Site icon IMLebanon

دعم الحريري… من أدوات الحرب على إيران؟!

كتب شادي علاء الدين في صحيفة “العرب” اللندنية:

جاء اصطحاب العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز لرئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في طائرته الخاصة إلى الرياض ولقائه بكبار المسؤولين السعوديين، في خضم أجواء القمة العربية التي انعقدت في البحر الميت، ليفتح المجال أمام الكثير من التحليلات وخصوصا بعد اللقاء المطول الذي جمع الحريري مع وليّ وليّ العهد وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان.

وخرجت بعض المعلومات الأولية التي تعتبر أن هذه اللقاءات افتتحت عهدا سعوديا جديدا مع الحريري، وأن المشاكل الكبرى العالقة بين الحريري والرياض في طريقها إلى الحل، وخصوصا أزمة شركة سعودي أوجيه التي تفيد بعض المصادر بأنها في طريقها إلى الحل في مدة وجيزة.

ولا يمكن فصل الرغبة السعودية في إعادة تعويم الحريري لبنانيا عن جملة مناخات دولية وإقليمية مستجدة، فقد برزت مؤخرا إشارات أميركية مزدوجة تجاه الأسد وإيران تعتبر أن إسقاط الأسد لم يعد أولوية أميركية بل الأولوية هي لإخراج إيران من سوريا ومكافحة الإرهاب.

تزامن هذا المناخ مع تقليص دور تركيا في الميدان السوري وخروج تصريحات على لسان مسؤولين إيرانيين تفيد بأن إيران لا تملك استراتيجية للخروج من سوريا. برزت كذلك مؤشرات عديدة تفيد بتناقض مصالح الأسد ومصالح إيران لأن مشروع السلام الذي يدافع عنه العرب يمكن أن يحتمل بقاء الأسد وينطوي على إمكانية التفاهم معه في إطار الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها. ولا ينطبق الأمر نفسه على إيران التي تجمع وجهات النظر الأميركية والأوروبية والعربية على ضرورة إقصائها من المعادلة وعدم السماح لها بإدراجها كشريك في عملية السلام المنتظرة ولا في إطار الحل السياسي المقبول.

ترتبط كل هذه التحولات ارتباطا وثيقا بإعادة إنتاج حضور سعد الحريري لبنانيا في هذه المرحلة بشكل وثيق. ولم يكن تغييب ذكر إيران وإدانتها مباشرة في القمة العربية سوى جزء من سياق خطة الحرب الجديدة عليها والتي تتضمن لبنانيا إدراج إعادة تفعيل دور سعد الحريري على الساحة اللبنانية كجزء من الاستراتيجية الدفاعية العربية عموما والسعودية خصوصا.

الحرب على إيران من خلال سعد الحريري تتطلب تفعيل التسويات وخلق مناخ استثماري واقتصادي جيد في لبنان. وتواكب إنعاش سعد الحريري سعوديا مع الإعلان عن حزمة مشاريع إنمائية تنوي الرياض تمويلها في لبنان وإنشاء لجنة عليا سعودية لبنانية يتوقع أن تبصر النور مطلع شهرمايو القادم.

تزامن النوايا الإنمائية السعودية في لبنان مع عقوبات أميركية مشددة على المصارف اللبنانية التي تتضمن حسابات تعود لحزب الله أو لمؤيديه ومموليه من شأنه أن ينتج معادلة لبنانية تعيد ربط مصالح الناس والشخصيات الاقتصادية الفاعلة من كل الطوائف بمشروع سعد الحريري كما كان الوضع أيام رفيق الحريري.

ويمكن في هذا الصدد التذكير بأن الهالة التي كان رفيق الحريري قد نجح في صناعتها ترتبط بشكل خاص بقدرته على اجتذاب الفعاليات الاقتصادية من كل الطوائف إلى الانحياز إلى رؤياه الاقتصادية. من هنا كان وزن رفيق الحريري في المعادلة السياسية اللبنانية يتجاوز بكثير حدود الطائفة السنية ويجعله ناطقا باسم حالة لبنانية ناجحة ومشجعة على الاستثمار فيها وقادرة على الخروج من تأثيرات الخلافات السياسية والصراع السياسي.

الزخم الذي تستعد السعودية لمنحه لحضور الحريري لبنانيا يصبّ في هذا الإطار. فإذا كان الخلاف السياسي محتدما فإن الاقتصاد يمكنه أن يشكل المدخل لتفكيك كل حالات الاستعصاء السياسي، وأن يخلق حزبا واسعا يضم في صفوفه جميع المتضررين ممّا يسببه الصراع السياسي من ضرر يطال حياة الناس اليومية.

هذا الحزب هو الوحيد الذي يمكن أن يكون عابرا للاصطفافات المذهبية والطائفية في هذه المرحلة، ولا يمكن أن ينشأ مثل هذا الحزب إلا من خلال بنية انتعاش اقتصادي.

ارتباط هذا الانتعاش بمشروع يقف سعد الحريري على رأسه سيجعله قائد أكبر حزب في لبنان فعليا ويعطيه القدرة على إقامة توازن فعال مع سلاح حزب الله. شروط اللعبة الجديدة لا تسمح للحزب باستجرار معركة مع إسرائيل أو استخدام سلاحه في الداخل اللبناني دون أن تكون في الأمر مغامرة وجودية كبرى.

تمكن ملاحظة غلبة الاهتمام الاقتصادي على نشاطات الحريري في المرحلة التي سبقت القمة حيث حرص على التوجه إلى القمة العربية بعد إنجاز التوافق على الموازنة، وهو ينطلق بعدها في جولة دولية تشمل دولا أوروبية عديدة تهدف إلى استجلاب دعم دولي للبنان لمساعدته على تحمل أعباء النزوح السوري ودعم الجيش اللبناني.

يستعد الحريري كذلك للتمهيد لدور مميز له وللبنان في عملية إعادة إعمار سوريا حيث تشير المعلومات إلى أن الجهود الإحصائية المتعلقة بهذا المشروع الضخم والتقديرات شبه النهائية للكلفة المتوقعة قد باتت في مرحلتها النهائية.

تميل منظومة الدول الممولة والراعية لملف إعادة إعمار سوريا إلى منح لبنان دورا ملحوظا في هذه العملية، وسعد الحريري هو المرشح المقبول لتولي إدارة هذا الملف الذي سيعود عليه مباشرة كرجل أعمال بأرباح طائلة كما أنه سيحقق للبنان طفرة اقتصادية لافتة. والجو الدولي عموما لا يقبل أن يتولى أحد إدارة هذا الملف في لبنان غير سعد الحريري.

بدأت المؤشرات على آثار نضوج هذا المناخ بالظهور فلم يكن من قبيل الصدفة ورود اسم نجيب ميقاتي مؤخرا في عداد مهاجمي إيران ورفض تدخلاتها، إضافة إلى مشاركته في التوقيع على الرسالة التي وجهها الرؤساء الخمسة إلى القمة العربية والتي تتضمن رفض السلاح غير الشرعي.

كل هذا المناخ يدلّ على أن ميقاتي قرأ التحولات بعين رجل الأعمال والسياسي وقرر الالتحاق بركاب المرحلة القادمة والخروج من سفينة حزب الله العامرة بالثقوب المالية قبل السياسية في هذه المرحلة.

لم تتأخر ردة فعل حزب الله على قرار ميقاتي فأعلن عن مقاطعته. يدل تحول ميقاتي وهو الذي كان حزب الله قد أسقط حكومة سعد الحريري ليفرض تعيينه كرئيس للحكومة على أن المناخ السعودي المستجد قد بدأ ينجح في خلق شبكة مصالح تربط رجال الأعمال بسعد الحريري.

ولا تقف حدود المشروع السعودي عند العمل على توحيد الصف السني بل تطمح إلى خلق بعد لبناني عام يكون فيه الازدهار الاقتصادي الذي يشكل المطلب الأكثر إلحاحا عند عموم اللبنانيين مرتبطا بسعد الحريري.

يشكل هذا النزوع حربا شرسة مع حزب الله مبنية على قراءة لطبيعة عناصر القوة التي لديه والعمل على تعطيلها. وأثبتت التجربة أن الحزب لا يكون قويا إلا في ظل الحروب، وأن لا مشروع اقتصاديا لديه، بل كان غالبا يعمد إلى التهديد بشلّ الاقتصاد مقابل الحصول على مكاسب سياسية وفرض التنازلات على الآخرين.

لم يعد هذا المنطق قابلا للتنفيذ في هذه المرحلة على الإطلاق لأن حزب الله كان يمارسه في ظل تمويل إيراني سخيّ كان يتيح له الاستقلال شبه التام عن الدورة الاقتصادية اللبنانية، كما كان شريكا بشكل مباشر أو غير مباشر في الدعم الذي كانت السعودية ترسله إلى لبنان.

تتضافر عوامل عديدة في رسم ملامح أزمة حزب الله المالية من شح التمويل الإيراني والكلفة الاقتصادية الهائلة للمشاركة في الحرب السورية، إضافة إلى الحصار الخانق والشديد الذي تفرضه الولايات المتحدة الأميركية على مصادر تمويله والعقوبات التي تطال الجمهور المؤيد له.

لا يستطيع الحزب ممارسة سياسته السابقة في ظل هذه الظروف. وتقضي مصلحته في تسهيل استثمارات السعودية في لبنان والتعاون الاقتصادي مع سعد الحريري. والتسبب بأزمة اقتصادية سيضعه ليس في مواجهة جمهور الحريري وحسب ولكن في مواجهة جمهور كل التيارات السياسية والمجتمع المدني، وكذلك سيفجر أزمة بينه وبين الجمهور الشيعي الذي لا يعتاش من مصادر تدور في فلك الحزب.

يبرز كذلك معطى بارز يتعلق بتصريحات واشنطن التي تخرج إسقاط الأسد من دائرة الأولويات في هذه المرحلة، والتي تلتها تصريحات فرنسية تصبّ في الإطار نفسه.

يتعامل حزب الله مع هذا الموضوع بوصفه انتصارا له، خصوصا وأن دخوله إلى سوريا كان يهدف إلى الدفاع عن الأسد. ولا يدل مغزى التوجه الأميركي والفرنسي على سياق يخدم توجهات حزب الله بل على العكس يشكل عدم إسقاط الأسد في هذه المرحلة تعارضا واضحا مع مصالح حزب الله لأنه يتكامل مع تسوية لا دور لإيران فيها، كما أنه لا يتعارض مع توجهات القمة العربية التي تدعو إلى عدم التدخل الخارجي في الشؤون العربية.

بقاء الأسد في هذه المرحلة مرتبط بحلف دولي لروسيا والولايات المتحدة الدور الأبرز فيه ما يجعله ترتيبا دوليا يهدف إلى منع انزلاق الأمور إلى مرحلة من الفوضى لا يستطيع أحد ضبطها. ولا يعني هذا الترتيب أن الأسد انتصر بل على العكس من ذلك تماما تحرص المنظومة الدولية على إبقائه لأنها تأكدت أنه انهزم وتسعى من ناحية أخرى إلى تفعيل التسويات لأنها تأكدت أن الأطراف المعارضة له قد انهزمت كذلك.

انتصارية حزب الله تضعه خارج المعادلة وكذلك الحال بالنسبة إلى إيران التي كان دخولها الميدان السوري فعل استنزاف مجاني في حين أن كل الأطراف الأخرى حققت مجموعة من المكاسب وإن كانت أقل من طموحاتها.

تتخذ الإشارة الأميركية إلى وجود نية لإزالة الإخوان المسلمين من قائمة المنظمات الإرهابية في سياق منح تركيا دورا قادما في عملية إعادة إعمار سوريا ولكن إيران هي الدولة التي يكتسب التدخل الأميركي في سوريا معنى محاربة وجودها.

تلتقي عملية الإبقاء على الأسد في المرحلة القادمة التي يتوقع أن تسفر عن نضوج للتسويات مع مصلحة الدولة اللبنانية لأن العلاقة مع دولة سورية جريحة ومحتاجة إلى لبنان سيخلق معادلة علاقات جديدة تتأسس على الحاجة السورية إلى لبنان. هكذا يمكن للبنان أن يكون مستفيدا من المأساة السورية بدل أن يكون ضحية لها.

يلتقي هذا المناخ المتوقع أن تسلكه العلاقات اللبنانية السورية في المرحلة القادمة مع الإطار العام لمشروع الحريري الذي يناسبه ويناسب السعودية التفاهم مع الأسد الخاضع للتسويات والذي ينصب كل جهده على تأمين ظروف بقائه والحرص على انتزاع الاعتراف العربي والدولي بشرعيته، وهو ما لا يمكن أن يحصل عليه إلا باستقلاله عن إيران وبقبوله بتنازلات كبرى.

يعمد حزب الله مع احتدام النقاش حول قانون الانتخاب إلى تفجير لغم الإصرار على قانون النسبية الكاملة على أساس اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة في وجه الجميع. ويبدي انفتاحا على قبول النقاش في التقسيمات الإدارية في حال وافقت القوى السياسية وخصوصا تيار المستقبل على خوض الانتخابات على أساس القبول بالنسبية الكاملة.

فككت التطورات المتسارعة هذا اللغم وربما تكون قد جعلته آيلا للانفجار في وجه الحزب، ففي حين يبدي التيار الوطني الحر رفضا لهذا القانون يبدي تيار المستقبل انفتاحا على قبوله مع طلب تعديلات عليه سبق للحزب الإعلان أنه منفتح عليها.

وتظهر الماكينات الانتخابية في تيار المستقبل أن التيار قادر على الاكتساح في ظل اعتماد صيغة من صيغ النسبية الكاملة مع منح الصوت التفضيلي على أساس القضاء، وخصوصا إذا تزمن إجراء الانتخابات مع جوّ انتعاش مالي وسياسي للحريري ووحدة الصف السني.

كان الحزب يطرح هذا القانون في ظل وضع انهيار مالي وتراجع سياسي للحريري. وتوقيت إعادة تعويم الحريري ماليا في هذه الفترة قد يكون مثاليا لناحية قدرته على خلق حالة إرباك في صفوف الحزب ما يضعه في مواجهة رفض السير في القانون الذي يدافع عنه ويحمله المسؤولية عن جر البلاد إلى فراغ نيابي يبدي رئيس المجلس النيابي وحليف الحزب الأبرز نبيه بري الرفض التام له.

انطلقت المعركة ضد النفوذ الإيراني في المنطقة وفي لبنان عبر التسويات والاقتصاد فإذا كان سعد الحريري يضعف بالحرب والتصعيد في حين يقوى حزب الله فإن العكس صحيح.

وما اتضح حتى الآن من ظروف يشي بأن المرحلة القادمة تكشف عن بداية نضوج مناخ تسويات. فإذا كانت سيطرة الحزب على لبنان مبنية على السلاح فإن هذا السلاح في ظل استحالة توظيفه في حرب خارجية أو في الداخل سيتحول من امتياز إلى عبء.

هكذا قد تكون عودة سعد الحريري إلى الواجهة بداية النهاية الفعلية لزمن السلاح وتمهيدا للدخول في زمن آخر لن يكون فيه أمام الحزب إلا أن يختار بين اللبننة أو الانتحار.