Site icon IMLebanon

من الناعمة إلى كسارة مروراً ببرج البراجنة: “أبو الوليد” و”أبو البراء”!

 

 

كتبت لينا فخر الدين في صحيفة “السفير”:

بعد توقيفه لمدّة أربعة أيّام على ذمّة التّحقيق، ختم مفوّض الحكومة المعاون لدى المحكمة العسكريّة القاضي هاني حلمي الحجّار، أمس، التّحقيقات الأوليّة مع الشيخ بسّام الطرّاس وأبقاه موقوفاً، لتكون الخطوة التالية الادّعاء عليه، اليوم، وإحالته إلى قاضي التّحقيق العسكريّ للتوسّع في التّحقيقات.

إذاً، الرّجل الذي أخلى الحجّار نفسه سبيله بعد التّحقيق معه في المديريّة العامّة للأمن العام، عشية عيد الأضحى المبارك، عاد وأوقفه بعد تحقيقات أجرتها «شعبة المعلومات» في المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي.

يعني ذلك، وفق مصدر قضائي، أنّ الشبهات حول الطرّاس «صارت تهماً مع أدلة وقرائن»، وبالتالي، لم تنفع ضغوط مراجع دينية بتصوير الموقوف بأنّه «مظلوم»ّ!

التّهم التي سيوجهها القضاء الى الطرّاس، اليوم، «تتمحور حول ثبوت تواصله واتصاله بمجموعات إرهابية»، على حد تعبير المصدر القضائي نفسه، في انتظار أن يكشف عن «كنوز أسراره»، التي ظلت عصيّة على «فرع المعلومات» نفسه، وبينها تلك المحفوظة في بطاقة ذاكرة (memory card) مشفّرة بواسطة تقنيّة عالية جدا، حيث عجز المحققون والتقنيون عن فك طلاسمها حتى الآن..

خلال أربعة أيّام متواصلة، رفض الطرّاس الكشف عن كلمة السرّ الخاصة بهذه البطاقة التي وُجدت في حقيبته، تماماً كابنه الذي اعتُقل لبعض الوقت للهدف عينه. وقد حاول «فرع المعلومات» الاستعانة بخبراء محليين لكن من دون جدوى، إلى أن تقرر الاستعانة بخبراء أجانب، جزموا مسبقا بأن العملية تحتاج الى وقت من دون أن يحددوا المدة الزمنية.

وإذا كان خوف الطرّاس من فتح هذه البطاقة يشي باحتوائها على معلومات أمنيّة حساسّة، فإنّ الاتصالات الموجودة على هاتف الطرّاس تؤكّد الشبهات: تبين أن الشيخ على تواصل مع متورّطين بأعمال إرهابيّة في لبنان ومطلوبين للعدالة، مع ميل قضائي للجزم بأن دوره كان تحريضيا ولا يتعدى حدود الفتاوى وتسهيل التواصل، من دون أن يتبين حتى الآن وجود أي دور تنفيذي، إلا إذا أظهرت بطاقة الذاكرة المشفرة العكس لاحقا.

ويشير المصدر القضائي إلى أنّ التّواصل الأبرز للطرّاس كان مع القيادي في تنظيم «داعش» المدعو «أبو الوليد»، الذي يُعَدّ من بين أبرز قيادات غرفة العمليّات المركزية في الرقّة التي تخطّط للعمليّات الإرهابيّة عادة، وبينها العمليات الخارجيّة، وهي على تماس مباشر مع أبو بكر البغدادي عبر مسؤول غرفة العمليات أبو محمّد العدناني.

وأثبتت التحقيقات في الكثير من الملفّات القضائيّة أنّ «أبو الوليد» على علاقة مباشرة بالتّخطيط وتجنيد الأشخاص، أي أن دوره أيضا يغلب عليه الطابع التخطيطي، فيما يتولى الإشراف على التنفيذ قادة آخرون في غرفة العمليات المركزية نفسها أو في الخارج.

وعليه، فإنّ التّهمة الأكبر التي سُتسجَّل على الطّراس هي تواصله مع «أبو الوليد» الذي تبين عبر المراسلات المسجلة أنّه كان يتحدّث معه بلغة الأمر، أي بصفته رئيسه الذي يعطيه الأوامر بلغةٍ قاطعة، لا تحتمل الأخذ والرد، علما أن محمد قاسم الأحمد هو من كان صلة الوصل بين الاثنين.

كل هذه المعطيات انكشفت بعد تفجير كساره. قبل ذلك، كان اسم الطرّاس يحضر في أكثر من قضية يلاحقها جهاز الأمن العام، قبل أن يختفي، وهكذا دواليك.

ما قاله الموقوف في تفجير كسارة ـ زحلة، الذي كان يراد منه استهداف موكب لحركة «أمل» في طريقه الى مهرجان ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه في صور، المدعو (علي غ.) جعل الأمن العام يعيد فتح «الدّفاتر القديمة» لـ «الشيخ»، وصولاً إلى قضيّة ربط (علي غ.) بـ «أبو البراء» الذي يُعتقد أنّه محمّد قاسم الأحمد، بواسطة الطرّاس الذي قال للمدعو (علي غ.): «شو ما بيقلّك أبو البراء بتعملو»!

هل يقتصر الأمر على مجرد تعارف بين شخصين أم أنّ الطرّاس على معرفة بطبيعة المهمات التي يقوم بها «أبو البراء»، ولذلك، كانت لهجته قاطعة مع (علي غ.) بوجوب الالتزام بما يصدر من أوامر اليه من «أبو البراء».

لا إجابة من الشيخ نفسه عن هذا السؤال حتى الآن، ولكنّ الثابت أنه هو من طلب سفر (علي غ.) إلى تركيا من دون أن يكلف نفسه عناء أن يجتمع به على فنجان قهوة في لبنان.

الأفدح أن لقاءات الطرّاس مع (علي غ.) ومع أكثر من مطلوب، حصلت في شقّة في تركيا تعود ملكيّتها للمدعو محمّد الربيع الملقّب بـ «أبو العلاء» الذي ورد اسمه في القرار الاتهامي في قضية متفجرة المستشاريّة الثقافية الإيرانيّة في بئر حسن (مطلوب بموجب مذكرة توقيف غيابية)، وتواصله مع المتواري الخطير حسين الزهران الذي يُعد شريكاً للأحمد في «سيّارة النّاعمة» ومتورطاً في تفجيري بئر العبد والرويس، وهو أيضا من المتوارين عن الأنظار.

ووفق المصدر القضائي، فإن الرقم الذي كان يتواصل معه منفذو تفجيري البرج، أوصل الأجهزة الأمنية اللبنانية الى التعرف على شخصية «ابو الوليد». تبين أن الأخير كان على تواصل مع الطرّاس الذي كان قد وضع تحت المجهر الأمني منذ آب 2013 تاريخ العثور على متفجرة سيارة الناعمة. طرح المحققون سؤالا مباشرا على الطرّاس بعد توقيفه: هل كنت على علم بمتفجرة البرج قبل وقوعها (أظهر برنامج التعقب حصول اتصالات عدة بين الطرّاس و «أبو الوليد» في الفترة نفسها)؟ وكان جوابه النفي.. كالمعتاد!

حتى الآن، لم يظهر أنّ للموقوف دورا تنفيذيا في أي عمليّة أمنية داخل لبنان، بل كان دوره شرعياً ـ توجيهياً، إذ يبدو واضحاً أنّ التنظيم كان يريد الدّخول من خلال ما يمثله الطرّاس من حيثيّة دينية في البقاع الغربيّ وراشيا الى منطقة البقاع التي صارت مهمة اختراقها أكثر من ضرورية باعتبارها «الخزان» بعد انكشاف معظم خلايا التنظيم في الشمال ومناطق أخرى.

هكذا كان «داعش» يمنّي نفسه بالاستفادة من كون الطرّاس دكتوراً ومفتياً سابقاً ومثقفاً ومرجعاً دينياً وله مكانة اجتماعيّة مرموقة، كي يكون أقرب ما يكون إلى «أمير شرعيّ» في منطقة البقاع الغربيّ، من دون معرفة ما إذا كان «الشيخ» هو من ربط نفسه بالتنظيم أم العكس، وصولا الى المبايعة؟

وبرغم محاولات الطراس التملّص من أسئلة المحققين، فإنّ ثمة قناعة قضائية أولية بأنّ كلّ هذه الاتصالات واللقاءات ليست مجرّد صدفة وأنّ الرّجل مدرّب على تقنيّات التّحقيق كي لا ينهار مع ضغط الأسئلة ويعترف بكلّ شيء. والأهمّ أنّ الاتصالات المضبوطة ليست مع مطلوبين محليين، فحسب.. بل وصل الأمر إلى مطلوبين متورّطين في عمليّات إرهابيّة غير محلية.