع الضرائب أي المواطن بالدرجة الأولى تبعات اضافية. وهذا ما اكدته الدراسات المنشورة من قبل البنك الدولي وصندو النقد الدولي والتي شددت على ضرورة وجود قدرة المصرف المركزي على امتصاص الصدمة وكذلك وجود قدرة استيعابية لدى المصارف للتعامل مع هذه الحالات لتخطي الأزمات، وهو ما يبدو متوفراً في الحالة اللبنانية من خلال التماهي بين حاكمية مصرف لبنان والقطاع المصرفي.

بعد هذا العرض اليسير والسريع لأثمان الارهاب على القطاع المصرفي في لبنان، نقول أن أياً كان من وضع العبوة الناسفة على حائط بلوم بنك فهو بالتأكيد ينتمي إلى تنظيم ارهابي او إلى دولة ارهابية أو إلى نظام ارهابي حاكم، وما الأثمان الاقتصادية والمالية على المديين القريب والبعيد الأمد التي تقع على عاتق اللبنانيين إلا بفعل قرارات التعايش أو عدم التعايش مع إرهابيين في البلد وعلى حدوده.