Site icon IMLebanon

الجميع اختار “الصعود إلى الشجرة” في مفاوضات تشكيل الحكومة

كتبت صحيفة “الراي” الكويتية:

يصعب في رأي أوساط مطلعة في بيروت عزْل الصراع المحتدم على تشكيل الحكومة الجديدة عن المناخ الاقليمي – الدولي الذي يحوط بلبنان في لحظة اشتداد المواجهة في المنطقة بين معسكريْن متقابليْن تتقدّمهما الولايات المتحدة وإيران.

ولم يكن عابراً أمس تَزامُن بدء قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون زيارته لواشنطن لإجراء محادثاتٍ تتركّز على “إجراء مراجعةٍ للمساعدات العسكرية الأميركية للجيش وتقويمٍ لاستخدامها والحاجات الإضافية المفترض تحقيقها”، مع تطورات بالغة الحساسية منها إعلان التحالف العربي الداعم للشرعية في اليمن مقتل 8 من “حزب الله” بينهم قائد ميداني في أول تطور من نوعه، وحديث المستشار العسكري للمرشد الأعلى في إيران اللواء يحيى صفوي أن “حزب الله تحوّل اليوم مع 80 ألف صاروخ بحوزته إلى تهديد دائم للصهاينة”، وطلائع خطة أمنية للجيش في بعلبك – الهرمل بعد “طفرة الفلتان” في هذه المنطقة التي تُعتبر تاريخياً معقلاً لـ”حزب الله”.

ومن شأن هذا التزامن أن يصيب الموقف اللبناني في واشنطن بإحراجٍ في ضوء تصاعُد أصوات أميركية في الكونغرس ومحيط الرئيس دونالد ترمب تطالب بربْط استمرار المساعدات العسكرية للجيش اللبناني بسياسة أكثر وضوحاً بإزاء “حزب الله” المُطارَد بعقوبات أميركية وخليجية تصاعُدية.

وعلى وهج هذا المشهد البالغ “الدقة”، تَراجَع في بيروت منسوب التوقعات التي كانت سادت بإمكان ولادة الحكومة قبل سفر رئيس البرلمان نبيه بري غداً في إجازة لن يعود منها قبل 7 تموز، وسط مَظاهِر متعددة الجانب عَكَستْ عودة مفاوضات التأليف إلى مربّع “الواقعيةِ” في تقديرِ عدم سهولة التفكيك السريع للعقد الرئيسية رغم “التوربو” الذي فَتَحه الرئيس المكلف سعد الحريري، والذي بدا أنه اقتصر عملياً على مناخ التفاؤل الذي تبدّد بالسرعة نفسها التي شاع فيها.

وبعد “استراحة الأحد” التي ارتسمت معها ملامح “انتظارٍ” لجوابٍ من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على ما حمله إليه الحريري يوم الجمعة من خريطة طريق للأحجام والحصص، وتحديداً في ما خص عقدة تمثيل كتلة “القوات اللبنانية” والتمثيل الدرزي، فإن اليوم الأول من الشهر الثاني الذي دخله تكليف الحريري تشكيل الحكومة لم يحمل مؤشراتٍ على اقتراب حصول اختراقٍ من النوع الذي يسمح بترقُّب إفراجٍ وشيك عن الحكومة التي ما زالت تتعدّد طبقات التعقيدات فيها وفق الآتي:

* هل تتشكّل وفق المعيار العددي لنتائج الانتخابات أم معيار التوازنات السياسية التي تتكىء على أوزان القوى الأكثر تمثيلاً داخل طوائفها واستطراداً معيار التسوية التي أنهتْ الفراغ الرئاسي قبل 18 شهراً، على قاعدة 3 تفاهمات: الأول بين “التيار الوطني الحر” وبين “القوات اللبنانية”، والثاني بين “التيار الحر” و”تيار المستقبل” والثالث بين “التيار الحر” و”حزب الله”.

*رفْض فريق عون إعطاء حصة لـ“القوات” تتجاوز 3 وزراء انطلاقاً من أن أي توسيع لهذه الحصة يقتضي وفق قاعدة النسبية والتناسب وقياساً إلى حجم تكتل “لبنان القوي” أن يكون له 9 وزراء لوحده (بلا رئيس الجمهورية)، ومتمسكاً بأن منصب نيابة رئاسة الحكومة الذي تريد “القوات” الإبقاء عليه هو عُرفاً من حصة رئيس البلاد، وبأن منْح “القوات” حقيبة سيادية إذا مرّ بالنسبة لفريق عون قد لا تكون طريقه سالكة عند آخرين.

وسُجلت على “هذه الجبهة” عملية “تسخين” كبيرة في الساعات الماضية، وسط تراشُق بأعلى السقوف بين “التيار الحر” و”القوات”، على المنابر وعبر مواقع التواصل في أوضح تعبيرٍ عن “الموت مع وقف التنفيذ” لـ“تفاهم معراب”، وتساؤلات عن تداعيات “اشتعال هذا المحور” على مجمل مسار التأليف، في ضوء تَمسُّك الحريري بتمثيلٍ وازن لـ“القوات” لا يقلّ عن أربعة وزراء مع نيابة رئاسة الحكومة أو حقيبة سيادية، ورفْض “التيار الحر” أي “حصة منفوخة” قواتية، معتبراً أن “خفْض سقف مطالب القوات كفيل بتسهيل الولادة”، في مقابل اتهام “القوات” لـ”التيار” بمحاولة الانقلاب على التوجهات الشعبية التي منحت الحزب “حجماً سياسياً ضخماً” معلنة “ان الإنتخابات النيابية والتفاهمات السياسية والعلاقات الداخلية تفرض حجمنا التمثيلي”.

* مَلامح تَجاذُب هو الأول بين عون والحريري على خلفية إصرار الأخير على دعم مطلب “القوات” والحزب “التقدمي الاشتراكي” الذي يصر على حصر التمثيل الدرزي في الحكومة به، وهو ما تجلى في ما نقلتْه مصادر “تيار المستقبل” عن “محاولات ابتداع أعراف جديدة فرضت نفسها على عملية التأليف خلال الساعات الأخيرة وقوّضت مساعي الرئيس المكلف، وأبرزها مسألة تكبيل كل من موقع نيابة رئاسة الحكومة والوزارات غير السيادية بقيود من الأعراف المصطنعة”، موضحة في ردّ ضمني على فريق رئيس الجمهورية “أنّ تسمية نائب رئيس الوزراء غير مرتبط لا بالدستور ولا بالعرف بأي جهة سياسية أو طرف محدد… والبت به يعود إلى رئيس الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية، في حين العرف الوحيد المعترف به والمتعارف عليه مرتبط حصراً بتوزيع الحقائب السيادية الأربع”.

وفي غمرة هذه التعقيدات، برز تَجدُد “حرب السقوف” المتجددة وكأن الجميع اختار “مفاوضات فوق الشجرة” في “المخاض” الحكومي، وسط توقُّف أوساط سياسية عند التقارير التي كشفتْ أن “التيار الحر”، وفي غمرة عملية “لي الأذرع” مع “القوات” كما رئيس الحكومة، طرَح أن تكون حصة “لبنان القوي” مع رئيس الجمهورية 11 وزيراً وليس 9 وهو ما كان سبق أن وافق عليه، على أن تضمّ وزيراً عن الطائفة السنية وآخر عن الطائفة الدرزية، في موازاة الإيحاء بأن “حزب الله” المنكفئ عن واجهة المشهد الحكومي والمطمئنّ إلى حصته وحقائبه مع شريكه الرئيس بري يلوّح بالمطالبة بتمثيل النواب السنّة الموالين له بوزيريْن، وهو ما يرفضه بشكل قاطع الحريري الذي يتعاطى مع هذا الملف على قاعدة خيار وحيد وهو عدم قبول أي شراكة مع الآخرين في التمثيل السني، مع استعداده فقط للموافقة على أن يسمي رئيس الجمهورية وزيراً سنياً من حصته مقابل وزير مسيحي يؤول إلى “المستقبل”.