Site icon IMLebanon

هل وقع «التيار» في فخّ قانون الإنتخاب؟

 

 

كتب طوني عيسى في صحيفة “الجمهورية”:

في بعض الأوساط المسيحية، ولا سيما منها «التيار الوطني الحرّ»، همسٌ هو الأول من نوعه حول قانون الانتخاب الوليد. فالدراسة الباردة للقانون، بعد أيام من ولادته على الورق، تطرح شكوكاً قوية حول المكاسب الموعودة، لا للمسيحيين فحسب، بل حتى لـ»التيار» نفسه.يقول بعض المطلعين: «الأرجح أنّ هناك قوى ستُصاب بالصدمة إذا جرت الانتخابات على أساس القانون الوليد. ولذلك، بدأ يتسلل إليها الشعور بالندم. فقد أوحَت الصفقة على القانون أنّ المفاوض المحشور هو المسيحي. وأما السنّي، أي تيار «المستقبل»، فيدرك مسبقاً أنه سيتنازل عن جزء من حجمه النيابي الواسع والمتنوّع، أيّاً كان القانون، وقد أقرّ بذلك. لكنّ الأكثر تماسكاً كان المفاوض الشيعي.

ولذلك، باتَ مفهوماً لماذا استعجل الوزير جبران باسيل الكشف عن ثغرات وأخطاء «مهمّة وبنيوية» يجدر تصحيحها بتعديل القانون. واستتباعاً، بات مفهوماً أنّ الرئيس ميشال عون أراد الاستفادة من «لقاء بعبدا» لانتزاع ضمانات إضافية: إيجاد فرصة لتعديل قانون الانتخاب، الدخول في اللامركزية، إقرار مجلس الشيوخ وتكريس المناصفة في المجلس النيابي دستورياً.

في الأساس، كان عون يريد إلزام الجميع بـ«وثيقة» تتضمن كثيراً من الضمانات… لكنها تبخّرت، وانتهت بوثيقة لا جديد فيها، باستثناء التفاهم على تقاسم الغنائم بين ذوي السلطة: كهرباء وسدود ونفط وغاز واتصالات وسوى ذلك. وفي الحكومات السابقة، جرى إغراء كثير من قوى السلطة بالغنائم، فرَضِيَت بـ«المكتوب» سياسياً.

قانون الانتخاب الهجين وُلدَ عاجلاً، بحيث ضاع المفاوضون جميعاً، ولم يتوافر متّسع من الوقت لكثير من الخبراء لكي يدرسوا النتائج المحتملة لكل صيغة. فتغيير فاصلة أو بند أو طريقة اقتراع أو نسبة احتساب أو طريقة فرز أو صوت تفضيلي يمكنها أن تقلب النتائج رأساً على عقب، لأنها تفرض أيضاً متغيّرات على مستوى التحالفات الانتخابية.

عموماً، لم تكن أي من القوى راضية تماماً عن القانون المفروض بحكم ضغط الوقت. لكنّ الشيعة بدوا الأكثر اطمئناناً، لأنهم يمسكون بالأرض في مناطقهم، وبجزء من أراضي الآخرين. وصحيح أنهم لم يحقِّقوا النسبية التي يطالبون بها (لبنان دائرة واحدة)، لكنهم حقّقوا نصف انتصار مرحلي بإقرار مبدأ النسبية.

في المرحلة الفاصلة عن موعد الانتخابات في أيار 2018، سترفض القوى الشيعية أي محاولة للعودة إلى الوراء، وستضغط لإقرار مكاسب إضافية عند أول فرصة. وسيكون «المستقبل» قانعاً بحصته، مراهناً على تحالفات متوقعة مع المسيحيين وجنبلاط والرئيس نبيه بري إذا أمكن.

لكنّ القوى المسيحية، ولا سيما منها «التيار»، تبدو أمام الامتحان لإثبات أنّ المعركة التي خاضتها من أجل إسقاط قانون 1960 وإنتاج القانون الحالي كانت في محلها. وفي تعبير أكثر وضوحاً، إثبات أنّ القانون الوليد سينجح أكثر من قانون الـ60 بإيصال نواب مسيحيين تنتخبهم القواعد المسيحية.

فقد قامت القوى المسيحية المفاوضة بـ«شيطنة» قانون الـ60، لأنه يجعل المسيحيين ركاباً في محادل وبوسطات يقودها الآخرون، ولأنه لا يوفّر انتخاب أكثر من 35 نائباً مسيحياً بأصوات المسيحيين أو غالبية مسيحية. وتمّ تسويق أنّ القانون الحالي يمكن أن يأتي بما بين 48 نائباً مسيحياً و50 بأصوات المسيحيين أو غالبية مسيحية.

إذا كان ذلك صحيحاً، فسيكون نقلة ملموسة نحو تحسين التمثيل المسيحي. لكن البعض لا يتوقّع تحسّناً بهذا الحجم. إلا أنّ «القوات اللبنانية»، ستزيد من حجم كتلتها، مقابل تراجع تمثيل «التيار» بنسبة معينة.

ولأنّ الفريق الشيعي مرتاح، في حدود مقبولة، إلى المعارك المنتظرة في دوائره، فهو سيركِّز على المعارك في مناطق الآخرين. وسيعمد «الثنائي الشيعي» إلى الاستثمار جيداً في المساحات المسيحية خارج تمثيل «الثنائي المسيحي»، والمساحات السنّية خارج «المستقبل» وتحالفاته، والمساحات الدرزية خارج النائب وليد جنبلاط. وهذا مَكمن القوة الشيعية في النظام النسبي.

سيضع «حزب الله» «التيار الوطني الحرّ» بين خيارين: إمّا التحالف معه في الانتخابات وإمّا التحالف مع «القوات»، لأنّ «الحزب» قد لا يرغب في التحالف مع «القوات» بالواسطة. وإذا قرر «التيار» أن يتحالف مع «حزب الله»، فستضطر «القوات» إلى التقرّب من القوى المسيحية المستقلة والمناطقية.

ولكن، في أيّ حال، ستمدّ القوى الشيعية جسور الدعم اللوجستي للقوى المسيحية الحليفة، وللعديد من القوى المستقلة والمناطقية التي تحتاج إليها، ومنها المصنّفة في صفوف الخصوم، في دوائر الشمال والبقاع والجبل وبيروت. وقد ينجح بعض هذه المحاولات أو يفشل، لكنّ القوى الشيعية لن تضيع فرصة النظام النسبي لبناء رصيد لها في طوائف وساحات أخرى.

على الأرجح، سيؤدي القانون النسبي وظيفته في تحسين التمثيل المسيحي… ولكن نسبياً. وإذا دخلت القوى الشيعية على خط التحالفات في مناطق مسيحية متعددة، ونجحت في إيصال نواب يمثلون قوى مسيحية معينة إلى المجلس، فلن يكون «التيار» و«القوات» قادرين على رفع الصوت اعتراضاً على التأثير الشيعي، لأنّ هؤلاء النواب وصلوا بأصوات الناخبين المسيحيين لا الشيعة، مع التنويه بأنّ «التيار» نفسه حليف لـ«حزب الله»!

في الخلاصة، القوى السياسية كلها قلقة – بنسَب متفاوتة – من هذا القانون بسبب غموضه. وكلها تنكبّ على درسه لتكشف نقاط قوتها ونقاط ضعفها، وتبني توقعاتها وترسم خيارات المواجهة. وقد تُفاجأ بمعطيات لم تأخذها في الحسبان. وهناك ورشة جديدة لا بدّ منها، حول القانون، قبل وضعه للمرة الأولى قيد الاختبار.

وربما يشعر المفاوض المسيحي بأنه وقع في فخّ التسرّع في الموافقة على القانون قبل التأنّي في درسه. لكن الوضع، بعد إقرار القانون، بات أصعب بكثير ممّا كان قبله.