Site icon IMLebanon

لماذا إستمرار التظاهرات في العراق؟

كتبت سابين الحاج في صحيفة “الجمهورية”: 

يستمرّ المحتجّون العراقيون في التعبير عن غضبهم بتظاهرات يومية تندّد بسوء الخدمات الحكومية، في جنوب البلاد وصولاً إلى بغداد. ويصرخ المحتجّون في الشوارع وقرب مجالس المحافظات وفي حقول النفط بحرمانهم، مطالبين بحقوقهم، في بلد حلّ أولاً على لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم.

تحمل هذه التظاهرات طابعاً خاصاً، لأنها لم تنطلق من إطارات طائفية هدفها تصفية الحسابات الضيقة، بل إنّ الشارع الشيعي يقودها ضد ساسته وحكامه وقياداته بعدما أثقل تراجع مستوى الخدمات وارتفاع نسبة البطالة كاهله، في منطقة تعوِّم الاقتصاد العراقي بمال النفط.

«تكاسل الحكومة»

انطلقت الاحتجاجات من محافظة البصرة التي تحوي أكبر ثروة نفطية في العراق، حيث يعدّ النفط المصدر الرئيس للاقتصاد. ولكن يؤكد رئيس كتلة دولة القانون في البرلمان العراقي علي الأديب لـ»الجمهورية» أنّ الحكومة لم تستطع حتى الآن توفير المبالغ اللازمة للمشاريع الضرورية في المنطقة، لافتاً إلى «نوع من التباطؤ والتكاسل أوصل المواطنين إلى حالة من الإحباط».

وبينما تتخطّى درجات الحرارة الأربعين درجة مئوية تنقطع الكهرباء عن محافظات الجنوب العراقي، وتشحّ فيها المياه أو تصلها مياه ملوثة ومالحة بسبب زيادة نسب الملوحة إلى معدّلات كبيرة في نهر شط العرب، لا سيما في منطقتي الناصرية والبصرة.

ولا يتلذّذ أبناء البصرة بثرواتها، إذ إنّ أكثر من نصفهم يعيش تحت خط الفقر.

تُنتج هذه المحافظة أكثر من 3 ملايين برميل نفط يومياً، وتضمّ وحدها 15 حقلاً نفطياً 3 منها من الأكبر في العالم، ولكن تدير معظم هذه الحقول شركات أجنبية لا توظف السكان المحليين، بل تستقدم عمّالاً وإداريين من الخارج، غير آبهة بارتفاع نسبة البطالة في المدينة، إلى حدّ يخنق أبناءَها.

ويلفت الأديب إلى أنّ «القوانين العراقية تنصّ على أنّ نسبة كبيرة من العمال غير الفنّيين في شركات النفط يجب أن تكون من العراقيين، ولكنّ غياب المتابعة حال دون تنفيذ القانون، وأنتج مشكلات مزمنة ومستعصية في هذه المنطقة».

ويؤكد رئيس كتلة دولة القانون أنّ «القضايا العالقة بدأت تتحلحل، بعضها من خلال الوعود التي يقطعها رئيس الوزراء حيدر العبادي على المتظاهرين والمفاوضين باسمهم، وبعضها من خلال المباشرة بتلبية المطالب».

ويشير إلى أنّ «الحكومة معنيّة الآن بتشكيل هيئات لمتابعة التنفيذ»، لافتاً إلى أنّ «الشؤون العراقية الإدارية هي التي تعرقل المشاريع التي خُصِّصت لها الأموال الكافية».

التصعيد

يُذكر أنه على رغم تأكيد العبادي «الاستجابة الفورية للمطالب المشروعة»، يستمرّ الغضب في العراق وتأخذ الاحتجاجات منحىً تصعيدياً، إذ توسّعت وامتدّت خلال أسبوعين من البصرة إلى العديد من المحافظات الجنوبية والوسطى وصولاً إلى بغداد.

وشهد يوم أمس تظاهرات ضمّت الآلاف، سُمّيت بـ «جمعة الحقوق». فلم يردع المحتجّون أيّاً من الوعود، ولا انتشار القوات الأمنية وفرق مكافحة الشغب في بغداد وعددٍ من المحافظات متسلحةً بمدافع المياه والغاز المسيل للدموع، ولم تُخِفْهم وفاة 14 متظاهراً في الأيام السابقة وجرح المئات.

ويوضح الأديب أنّ توسّع رقعة التظاهرات سببه «عدم اطمئنان المواطن العراقي حول إمكانية أن تجد هذه الوعود طريقاً إلى الحلّ السريع».

كما يلمح إلى إمكانية «تدخّل دول خارجية على خط مطالبة المتظاهرين بحقوقهم، خصوصاً أنه ليس في العراق برلمان حالياً، وتجتاحه اتّهامات بشأن عمليات تزوير شابت الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي يعرقل أيضاً اعادة تشكيل الحكومة».

ويحذّر من أنّ «اتهام أعضاء البرلمان والحكومة بالفوز نتيجة التزوير، قد يساهم أيضاً في تأجيج التظاهرات وجعلها متواصلة، ولا تقتصر فقط على المطالبة بالخدمات».

تدخّل إيران؟

حالياً، يسعى رئيس الوزراء حيدر العبادي للفوز بفترة ثانية في منصبه، بينما العراق مشلول سياسياً بسبب الجدل حول نتائج الانتخابات، التي يعوّل عليها لتحديد حجم القوى السياسية في الحكومة، وتوزيع الحقائب، ومنح القيادة للقوى التي حازت على أعلى نسب من التصويت.

ووسط هذا الجوّ المتشنّج والمشحون بغضب المتظاهرين، ينظر العديد من المحلّلين إلى إيران، معتبرين أنها تقف وراء هذا الوضع.

ويدعم هذه الفرضية كون طهران هي مَن قرّرت وقف إمداد العراق بالكهرباء في عزّ لهيب الصيف.

ويرى محلّلون أنها بقطعها الكهرباء توجّه رسالة إلى العبادي تعني قطع الدعم السياسي عنه، وفتح الباب واسعاً امام الشارع ليصبّ غضبه عليه.

من جهته، يستبعد الأديب هذه الفرضيات، قائلاً: «لا أعتقد أنّ إيران تضغط من أجل الاختلال السياسي في العراق».

ويوضح أنّ العراق يستفيد من الطاقة الإيرانية ومن خط الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، كاشفاً عن أنّ الشركات الإيرانية، سواء كانت كهربائية أو شركات غاز، تطالب العراق بالمليارات.

ويؤكّد أنّ «العراق لم يستطع تحويل هذه المبالغ بسلاسة إلى البنوك الإيرانية بسبب العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة الأميركية على طهران»، مشيراً إلى أنّ «حواراً جدّياً يجمع الطرفين العراقي والايراني بهدف سداد هذه الديون».

ويذكر أنه في بلد تفوح منه رائحة «سوء» الخدمات و«الفساد»، يشكّل الشارع حالياً وجهة كل مَن ضاقت به سبل الحياة.