كتبت ساسيليا دومط في صحيفة “الجمهورية”:
“عندما بلغ إبني الثامنة عشرة أصبح يخرج كل مساء مع أصدقائه، وأنا لا أستطيع النوم حتى يعود، ويزعجني كثيراً لأنّه يطفئ هاتفه الخلوي. لو أنني أستطيع كما في السابق أخذ أرقام هواتف رفاقه وأهلهم، فقد كنت أتواصل معهم كي أطمئنّ عليه؛ أصبح يكرهني، حتى إنه لا يقبل أن يعرّفني على مَن يخرج معهم، كأنني لست أمه، لا دور ولا قيمة لي، لقد استغنى إبني عني»، قالت رانيم لجارتها التي كانت تنصحها لسنوات مضت بالتخفيف من التدخّل في شؤون إبنها رودي.
يحتاج الإنسان منذ ولادته إلى دعم الأهل وحمايتهم، فالرقابة ضرورية في سنّ الطفولة، فيعلّم الأهل الطفل على نظام الحياة، يدرّبونه على القواعد، على المسموح والممنوع، على المبادئ والأخلاقيات، ورويداً رويداً يتمكّن الطفل من الاعتماد على نفسه، ويعوّدونه على ذلك، استعداداً لمسؤوليات الحياة المستقبلية.
في سنّ المراهقة، يميل الإنسان إلى الإستقلالية، إلى فرض الرأي، فيعاكس أهله، ويحتفظ بخصوصياته لنفسه، كما أنه ليس مخفيّاً على أحد الصراع والتصادم لأتفه الأسباب مع الآباء والأمهات؛ والطريقة الأمثل لتخطّي هذه المرحلة هي السماح للأبناء بإثبات الذات، إعتماد الحوار والتفاهم معهم وإعطاؤهم المزيد من الإستقلالية، مع التفهّم وعدم المواجهة العنيفة.
قلق الإنسان وخوفه على أبنائه والمحيطين هو أمر طبيعي وضروري، فلولا نسبة معيّنة من القلق لما استطعنا أن نحافظ على سلامتنا ولما تنبّهنا للأخطار المحدقة بنا وبأبنائنا، والقلق يحفّزنا على الشعور بالمسؤولية، أما زيادة مستوى القلق والخوف فيصبح ضارّاً لأنفسنا وللآخرين.
كيف يؤثر القلق المفرط على الأبناء والأهل؟
عندما يتخطّى مستوى قلق الأهل تأمين الحماية والدعم للأبناء يتحوّل إلى اضطراب نفسي ينعكس سلباً على الفريقين وعلى دينامية العلاقة في العائلة. ونجد عند الأهل الذين يعانون من الخوف والقلق المرضيَّين الأعراض التالية:
– إستفسارات وأسئلة كثيرة؛
– ملاحقة الأبناء ومراقبتهم؛
– التدخّل في تفاصيل دقيقة لا تعنيهم؛
– رفض خروج الأبناء؛
– إعطاء التوجيهات والأوامر؛
– الضغط على الأبناء؛
– التهديد بالمحاسبة والعقاب؛
– التأنيب والملاحظات السلبية؛
– التوتر الدائم والصراخ؛
– التعاطي مع الأبناء المراهقين كأنّهم أطفال؛
– إشعار الأبناء دائماً بالذنب.
أمّا بالنسبة للأبناء:
فيعيشون حالة دائمة من الخوف والقلق والإنطواء على الذات، فاقدين للثقة بالنفس والشجاعة وحسّ المغامرة، يعانون من عدم القدرة على المبادرة وضعف تقدير الذات. مَن عاش مع أهل يعانون من الخوف والقلق المرضيَّين يعيش حالة دائمة من الشعور بالذنب تجاه الآخر، عدم القدرة على اتّخاذ القرار وعجز عن المواجهة. كما يعاني من التبعيّة والإتكالية، يحتاج دائماً لمَن يدعمه ويقوم بالأمور مكانه. كما يسعى دائماً إلى إرضاء الغير ويبحث عن ذلك خارج المنزل، حيث يتعرّض في أكثر الأحيان للإستغلال والتعنيف بالإضافة إلى التبعيّة لأبناء السوء والإنضمام إلى مجموعات سيّئة السمعة والعصابات.
إنطلاقاً ممّا ذُكر، نوّجه دعوة للأهل للتحرّر من الخوف المبالغ فيه والقلق غير المنطقي، واعتماد الواقعية والموضوعية والثقة والحوار. فالخوف الزائد لا يعبّر عن المزيد من الحب ولا يحمي الأبناء فمن المعروف أنّ «كِترة الشدّ بترخي» ونحن متأكّدون أنّ ما من أهل يريدون خسارة أبنائهم أو بناء علاقة سيّئة معهم.
أحبّوا أبناءَكم، ساعدوهم على النموّ والإعتماد على الذات، قدّموا لهم الحماية والدعم والحضور الفاعل عند الحاجة. اعتمدوا الحوار والتفهّم معهم وحضّروهم كي يتمكّنوا من خوض معترك الحياة. ثقوا بهم، إحتضنوهم واحتووهم لكن لا تخنقوا ثقتهم بأنفسهم ومستقبلهم بخوفكم المفرط، كي لا يلجأوا إلى أحضان الشر والفساد والإنحراف والخطأ.
أما الأهل الذين لا يستطيعون السيطرة على الخوف والقلق، ولا يتمكنون من لجم التصرّفات المرتبطة بذلك فننصحهم بطلب المساعدة من الإختصاصيّين والمعالجين النفسيّين لما فيه خيرهم وخير أبنائهم.

