Site icon IMLebanon

بالأمس طلبوه… واليوم رفضوه!

 

 

كتب الان سركيس في صحيفة “الجمهورية”:

تعيش الساحةُ اللبنانية على وقع التسوية الرئاسية من جهة والمعركة السورية من جهة ثانية، وإذا إعتبَر البعض أنّ الحكومة هي وليدة معركة حلب، فإنّ هناك استحقاقاتٍ داخلية تأخذ طابعاً محلياً على رغم تأثّرها بالخارج.دفع تمسّك «حزب الله» وبعض حلفائه بقانون انتخاب جديد على أساس النسبية الكاملة، الفريق الخصم وتحديداً تيار «المستقبل» إلى قبول النسبية الجزئيّة بعدما كان يرفضها بالمطلق «في ظلّ وجود السلاح غير الشرعي».

وهذا لا يعني أنّ النسبية ليست قانوناً جيداً أو أنها «مشروع الحزب»، بل إنّ تفكّك فريق «14 آذار»، جعله في موقع القتال التراجعي خصوصاً أنه إنتهى كتنظيم وبقيت الفكرة فقط. وإذا كانت الساحة الداخلية تخضع لتوازنات معيّنة إلّا أنّ التقاء المصالح يشكل ممرّاً لتحصيل مكتسبات مع إستمرار الخلافات الأيديولوجية.

الإقتراحات

شكّل قانونُ الانتخاب بعد «اتفاق الطائف» أحدَ أهمّ مطالب المسيحيين لأنّ أكثر من ثلثي نوابهم كانوا يفوزون بأصوات المسلمين. وفي هذا الإطار تحوي أدراج البطريركية المارونية عشرات ومئات النسخ المتعلّقة بدراسات عن قوانين الانتخاب بعدما أدرك المسيحيون أنّ قانون «الستين» لا يحقق صحة التمثيل المنشودة.

كان هذا الأمر قبل اتفاق «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» والإنقلاب السياسي الذي أدّى الى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية.

أما اليوم فقد بات الواقع مختلفاً، إذ عندما شكا المسيحيون بعد العام 2005 من تهميشهم كان يمكن لـ100 صوت مسلم مثلاً أن يقلب النتيجة رأساً على عقب في قضاء مسيحي يضمّ أكثر من 50 ألف ناخب مسيحي، والسبب هو الانقسام العامودي بين «القوات» وحلفائها من جهة و»التيار الوطني الحرّ» وحلفائه من جهة ثانية فيما الصوت المسلم سواءٌ كان شيعياً أو سنّياً أو درزياً موحّداً، ويقترع «بلوكاً» واحداً.

الأسباب الموجبة

عندما وضع الرئيس الراحل فؤاد شهاب قانون «الستين» بعد الثورة والثورة المضادة، نظر الى الخريطة السياسية والديموغرافية اللبنانية. صحيح أنّ الزمن كان زمن حكم المارونية السياسية، إلّا أنّ الرئيس حاول تطبيق منطق لا غالب ولا مغلوب، فرأى أنّ القضاء يشكل وحدة جغرافية متناغمة، والسكان يعرفون بعضهم البعض، وإجراء الإنتخابات على أساسه يحقق صحة التمثيل على رغم الفارق بين حجم الأقضية.

دارت الأيام ودخلنا مرحلة الحرب الأهلية، من ثمّ تطبيق «الطائف» على الطريقة السورية، وسط تغيّر الديموغرافيا وتقليص الوجود المسيحي، فعاد مطلب قانون «الستين» الى الساحة المسيحية عام 2004 وقد حظيَ برضى بكركي آنذاك، الى أن حصلت تهريبة قانون غازي كنعان بعد ثورة الأرز في 14 آذار 2005، قبل أن يُفاجئ البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في آذار 2008 الأوساط السياسية بإعتباره أنّ قانون 1960 لا يصحّ لأنّ الأمور تغيَّرت وهناك أقضية ومحافظات أنشئت، والحلّ يكون بالذهاب الى دوائر أصغر من القضاء. إلّا أنّ قانون «الستين» أقرَّ بعد «اتفاق الدوحة».

أمورٌ كثيرة تغيّرت، فمن ناحية، يجب سؤال بكركي عن سبب رفضها قانون «الستين» حالياً، بعدما أكدت مصادرها لـ«الجمهورية» أنّ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي يرفض هذا القاتون على رغم تمسّكه بعدم التمديد مجدداً لمجلس النواب، ولن يقبل إجراء الإنتخابات على أساسه، كما يجب سؤال الأحزاب المسيحية التي تجاهر برفضها هذا القانون.

مسار واحد

يؤكد عددٌ من المطارنة الذين عايشوا مرحلتَي صفير والراعي وعملوا على خطِّ قانون الانتخاب أنّ الكنيسة المارونية هي مسار واحد وتعمل لهدف معيَّن، والفارق هو شخصية كلّ بطريرك. فأثناء ولاية صفير شهدنا المقاطعة المسيحية والوطنية الكبرى في انتخابات 1992 من ثمّ جرت الانتخابات عام 1996 على أساس المحافظة مع استثناء جبل لبنان ممّا شتَّت الصوت المسيحي، لتُخاض الانتخابات في دورتَي 2000 و2005 على أساس قانون غازي كنعان الغريب العجيب بتقسيماته.

ففي تلك المرحلة ووسط غياب الأحزاب المسيحية الفاعلة وقبل عودة العماد عون وخروج الدكتور سمير جعجع من السجن، كان أيّ قانون انتخابي جديد مكسباً للمسيحيين وقد أتى عددٌ من الخبراء وشرحوا للبطريرك صفير أهمية «الستين»، فهو يحرّر الأقضية المسيحية الأربعة في الشمال، إضافة الى الأشرفية وجزين وأقضية في جبل لبنان من الأصوات المسلمة ويسمح لأهالي القضاء باختيار نوابهم بحرية، فكان قانون الستين النقطة الأولى نحو ذلك الهدف.

ويشير المطارنة الى أنه عند المطالبة بـ«الستين» كان الصراع سياسياً لا مذهبياً، لكن بعد تجربته على الأرض وسط التغيّر الديموغرافي تبيّن أنه لا يؤمّن صحة التمثيل، ما دفع الراعي الى تشكيل لجنة قانون الانتخاب في بكركي برئاسة المطران سمير مظلوم لتقديم اقتراحات قوانين جديدة، وهذا ما حصل فعلاً، والآن باتت الكرة في ملعب مجلس النوّاب. علماً أن صفير وقبل إجراء انتخابات عام 2009 كان قد طالب بإعادة النظر في تقسيمات قانون «الستين» وتصغير الدوائر.

القوى السياسية

من جهة ثانية، فإنّ «التيار الوطني الحر» الذي كان من أشدّ المطالبين بـ«الستين» ورفع يافطات «الحقّ رجع لصحابو» بعد الاتفاق عليه في الدوحة، رأى بعد تطبيقه أنه لا يَفي بالغرض، خصوصاً أنّ مقاعدَ مسيحية في بيروت والجبل والبقاعين الشمالي والغربي والشمال بقيت تحت تأثير الصوت المسلم، فيما لم تستطع «القوات» الحصول على حجمها التمثيلي خصوصاً في دوائر مثل الأشرفية وعكار، لذلك انطلقت رحلة التفتيش عن قانون جديد.

أما النظرية القائلة إنّ السنّة هم وحدهم مَن يؤثرون على المقاعد المسيحية، فغير صحيحة، إذ إنّ هناك مقعدَين مسيحيَّين في بعلبك الهرمل، ومقعداً في الزهراني وآخر في مرجعيون تفوز بأصوات الشيعة، كما أنّ الصوت الشيعي يؤّثر على 3 مقاعد مسيحيّة في جزين، و3 في بعبدا، و2 في جبيل، إضافة الى تأثيره على 5 مقاعد مسيحية في زحلة و2 في البقاع الغربي. فيما كان الصوتُ الدرزي وقبل تحالف «القوات» و«التيار» يوصل 4 نواب مسيحيين في الشوف و3 في عاليه، مع تأثير محدود في بعبدا والبقاع الغربي.

تطبيق «الطائف»

يُجمع كثيرون على أنّ الخطوة الأولى لإعادة التمثيل الصحيح تكون بتطبيق «الطائف»، خصوصاً أنه نصّ على أنّ عدد النواب يبلغ 108 نواب بدلاً من 128، وعلى سبيل المثال فإنّ المقعدَ الماروني في طرابلس هو من حق البترون على رغم أنّ بعض المراجع المسيحية الدينية الخارجية يصرّ على تمثيل مسيحيّي الأطراف ويطالب بالحفاظ على المقاعد مثل طرابلس.

وفي أيّ حال، فقد تخطّت رحلةُ المسيحيين خصوصاً واللبنانيين عموماً مع قانون الستين، 56 عاماً، فهل سيستطيعون دفنه أو أنه أقوى من كلّ المتغيّرات؟

وعلى رغم التحالف الناشئ بين «القوات» و«التيار الوطني الحر» والمدعوم من العهد الجديد، هناك إصرارٌ مسيحيّ بغطاء من بكركي وتأييد معظم القوى المسيحية المستقلّة على استبدال «الستين»، لأنّ عودة المسيحيين الى مناطق الأطراف تحقّقت بعد الحرب وبالتالي يحقّ لهم اختيار نواب يمثلونهم، علماً أنّ قانونَ الإنتخاب يبقى هو المعبر الأساس لعودة التوازن الوطني، من هنا وبعدما كان «قانونُ الستين» مطلباً ملحّاً في الأمس، بات مرفوضاً اليوم.