Site icon IMLebanon

بالوثائق والإثبات… “لاسا” أرض مارونية! (رولان خاطر)

 

 

 

تقرير رولان خاطر

 

“نحن نتحدث عن دولة إسلامية، وحتى لو اقام بعض الناس “كانتونات”، فإننا لن نسامح من سيقيم كانتوناً مسيحياً في المنطقة الشرقية وفي جبيل وكسروان لأن هذه مناطق المسلمين وقد جاءها المسيحيون غزاة…”. (الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله)

إذا، المسيحيون في لاسا غزاة. المسيحيون في كسروان وجبيل غزاة. لا بل، في مفهوم “حزب الله” إن المسيحيين في كل لبنان غزاة ويجب اقتلاعهم من هذه الأرض.

المسيحيون حفظوا غيباً هذا الخطاب الذي يمكن الحصول عليه حتى الآن عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومن هنا البداية.

روايات متعددة أطلقها مشايخ وفعاليات الطائفة الشيعية الكريمة في لاسا، من أن الأرض كانت ملكاً لآل حمادة وبيعت للمسيحيين، ومنهم من يقول إنها لم تبع. رواية تتحدث عن أن الشيعة في ذلك الوقت “تمسحنوا” (نسبة إلى المسيحيين) للهروب من التجنيد الاجباري في الجيش العثماني. وهناك من يقول إن جزءاً من أهل القرية باع أرضه في أوائل القرن العشرين، “تحت الضغط” الذي كان يمارسه الانتداب الفرنسي على السكان الشيعة، والذي كان منحازاً للموارنة.

وفي ردّ بسيط على هذه الروايات قبل الدخول في تفاصيل تقريرنا، لو افترضنا ان بعضها صحيح، فهل إذا اختار بعض من السكان الشيعة اعتناق المسيحية، تعود أملاك هؤلاء إلى الطائفة الشيعية؟ وبأي حق؟ إلا قوانين واضحة في هذا الإطار؟ ولو افترضنا ان آل حمادة باعوا الأراض للمسيحيين فبأي حق يُعتدى اليوم على أراضي الموارنة في لاسا؟

 

حقيقة ملكية الأراضي في لاسا… مسح الـ1939:

قبل العام 1939، كانت الأراضي في لبنان عموماً تحدّد من قبل مختار المحلّة عبر ما كان يسمّى في ذلك الزمن بـ”الدفاتر الشمسية” التي كان يدوّن عليها المختار الحدود وأملاك كل شخص، بمعنى آخر، لم تكن عملية تحديد الأراضي منظمة.

في العام 1939، أطلقت الدولة ما يسمى بـ”المسح الاختياري”، وبدأت عملية المسح في كل مناطق لبنان بما فيها لاسا. وسُمي بالمسح الاختياري لأنه كان يعطى الحق وقتها لمن يملك عقاراً ما أن يرفض هذا المسح، فلا يخضع للمسح الاختياري من قبل اللجنة المختصة، لكن يسجّل في دفاترها وسجلاتها أن فلانا لم يخضع عقاره للمسح. هكذا تم المسح اختيارياً على كل لبنان.

لاسا، التي كانت تحت مظلة كرسي أبرشية بعلبك المارونية آنذاك، كان المطران الياس ريشا قيّما عليها، فكان هناك خوف ووعي من قبل المطران على ضرورة صيانة أراضي المطرانية، فقدّم طلبا لمسح كل أراضي المطرانية في لاسا. فما كان من لجنة المسح آنذاك، المكلفة من قبل الدولة اللبنانية، أن قامت بعملية مسح لكل المنطقة، وبوجود مختار من آل المقداد وهو والد محمود المقداد الذي كان مختارا على البلدة منذ فترة.

 

إذاً تم إجراء عملية المسح وصياغة محضر “تحديد وتحرير”، الذي يدون عليه رقم العقار والمنطقة، وكنيتها واسم المناطق وما يحدها.

ومن كان لديه اعتراضا، يتم تسجيل الاعتراض بشكل قانوني لحفظ حقه (فعلى سبيل المثال إذا تم مسح أرض معينة تابعة للبطريركية باستطاعة من يدعي أنه يملك فيها أن يقدم اعتراضا، ويتم تسجيل الاعتراض من قبل لجنة المسح إلا أن المعترض عليه ان يثبّت اعتراضه عند القاضي العقاري الذي كان يسمى في وقتها قاضي الصلح).

تم وضع المحاضر لأبرشية بعلبك المارونية، ونتحدث هنا عن حوالي 5 ملايين متر مربع من ملكية الأراضي التابعة للبطريركية. 94 عقارا، 94 محضرا أرسلوا إلى قاضي الصلح وإلى الدوائر العقارية في جونية مع الخريطة الرسمية الصادرة عن المساحة. وتمّت الاجراءات وفق الأصول.

في السبعينات، سحبت الأبرشية شهادات القيد، أيّ قانوناً، ما يُعرف اليوم بـ”الصك الأخضر” أو “سند الملكية”، ولكن كان يسمى بشهادة القيد عندما يكون هناك تحديد اختياري.

تملك البطريركية 125 شهادة قيد تثبت ملكيتها لنحو 5 ملايين متر مربع من الأراضي في لاسا. هناك 47 شكوى جزائية من أصل نحو 80 تتابع اليوم امام القضاء نتيجة التعديات التي يقوم بها بعض المالكين من الطائفة الشيعية، وخصوصاً عبر عملية “تذاك” تحصل عبر قضم جزء من حدود الأراضي. كما أن هناك احكام هدم صدرت بحق بعضهم.

فبقرب العقار رقم 52، هناك ورثة حسين حيدر خضر، وقد تجاوزوا حدودهم إلى عمق اراضي المطرانية.

كذلك، فإن التعديات كثيرة، نورد منها في الصورة التعديات على العقار 83، 61، 26، إضافة إلى التعدي على العقار رقم 11 والذي يدور النزاع بشأنه حالياً. وتتواجد في العقار جبّانة قديمة سجلت باسم المجلس الاسلامي الشيعي، ووافقت المطرانية على أن تبقى ضمن ممتلكاتها على الرغم من أن اجتماعات كثيرة عقدت في الماضي وتم الوصول إلى مسودة اتفاقية بشأنها بين الكنيسة والمجلس الشيعي لم تر النور لأسباب لم تعرفها الكنيسة.

 

ومن منّا لا يتذكر المشكلة التي حصلت منذ سنوات تقريباً عندما قام مختار لاسا ببيع شخص قطعة من أرض البطريركية هي على حدود أرض المختار مدعيا ملكيتها لها، تحت شعار انه يعطيه “علم وخبر”، في حين قانونيا ان المنطقة الممسوحة لا يحق للمختار إعطاء عليها اي “علم وخبر”.

 

العام 2000… “المسح النهائي”

في العام 2000، أصدرت الدولة اللبنانية قراراً يقضي بإجراء “مسح نهائي” في كل مناطق لبنان، على غرار ما حصل في بيروت وغيرها من المناطق، وبالتالي قرر مجلس الوزراء السير بأعمال المسح النهائي بكل بلاد جبيل من الساحل إلى الجرد، بما فيها لاسا.

تم مسح كل المناطق المحيطة بلاسا. في حين رفض بعض من يسكنها عملية المسح النهائي لأنها تضرّ بمصالحهم وبـ”سلبطاتهم” على أراضي المطرانية.

أجري مسح نهائي لما يسمى بـ”الجانب التحتاني”، جانب المطرانية حيث مقر المطرانية، وتم مسح حوالي مليون متر مربع، وبعدها بدأت المشاكل وبدأت تتفضّح نوايا الفريق الآخر، لسبب واضح أن المسح النهائي يُنقل عن المسح الاختياري، فشهادة القيد التي بحوزة أيّ مالك في لاسا معترف بها ومصدقة ويعتمد عليها، وإذا كان هناك اعتراض يدوّن من قبل لجنة المسح، إلا أن المعترض يتوجب عليه تثبيت الاعتراض امام القاضي العقاري.

هذا الأمر دفع ببعض العناصر الميليشياوية في لاسا عندما أيقنوا أحقية البطريركية على الأراضي وقانونية مسح 1939 وشهادات القيد، بدأوا بالتعديات إن على المسّاح وحتى مختارهم القديم نال نصيبا من “البهدلة” وأوقفوا المسح الرسمي الذي تقوم به الدولة اللبنانية.

في الآونة الأخيرة، المشكلة كانت حول العقار الذي يتواجد فيه مقر المطرانية،  والتي تملك عليه شهادة قيد، وتم مسحه نهائياً والحصول رقم 399 في الدوائر العقارية.

 

المشكلة حصلت عندما أقدم الشيخ محمد العيتاوي وبرفقته نحو 50 ميليشياويا من لاسا بتوقيف المساح فادي عقيقي عنوة، ومنعه من اخذ “شقلات” للعقار الذي يتواجد فيه مقر المطرانية، والذي تتواجد فيه قوة من الجيش اللبناني.

 

“هرطقة” الشيخ العيتاوي

خرج الشيخ محمد العيتاوي ليقول عبر احد القنوات التلفزيونية إن مسح الأراضي في لاسا الذي حصل في العام 1939 فيه شوائب، وهناك من يقوم بالأمور سراً”، معتبرا أن الملكية يتم تحديدها عبر الحجج والدفاتر الشمسية.

بمعنى آخر، لا يعترف الشيخ العيتاوي لا بمرجعية الدولة، ولا بقرراتها، ولا بالمسار الرسمي من العام 1939 حتى اليوم الذي نفذته الدولة لحماية ملكية الأفراد والطوائف، فالشيخ له منطقه ودولته وحججه ودوائره العقارية الخاصة. وتحت هذا المنطق باستطاعة من يملك السطوة والقوة والسلاح غير الشرعي أن يمتلك اي ارض يريدها على الأراضي اللبنانية ومن دون الاعتراف بمسح وبقرارات الدولة اللبنانية. ألم تصبح مشاعات الجنوب كلها ملكاً لأنصار “حركة أمل” و”حزب الله”؟.

إشارة إلى ان هناك أصولا تتبعها الدولة لاجراء المسح، فيتم النشر أولا، وقد افتتحت عمليات المسح منذ عام 2000. كذلك، لا يمكن إصدار محضر “تحديد وتحرير” نهائي إذا لم يكن موقعا من المختار والمسّاح المكلف من القاضي العقاري ومن أصحاب العلاقة او من يدعي باعتراض ما أو ملكية ما، الأمر الذي يدحض أقاويل الشيخ العيتاوي عن وجود شوائب في مسح الـ1939.

 

سرّ ردّة فعل الشيخ العيتاوي؟

إضافة إلى المبدأ العام الذي تستند إليه المراجع الشيعية في اعتبار المسيحيين في جبيل وكسروان غزاة ويجب طردهم من هذه المنطقة، فالشيخ العيتاوي له مصالح خاصة ضمن لاسا. فالعقار رقم 57 الذي أقام عليه العيتاوي منشآت ومنزله، هو عقار يملكه بالتساوي مع المطرانية المارونية. والشيخ “القدير” يعمل بكامل العقار وكأنه ملك له، خصوصاً أنه بالأساس عندما شيّد منزله ضمن العقار لم يأخذ رأي المطرانية، التي قانوناً، تملك نصف الـ2400 سهم أي 1200 سهم، وبما ان العقار غير مفروز، فللمطرانية الحق بنصف منزل الشيخ العيتاوي. وعليه، فإن المطرانية تستطيع فيما لو طُبق القانون الحصول على نصف منزل العيتاوي، ومشاركته فيه، وهو أمر لا ولن تقدم عليه المطرانية التي تعمل بكل أخلاق ومحبة وامانة للحفاظ على الجيرة والمودة والعيش المشترك في لاسا.

عدد الأمتار التي مسحت نهائيا في لاسا التابعة للبطريركية المارونية هي نحو مليونين ويبقى نحو ثلاثة ملايين متر مربع.

 

بانتظار اللقاء المرتقب بين بكركي والمجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، لطرح كيفية معالجة الاعتداءات على أملاك الموارنة في لاسا، علما ان البطريرك الراعي انتدب كل من النائب البطريركي عن المنطقة المطران نبيل العنداري، والقيّم العام المطران بول عبد الساتر لاجراء الاتصالات كافة بهذا الشأن، لا تظهر في الأفق خيارات عدة للحلّ، فبداية، المطلوب:

أن تتواجد قوى الأمن الداخلي والجيش في البلدة وأن يقوما بواجباتهما في حماية أراضي الكنيسة والحدّ من التعديات،

والأهم، إعطاء أمر للجنة المساحة لتقوم بمسح نهائي، لأنه لا تزال هناك أراض غير ممسوحة، وعندها فليأخذ كلّ انسان حقه قانونياً.

وبالانتظار معرفة نتائج المبارزة في لاسا بين منطق “الشبيحة” ومنطق الشرعية، ترفض الكنيسة “حكي المنابر والصالونات”. هي لم ولن تساوم على ما تملكه مهما بلغت الضغوط وعمليات الترهيب والترغيب. فلو ارادت أن تساوم لكانت انتهت مشكلة لاسا منذ زمن.

ولعلّ خير دليل على ثبات الكنيسة على موقفها، ما قاله القيّم الأبرشي على وقف أملاك لاسا في الأبرشية الأب شمعون عون للاعلام بنبرة عنفوان وحق: “من هلأ لمليون سنة هل أرض إلنا مش إلن… لن نرتدّ وسنستمرّ في الدفاع عنها والحفاظ عليها بكلّ الوسائل الشرعية، وإذا اضطرينا الى وسائل غير شرعية، أي “على طريقتهم” بهدف الحفاظ على كلّ شبر من أرض الكنيسة، فسنفعل ذلك”.

عدد الجريدة الرسمية (3725 – تشرين الأول 1939) وجرائد أخرى مثل “الشرق” وغيرها نشرت فيها أعمال التحديد الاختياري، وهي تدحض مسألة الشوائب التي يتحدث عنها الشيخ محمد العيتاوي ويؤكد صوابية وحقوق البطريركية المارونية والمسار القانوني للنزاع في لاسا.