Site icon IMLebanon

البروفيه عَ إيامنا

كتب جوزف طوق في صحيفة “الجمهورية”:

عندما نجحت بشهادة البروفيه منذ نحو 20 عاماً ونيّف (هذه تعلّمتها في صفّ الكاتريام على ما أذكر)، إقتصرت الاحتفالات عند آل طوق الكرام وفي محيط بلدية بشري القديمة وفي ساحة كنيسة السيدة، على مكافأتي أمام حشدٍ غفيرٍ من أبناء العائلة بالجلوس في المقعد الأمامي من مرسيدس 230.4 تعويضاً عن الـ15 سنة التي قضيتُها فاشلاً في المقعد الخلفي… فتحلّقت العائلة حول السيارة وتمّت عمليةُ الانتقال السلمية والبهيجة بكلّ سلاسة مع سماع صوت تصفيق متقطّع.

ولا أعتقد أنّ ذاكرتي تخونني، لكن ما بفيق لسماع صوت رشقات نارية من السلاح الخفيف أو المتوسط ولا مفرقعات نارية ملوّنة عملاقة، ولا حتى كلّف أحدٌ نفسَه توليعَ ضرب ديك أو حصيرة ضرب زغير… وإنما تمّت زيادة كمية الكاتشاب إلى جانب البطاطا المقلية كمكافأة على نجاحي في البروفيه، وأذكر جيداً أنني نمت ليلتها حوالى الساعة 11 وربع أي بفارق 6 ساعات إضافية عن الأيام العادية، وهيّي كانت… ومن بعدها استكملنا البهدلة في الشهادات اللاحقة مروراً بالباكالوريا قسم أول وثاني، والجامعة والليسانس والماجستير، ولم أشاهد طوال هذا المشوار أيَّ أشكال من أشكال الفرح سوى صف أسنان أهلي وإخوتي عند سماع خبر النجاح، ومرّة بالصدفة أسنان عمتي التي كانت متواجدة عندنا على أكلة ورق عنب.

ولا أعتبر نفسي مظلوماً أبداً في هذه المعادلة، لأنني متأكّدٌ أنّ 99 في المئة من الناجحين في تلك الفترة لم يحصلوا على أكثر من ذلك ولا بل أقلّ، وأصبحنا نحن جيل بأكمله نتابع الأخبار اليوم والتقارير الأمنية ونشاهد على البلكونات حفلة الجنون التي يُنتجها ويعيشها شعبٌ بأكمله مباشرة بعد صدور نتائج شهادة البروفيه… والمشكلة أصلاً هي في تسميتها شهادة، لأن صدقوني كلّ ما يبقى منها هو وجع البطن والخوف الذي شعرنا به أثناء تقديم المسابقات، وما عدا ذلك لا تتعدّى كونها ورقة A4 عليها توقيع رسمي.

جارنا بالقليلة دافع 1200 دولار ثمن ألعاب نارية، والآخر استقدم زفّة عرس مهيبة تتألف من حوالى 12 شخصاً لتدخل مع ابنته الناجحة بالبروفيه إلى البناية، وفي آخر الزاروب أطلق أبو عبدو احتفالاً بإبنه رامي ما لا يقلّ عن 500 ضرب كلاشن… وهؤلاء جميعهم كانوا ينعون الأسبوع الماضي، وبالعلامة عند الدكنجي، من سوء الأحوال الاقتصادية وكثرة المصاريف وشحّ المدخول… فمِن أين جاؤوا بكل هذه المبالغ للتعبير عن جهلهم وتخلّفهم بتعريض أولادهم وعائلاتهم للجوع أولاً، وحياة الآخرين للخطر… من أين جاؤوا بالمال لتيتيم أولاد لم يبلغوا صفّ البروفيه بعد، أو آخرين تخرّجوا بشهادة الدكتوراه في علم الذرّة في عائلات لا تشتاق إلى صوت المؤثرات الخاصة بأيام الحرب الأهلية.

إنّ كمّية المفرقعات التي احترقت أمس على سفوح جبال لبنان الشرقية والغربية كافية للاحتفال بأعراس نصف الشعب الصيني، وكمية رصاص الابتهاج الذي لعلع في سمائنا أمس كانت كفيلة بتغيير معادلة المعارك بين الهوتو والتوتسي في رواندا… ولكن كل هذا ليس قادراً أن يغيّرَ عقلية شعب مستعدّ أن يقتل إبني عندما تنجح إبنته بشهادة البروفيه.