هناك شكوك في أنه فيما لو خلت الساحة المسيحية لمنازلة بين «القوات» – جعجع و«التيار العوني» – باسيل، من دون حضور تأثيري لعون على وقائعها، فإنّ الفائز بها سيكون معراب.
وبالعودة لحيثيات المعلومة الآنفة، يتّجه «حزب الله» ليتعاملَ مع انتخابات الساحة المسيحية على أساس عدم السير بـ«نظرية حليف حليفي هو حليفي». بمعنى آخر، لن يساهم الحزب في زيادة الحصّة النيابية لـ«القوات اللبنانية».
خلال فترة قريبة ماضية ساد انطباع بأنّ «حزب الله» سينتقي أسماءَ العونيين لانتخابهم داخل لوائح الثنائية المسيحية، مع شطبِ أسماء مرشّحي «القوات» وتحديد أسماء مستقلّين مسيحيّين أو حلفاء له، مكانها. لكن يبدو أنّه تمَّ تطوير هذا المفهوم حاليّاً، ليصبح مفاده «أنّ الحزب لن يصوّت لأيّ لائحة فيها تحالف عوني – قواتي».
واضحٌ أنّ هذا التطوير يستهدف ليس فقط اتّباع استراتيجية تصويت في الدوائر المسيحية التي يوجد للحزب حضور انتخابي فيها، تعكس الموقف السياسي للحزب من «القوات» (جبيل، جزين، وزحلة وبعبدا ألخ..)، بل أيضاً، وأساساً، اتّباع استراتيجية تصويت غايتُها «فرملة» أن تُحقّق «القوات» طفرةً في عدد نوابها في البرلمان المقبل، عبر الإفادة من انتشار لوائح تحالف الثنائية المسيحية، على أكبر رقعة من الدوائر المسيحية.
قراءة موقف «حزب الله» تجاه «القوات اللبنانية» كما تجسّد منذ بدء عهد عون، امتازت بأنّها تتبع تكتيكات احتواء زخمها التي لفتت النظر إليه، بعد تفاهم معراب وانتخاب عون، وذلك بأسلوب يفضي تدريجاً إلى تبديده ورسمِ حدود موقعه – المقبولة من الحزب – داخل العهد الجديد وكلّ المعادلة السياسبة اللبنانية.
وما هو مطلوب من وجهة نظر متابعة لتكتيكات الحزب بخصوص سؤال أيّ «قوات لبنانية» يريد، يقع في ثلاثة أمور:
أوّلها، عدم السماح بتثبيت معادلة أنّ «القوات» هي كلّ الشريك المسيحي للعهد، لأنّ ذلك سيتمّ على حساب حلفائه المسيحيين الذين يصادف أنّ الرئيس عون لا تربطه كيمياء بهم (الحزب القومي السوري الاجتماعي و»المردة»، ألخ..) وأيضاً على حساب شخصيات مسيحية يوجد «أخذ ورد» بينها وبين الحزب، أو بعضها الآخر الذي سيكون مجرّد استمرار وجوده السياسي في ظلّ معادلة الثنائية المسيحية، انتقاصاً من رصيد «القوات» وليس من رصيد عون وعهده وحتى تياره.
الثاني، إبقاء حجم «القوات» النيابي التمثيلي للشارع المسيحي مفتوحاً على تطبيقات أنه نسبي وليس دائماً وثابتاً. بمعنى آخر أن يكون «حجماً» قابلاً للمدّ والجزر بحسب علاقته بالعهد وبمن يجلس في قصر بعبدا.
ثمّ هناك أمر ثالث، ربّما له أهمّية خاصة، وهو محاولة إبقاء التمثيل النيابي والاجتماعي لـ»القوات»، بعيداً عن الجبل الذي هو قلب الديموغرافيا السياسية المسيحية ومركزها المديني، وبدلاً من ذلك، إبقاء سمة «القوات» التمثيلية تتفاعل ضمن صفتها الريفية والأطراف.
تشير أوساط مطّلعة على هذا الملف إلى أنّ الحزب يجد أنّ الثمرة الذهبية لـ«القوات» على شجرة انتخاب عون بدأت تذبل، رغم أنّ الوقت الذي مرَّ على عهد عون لا يزال في بدايته، وأنّها بدأت (أي الثمرة الذهبية) تفقد كثيراً من عناصر قدرتها على تحقيق نضوج أكبر.
علماً أنّ الاستحقاق الأهمّ الذي سيُحدّد مدى وسعِ خطوات انطلاقة «القوات» في تجربتها مع المرحلة السياسية الجديدة التي دخلتها، يبقى مرهوناً الحكم عليه بمدى الرصيد الذي ستخرج به من الانتخابات النيابية: فهل ستعكس النتائج ثنائية مسيحية لها ثقلُ علاقة التبادل الموجودة بين طرفي الثنائية الشيعية؟
أم ستؤشّر إلى أنّ هذه الثنائية لا ترقى إلى أن تصبح مناخاً مسيحياً منقاداً من جناحين لم يعُد بمقدور أحدهما التخلّي عن الآخر؟
