Site icon IMLebanon

ما الذي أغضب الرياض من قطر إلى هذه الدرجة؟

كتب أسعد البصري في صحيفة “العرب” اللندنية:

ما هو التخريب القطري الأكبر الذي أغضب الرياض كل ذلك الغضب؟ إنّ المملكة محاطة ببحر عربي سنّي هائل وهذا البحر بفطرته قريب من السعودية وبعيد عن إيران. قطر أنفقت المليارات لتسميم المحيط العربي السنّي وحولته إلى أحزاب وسيّسته.

صارت السعودية اليوم لا تعرف السنّي من الإخواني من الداعشي. هذا التسميم المنظم للعقول لم يقتصر على محيط المملكة الحيوي بل امتد إلى داخل السعودية كما لاحظنا في الظاهرة السرورية، حيث خلقوا بؤرة سلفية إخوانية أي سيّسوا حتى بعض السلفيين السعوديين.

وهكذا صارت الظاهرة الإخوانية تنجب الجدل الديني والفرقة السياسية والخيانات. فلم يعد الموقف من إيران من المسلمات كما رأينا في ظاهرة حركة حماس التي تدعمها طهران وتخطط قطر لنقل المزيد من قادة حماس إلى إيران في رد خبيث وماكر ضد الرياض، رأينا في موقف قطر الأخير قوة تحالف الاستراتيجي مع ولاية الفقيه.

السعودية التي كانت مطمئنة في محيط هائل يساعد سياستها في صد الهيمنة الإيرانية صارت تشعر بأنها محاصرة بمحيط ملوث بالقذر الإخواني. أصبحت الكتلة السنيّة منقسمة ومتناحرة بينما بقيت الكتلة الإسلامية الشيعية متماسكة بالبناء الهرمي الإيراني المنظم.

الشيء الآخر أن السعودية يمينية محافظة لا تتحرك بطريقة الجماهير والتحريض والملايين والثورات. هذه قضية في نظر المملكة مجرّد فوضى مرفوضة، بل تفضل المملكة الإصلاح أو تتحرك بالصفقات السياسية الدولية بالتنسيق مع الشرعية العالمية.

كان المجتمع السنّي محافظا وهادئا حتى تدفقت مليارات قطر والإخوان وقناة الجزيرة. وقامت هذه المنظومة المشبوهة بضخ الفكر الفوضوي داخل الفكر الديني، وتم لهم تثوير الدين وتسميم الربيع العربي بالتحريض الطائفي والسياسي وقدمت الدوحة الدعم حتى بالسلاح. صار الإسلام السنّي يشبه الإسلام الشيعي ملوّثا بالسياسة.

لقد نشرت قطر “الخمينية السنية” بواسطة الإخوان على أمل إسقاط السعودية وتفتيت الجزيرة العربية. والآن يقولون كيف تقضي المملكة على الإخوان وهم منظمة عمرها قرن وعندها فكر ولا يمكن القضاء على الفكر. هذا كلام غير صحيح فالإخوان منافقون وانتهازيون وإنّ قطع الدعم المالي عنهم وإغلاق قناة الجزيرة المشبوهة ومطاردة قادتهم وتسقيطهم إعلاميا سيأتي عليهم ويعود العالم العربي إلى طبيعته المستقرة.

لقد سقطت قطر عربيا ومعنويا سلفا فهي بوقوعها تحت حماية إيران وأردوغان اليوم تكون الأقنعة قد سقطت والأوراق انكشفت. لن تعود الدوحة أبدا كما كانت ولا الإخوان لأن الضرر عليهما قد وقع بعزل سعودي له معنى كبير.

أين وصل صاحب الدعاية الإخوانية أردوغان بسوريا؟ لم يستطع حماية شعبها من الهلاك ويدّعي اليوم أنه مهتم بحماية قطر شريكته بالجريمة ويده الأخرى الملوثة بدماء الأطفال العرب. كان أردوغان يحرّض السوريين ويتخلّى عنهم حتى صارت البلاد رمادا. قليل بحق الإخوان هذا العقاب السعودي، وقليل ما فعله بهم الرئيس المصري “الظاهر” عبدالفتاح السيسي. لقد حولوا الدوحة تلك المدينة العربية الجميلة إلى دار مشبوهة للفجور الإخواني.

تنسيق واضح بين الإخوان المسلمين وطهران على هدف واحد هو تدمير السعودية. إيران تحرّك من طرف والإخوان يحركون من طرف آخر وداعش تحرك من جهة ثالثة.

كان الهدف تدويخ السعودية بحيث تحير في مَن تحارب؟ السلفية أم الشيعة أم الإخوان؟ ومع كل ذلك تم طحن المدن السنية التاريخية في العراق وسوريا وهي مشاهد تجرح قلب الشباب السعودي النبيل لإظهار السعودية متخاذلة عن حماية السنة وتأجيج نقمة الشباب على مملكتهم القوية.

فوق كل ما تقدم كانت هناك ضغوطات أميركية وحملات إعلامية ضد الرياض مع إصدار قوانين تحمّل الرياض بأثر رجعي المسؤولية عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 مثل قانون “جاستا” سيء الصيت ضد المملكة، ورافق ذلك تقارب مع إيران. فقد كانت عقيدة أوباما السياسية تقول باقتسام النفوذ في الشرق الأوسط مع إيران والتوازن معها.

لقد كان ذلك تخطيطا جهنميا وهجمة شياطين مشتركة ليتفرق بعدها دم المملكة العربية السعودية بين القبائل غير أن الأداء السعودي كان مذهلا. دبلوماسية فوق التصور والخيال. لقد تحمّلت الرياض وتجرّعت المرّ وبكت بصمت كل مدينة وقرية وطفل في العراق وسوريا.

وكان عادل الجبير لا ينام الليل محلقا من عاصمة إلى عاصمة كبطل أسطوري استحق أن يحاول الإيرانيون اغتياله بواشنطن رغم عاقبة ذلك الوخيمة عليهم، فالجبير بألف فارس لبلاده وللعرب.

صبرت الرياض حتى جاء الرئيس الجديد دونالد ترامب وكانت أول خطوة سعودية حقيقية تبعث على الأمل هي ضرب الإخوان وتأديب الدوحة.

الدوحة سلّحت سوريا وحرّضتها لقتال إيران وبعد حريق حلب وحمص ودرعا وحماة وعشرة ملايين نازح يتضح اليوم أنها حليف لطهران بل توفّر طهران الحماية والغذاء لقطر. وكل ذلك الحريق للسوريين مجرد خدعة الهدف المشترك البعيد هو تقسيم السعودية. يدمى قلب العاهل السعودي حين يفكر بأن سياسة دولة صغيرة عدد سكانها 300 ألف مواطن تسببت بمقتل 300 ألف مواطن سوري بريء وتشريد 11 مليونا.

المملكة تحاصر التحالف القطري-الإيراني وعينها على المتآمرين والمتصيدين في الماء العكر. العراق وتركيا مهمّتهما تقويض المشروع العربي وتمكين الإخوان وإيران.

فالعراق دولة عضو في جامعة الدولة العربية. في الظاهر فقط تبدو بغداد عربية لكنها في الحقيقة ذَنَبٌ إيراني يخدم المشروع القومي الفارسي وتعمل بلادي من داخل جامعة الدول العربية كمفوضية فارسية بقناع عربي.

العراق تلك الدولة الصفوية مسلوبة الإرادة كانت تتهم النظام السوري بإيواء القاعدة والإرهاب وهدد حينها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بتقديم شكوى دولية ضد سوريا، ثم صار العراق يدافع عن النظام السوري بالمال والدم والجنود.

وكان العراق يتهم قطر بالتحريض الطائفي ودعم الإرهاب ثم صار يدافع عن قطر والإخوان المسلمين. سياسة تافهة مضادة للعرب على الدوام ومستعدة لتنفيذ أجندة إيران على حساب شعبها وأمنها ومستقبل أطفالها.

عام 2004 كانت قناة الجزيرة تتجول ببغداد وتنشر لقاء مع مواطن عراقي يقول إن أمل العرب الوحيد بعد احتلال العراق هو الشيخ أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.

وكانت قطر تبث خطابات الإرهابي أبومصعب الزرقاوي على ملايين العرب وتحرضهم على الجهاد في بلادي، واتضح اليوم بعزم السعودية أن كل ذلك كان بالتنسيق مع طهران لتدمير السنّة وحرق مدنهم وتبديد فرصتهم السياسية في المستقبل. ليس الإرهاب فقط لا دين له بل الإخوان المسلمون أيضا.

أردوغان -من جهة أخرى- حقق من خلال قناة الجزيرة التي كان يتابعها 130 مليون عربي شعبية كبيرة لا يستهان بها، فقد أطلق يوسف القرضاوي على أردوغان لقب “أمير المؤمنين” هذا قبل أن تطرده هيئة علماء المسلمين من رئاستها وتضعه الرياض في حجمه الحقيقي كعجوز مختلّ ومهووس بالتآمر.

في الظاهر تبدو تركيا تمثل ثقلا سنيا، هذه أكذوبة الإخوان الكبرى في المنطقة، بينما في الحقيقة تركيا دولة قومية تخدم مصالحها وتفاوض أوروبا على عضوية الاتحاد الأوروبي بقنبلة المهاجرين السوريين.

في النهاية كل من إيران وتركيا يتضخم تأثيرهما بمقدار السطو على مقدرات العرب وتفتيت مجتمعاتهم إلى درجة أنهما يعقدان صفقات تاريخية كبرى متعلقة بمصير العرب، كما رأينا في اجتماعات أستانة حيث يجتمع الأتراك والفرس مع الروس لتقرير مصير شعب عربي حطماه معا مثل سوريا. كاد مشروعهما ينجح في تقاسم العرب كغنائم لولا وجود الملك سلمان بن عبدالعزيز.