Site icon IMLebanon

لماذا سكوت القطاع الخاص والتجار عن الزيادات؟

 

 

كتب جورج عبيد في صحيفة “الديار”:

أخطر ما يحدث في لبنان متزاوجًا مع النقاش المحتدم حول قانون الانتخابات النيابيّة إقرار سلسلة الرتب والرواتب بالزيادات المعروضة، في مقابل أمرين يبطلان فرح الناس وبخاصّة العمال والموظفين بالزيادة على الرواتب وهما الضريبة المقترحة من قبل وزارة المال واستفحال غلاء المواد الاستهلاكية والاستفشائيّة وكلّ ذلك لصالح فريقين:

1-فريق دولة اللادولة، والتي تنتظر في عهد رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون أن تعود إلى تماسكها وبهائها. أحد الخبراء الاقتصاديين اعتبر في معرض نقاش حام حول اقتران إقرار الزيادات في مقابل الإقرار بالضرائب، اعتبر بأنّ الخاسر الوحيد والدائم هو اللبنانيّ في ظلّ عدم وجود نظام اقتصاديّ متوازن بالعمق وليس بالشكل، يؤمّن حماية اللبنانيين من انعكاس ما يحدث على معيشته. والأكثر خطورة برأي هذا الخبير، أن ثقافة التلاشي على أنواعها كافّة استبقت الدولة في كنف الفراغ وما تزال ترسّخ في ثناياها الفساد المقيت والكريه إلى أبعد الحدود، مع فوضى متلازمة، ممّا يجعل النظام الاقتتصاديّ مجوّفًا من الرؤى الحامية له من أنعكاس أية زيادات على استمرار تمزقه، بعدم تأمين الأمن الاقتصادي للمواطنين. وقد تبيّن بأنّ إقرار الضرائب في ظلّ نظام اللادولة أو دولة اللادولة، وفي ظلّ تجمهر الشكوك واحتشادها حيال الهدر المتواصل، وقد اعتبر المطران جورج خضر مرّة بأنّ الهدر مفردة مهذبة تستعمل كبديل عن السرقة، وحيال ثقافة المحاصصة القاضية على دور الدولة في لبنان هو فقط لمصلحة المتحاصصين في الدولة وعليها، ويتقاسمون فيها المغانم والأسلاب. وهذا ما يرسّخ الفساد بحضوره المنظور وغير المنظور في أمكنة متنوعة ومختلفة.

2-فريق رجال الأعمال وأصحاب القطاعات الخاصّة: يعتبر هذا الخبير، بأنّ الديمومة الاقتصاديّة للبنان تتأمّن بشبكة الأمان المبنية على الاستثمارات المالية والتجارية والعمرانيّة… إلاّ أنّ هذا الخبير لاحظ في معرض حديثه بأنّ العلاقة بين العمال والموظفين وأصحاب القطاعات والشركات غير سويّة، وهي خاضعة لجدليّة العلاقة الملتبسة بين صاحب العمال والتاجر من جهة والعامل والموظّف من جهة ثانية. تلك الجدليّة لا تنتمي إلى هذا العهد بخصوصياته وتوقه وانشداده القويّ والمتين إلى استكمال عناصر الإصلاح وقمع الفساد بل اقتلاعه من شروشه وجذوره، فهي قائمة خلال العهود السابقة أي منذ التسعينيات من القرن المنصرم إلى الآن. خطورة الجدليّة أنها تعبّد الطريق دومًا لمجموعة انفجارات اجتماعيّة خانقة، وبخاصّة حينما يكتشف الأستاذ والموظف والعامل أنّ الزيادة وهي حقّ مكتسب قد تمّ امتصاصها من التاجر، ومن المستشفى، ومن المصارف، ومن المدرسة، وهو غير قادر على دفع أقساط أولاده لأنّ الزيادة قد تم أكلها وهضمها فبدت وكأنها لم تكن بكلّ ما للكلمة من معنى.

ويبدي الخبير الافتصاديّ رأيًا واضحًا بأنّ ثمّة خاسرَين من هذا الأمر المواطن والدولة.  المواطن لأنّ الزيادة سلبت منه من قبل التجار، والدولة لأنها ترى نفسها تغوص في دين جديد والسؤال المطروح من أين يمكن تأمين الف 200 مليار ليرة لبنانيّة لتغطية الزيادات والرواتب، في ظلّ تنامي الدين العام وبلوغه نحو الثمانين مليار دولار اميركيّ؟!!

أمام هذا المشهد يبدي هذا الخبير مجموعة ملاحظات:

1-لا يمكن لأيّ نظام اقتصاديّ أن يصير متوازنًا ونظيفًا قبل البدء بالإصلاحات الجذريّة المطلوبة المانعة من قيام الدولة اللبنانيّة والاتجاه نحو ديمومتها. الإصلاح بمعناه الحقيقي هو الجوهر، وهو ما يحدّد دور الدولة في لبنان.

2-عدم إخضاع نظام الزيادات لمشيئة نظام الامتصاص الضرائبيّ بإطلاقيته المفرطة والغلاء بوحشيّته المتورمة والمنتفخة، والسؤال المطروح ما هي أهميتها (أي الزيادات إذا لم يستطع المواطنون الاستفادة منها.

3-عدم رفض القطاع الخاصّ والتجار لتلك الزيادات إشارة واضحة إلى رضى تلك القطاعات على مفهوم الزيادات مع معرفتهم المسبقة أنها ستكون لمصلحتهم في التجسيد والتنفيذ الواقعيّ. كما لاحظ في الوقت عينه نوعًا من الامتعاض ليس عند المواطنين فقط بل عند كلّ القطاعات، مع الفرق الواضح بأنّ الاعتراض عند رجال الأعمال وأصحاب الشركات خجولة أكثر مما هي موجودة عند المواطن والموظّف العادي.

4-لا وجود لشراكة حقيقيّة على هذا المستوى بين ثلاث قطاعات الدولة والمواطن أو الموظف وأصحاب العمل. ويعتقد هذا الخبير وفي معرض تلك الملاحظات بأنّ بطلان الشراكة بعمقها الجذوريّ بدءًا من النقاش والبحث عن شبكة أمان اقتصادية واجتماعية من شأنه حتمًا أن ياخذ البلد إلى مساحة واسعة من التفسّخ والتبعثر والانفجار.

5-إقترن إقرار نظام الضرائب مع غياب مجموعة حقوق خاصّة بالمواطنين، فنظام الضرائب يعبّر عن حقّ الدولة المالي لتعزيز مواردها الماليّة وهذا نظام موجود في دول العالم ويشبه نظام البدلات، غير أنّ تعبير الدولة عن هذا الحقّ يفترض ان يكون متساويًا مع تعزيز حقّ المواطن في ضمان طبابته واستشفائه، ويعتبر هذا الخبير التغطية الاستشفائيّة مؤمنّة للموظفين في الدولة من قبل تعاونية موظفي الدولة وهي تقوم بواجباتها على أكمل وجه، وهي مؤمّنة لمعظم الشرائح من قبل الضمان الاجتماعيّ، وعلى الرغم من أن وزارة الصحة تقوم بتغطية من هم غير مضمونين في المستشفيات فإن الخلل يبقى واضحًا على مستوى احترام حقوق الإنسان بكيانتيه وبشريّته. فثمة مستشفيات لا تزال تتعاطى مع هذا الواقع برفض أو تعنت أو ازدراء… من يضمن فقراء لبنان في الحياة؟

6-يفترض بالمواطنين كمكلفين من قبل الدولة أن يروا أن الدولة بدأت تتعاطى معهم من ضمن نظام جديد، فطرقات لبنان لا تزال محفّرة والسيارات دومًا تقع في الحفر فهل هذا معقول؟ حين تمطر السماء خيرًا يغرق المواطنون فهل هذا معقول؟ وحين أيضًا تمطر فلا وجود لسدود تجمع المياه ويستفيد منها اللبنانيون فهل هذا معقول؟ يذكّر الخبير بأنّ نظام الضرائب يفترض أن يكون لصيقًا بهذه الإصلاحات الضروريّة وهي حقّ من حقوق الناس. أن تطلب الدولة زيادة الضرائب فيفترض في المقابل أن يتمّ إلغاء التقنين الكهربائيّ بتأمين الكهرباء 24 ساعة/24 ساعة، وكذلك مياه الشفة. المواطن يدفع فاتورتين واحدة للدولة وأخرى لأصحاب المولدات فهل هذا يعقل وعن أية زيادة يتكلمون مع إمكانية زيادة التعرفة الكهربائيّة عند أصحاب المولدات الكهربائيّة؟

7- مع الإصرار على ان الفئة المتضررة هم المواطنون لكنّ المتضرّر الكبير بدوره هم المعلمون وأولياء الطلبة في العلاقة مع إدارات المدارس، ذلك أنّ الحد الأدنى لأجر المعلم لا يتجاوز المليون ليرة وأقل من ذلك، فيما أساتذة آخرون يتقاضون بحدود الألف دولار أو 1200 دولار كحدّ أقصى، ولكن ماذا عن القسط المدرسيّ حين يبلغ لصف KG1 أي الأوّل إعدادي 12éme في عدد من المدارس إلى تسعة ملايين ليرة لبنانيّة، ويخشى من زيادات أخرى؟ لقد أعطى هذا الخبير هذا المثل كأنموذج موضوعيّ مقابل ما يحصل من زيادات، وهو يعبّر عن خلل اقتصادي كبير.

8-ستكون الزيادات عبئًا كبيرًا مع غياب مميت ومخيف لدور وزارة الاقتصاد في تنظيم الرقابة الصارمة وبلا رحمة على الأسعار حماية لحقّ المواطنين في التنعم بزيادته واستهلاكها بصورة متوازنة، ويلاحظ الخبير بأن نظام حماية المستهلكين شبه معدوم إذا لم يكن معدومًا. فالمستهلكون هم المستفيدون من الزيادة ولكنهم في المقابل مطحونون بالضرائب وغلاء المعيشة. ويتمنّى على وزير الاقتصاد رائد خوري أن يفعل دور وزارته لحماية اللبنانيين من وحش الغلاء في كلّ القطاعات حتى لا ينفجر لبنان بكلّ ما للكلمة من معنى.

وتلاحظ الأوساط في المقابل بأن ثمة إصلاحات بدأت تتوسّع تدريجيًّا بدءًا من وزارة العدل ويقودها الوزير سليم جريصاتي بفاعلية قويّة وقد أعادت للوزارة دورها وللقضاء حضوره البهيّ وللمحامين حقوقهم في الدفاع عن الموكلين، وتنطلق بدورها نحو وزارة الإعلام فيقود الوزير ملحم رياشي ورشة في عملية الإصلاح تنطلق من تلفزيون لبنان وصولاً العلاقة بين الوزارة والقطاع الإعلاميّ ضمن مفهوم احترام الحريات المطلقة وإطلاق النقاش على مصراعيه في سبيل تنظيم آليات نهضوية وأخلاقية، وتفعيل دور المجلس الوطنيّ للإعلام وله الدور الناظم في قراءة الواقع الإعلامي والعمل على تنظيمه بفاعلية. لكن الإصلاح يفترض أن يعمّ النظام الضرائبيّ والخدماتيّ ومع إقرار سلسلة الرتب والرواتب بلا ضمانات ومع ضرائب وإعفاءات ملتبسة لشركتي سوليدير وطيران الشرق الأوسط سيتوسّع الخلل نحو انفجارات متماهية مع عدم وصول المنطقة إلى تسويات سياسيّة تؤمّن فيها الاستقرار والسلام.