Site icon IMLebanon

روسيا تلتزم أجواء لبنان.. و”داعش” يتحرّك

كتب جوني منير في “الجمهورية”:

كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يأمل في أن تخفّ متاعبُه بعد انتهاء الانتخابات النصفيّة الأميركية. لكن ما ظهر كان العكس، فنتائج الانتخابات لم تكن بمقدار الآمال ولو أنّ تعزيز السيطرة الجمهورية على مجلس الشيوخ أمّن حمايةً قويّة أمام الساعين الى طرد ترامب من البيت الأبيض.

متاعب ترامب تفاقمت خصوصاً حيال ملفات الشرق الاوسط الصعبة والمعقدة، فانفجرت في وجهه مواجهات عسكرية في غزة جعلت الحكومة الاسرائيلية على قاب قوسين من الاستقالة ومعها تبخُّر «صفقة القرن»، والأهم ملف قتل الصحافي جمال خاشقجي والذي أخذ بعداً جديداً بات يهدد النواة الصلبة لفريق ترامب الاساسي والمقصود هنا مستشاره الأقرب وصهره جاريد كوشنر، كما أنه بات يفتح الاحتمالات أمام تغييرات على مستوى المسؤولين السعوديين الكبار، ما يهدد العلاقة المميّزة لترامب بالسعودية والتي أنتجت فورة في الاقتصاد الاميركي.

كان البيت الابيض يأمل في أن يشكل اعلان السعودية رسمياً نتائج التحقيقات وضع هذا الملف على الرف والانطلاق في اعادة صيانة العلاقات الاميركية – السعودية ولكن وفق نظرة ادارة ترامب.

ولذلك ظهر كلام حول تسوية اجرتها واشنطن مع أنقرة صاحبة الاوراق الاقوى في ملف الخاشقجي، وتقضي بالمقايضة على رأس الداعية التركي فتح الله غولن وهو المنافس الجدّي للرئيس التركي.

وكان من الطبيعي أن يسارع ترامب الى نفي أيّ صفقة في هذا الاتّجاه بسبب عدم شعبيتها في الشارع الاميركي، إلّا أنه فتح تحقيقات حول تجاوزات مالية وتهرّب ضريبي مع غولن من خلال الـ F.B.I عزّز صدقيّة وجود صفقة ما في مقابل التعاون في ملف خاشقجي.

لكنّ الضربة الأقوى جاءت من الـ CIA وهو ما يجب التوقف طويلاً حول خلفياته. صحيح أنّ ترامب هو مَن عيّن الرئيسة الحالية لهذا الجهاز، إلّا انه معروف عن جينا هاسبل وهي أول امرأة تترأس الـ CIA أنها مهنيّة كلياً وليست منخرطة في اصطفافات سياسية ولا تدخل في زواريبها.

والاهم أنّ هذا الجهاز والذي أُنشئ أيام الرئيس هاري ترومان عام 1947 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان الهدف منه مواجهة التمدد السوفياتي في العالم وقيادة البلاد خلال الحرب الباردة، وحماية المصالح الاميركية الحيوية في العالم وفي طليعتها منابع النفط والتي تشكل السعودية الساحة الأبرز لها.

ومنذ أحد أبرز مؤسّسي هذا الجهاز آلان دالاس وحتى اليوم، كانت إحدى ابرز مهمات وكالة المخابرات المركزية الاميركية حماية الاستقرار السعودي وبالتالي فإنّ «تمرّد» الـ CIA على رغبات الرئيس الاميركي والتصويب على وليّ العهد السعودي الامير محمد بن سلمان يحمل كثيراً من الدلالات ويطرح عدداً من التساؤلات.

ولا شك في أنّ تداعيات هذا الملف إذا ما تطوّرت مستقبلاً ستصيب فريق ترامب، لا بل عائلته، في وقت خرج فيه الحزب الجمهوري من الانتخابات بنصف هزيمة ولكن مع تسجيل انقسام الاميركيين الى نصفين حيث فاز نواب بفارق صوت واحد وآخرون بفارق خمسة اصوات فقط.

وبينما يحوط الغموض بتطورات ملف خاشقجي وبالتالي مصير الركيزة الاولى لمشروع ترامب في الشرق الاوسط، فإنّ وضع الركيزة الثانية لا يبدو أفضل حالاً، والمقصود هنا حكومة بنيامين نتنياهو.

ففيما يستميت نتنياهو لإنقاذ الحكومة الاسرائيلية سجّلت آخر استطلاعات الرأي تراجع حزب الليكود الى 26 مقعداً من 30 مقعداً يشغلها حالياً بعدما كان يسجّل في الاستطلاعات قبل مواجهات غزة 34 مقعداً.

والأهم أنّ المعسكر الصهيوني يسجّل 24 مقعداً وتأتي هذه النتائج لتعكس استياءَ غالبية الإسرائيليين من أداء حكومتهم خلال المواجهات مع حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي» في غزة.

وعدا عن أنّ زلزال غزة سيعني في حال اطاحة الحكومة الاسرائيلية تهديداً جدّياً لحلم ترامب في تحقيق إنجاز تاريخي خارجي اسمه «صفقة القرن»، فإنّ الضربة العسكرية لم تكن اقلّ شأناً من الضربة السياسية. ذلك أنّ الجيش الاسرائيلي الذي استعدّ طويلاً وهدّد «حزب الله» في لبنان، تلقّى صفعة قوية من خلال الهزيمة التي طاولت «القبة الحديد» وهي السياج الأمني الذي كان يعتمد عليه لمنع الصواريخ من الوصول الى قلب إسرائيل.

في غزة أسقطت القبة الحديد 25% فقط من صواريخ «حماس» وبكلفة مالية مرتفعة حيث يبلغ ثمن كل صاروخ من صواريخ القبة نحو مئة الف دولار.

وعلى رغم أنّ صواريخ «حماس» كانت أكثرَ تطوّراً من السابق، إلّا أنّ «حزب الله» بات يمتلك صواريخ أكثر تطوّراً بكثير ما يجعل «القبة الحديد» بلا فائدة تُذكر، ومعه يصبح الحديث عن أيّ تهديدات إسرائيلية بعمل عسكري في لبنان فارغة من أيّ مضمون.

وهذا ما زاد على مصائب إسرائيل العسكرية والتي اضطرت الى تجميد نشاطها العسكري في سوريا بعد تسليم روسيا سوريا بطاريات صواريخ أرض- جو «إس 300».

ومنذ ذلك الحين لم يحصل أيُّ تحرّك جوّي إسرائيلي بعد أن كان قد بلغ ذروته خلال فصل الربيع الماضي مع حصول مواجهات مباشرة بين إسرائيل والحرس الثوري الإيراني المتمركز في سوريا.

وباتت إسرائيل تخشى جدّياً من المعلومات المتداوَلة على نطاق ضيق بوجود اتّفاق روسي – إيراني يقضي بمساهمة إيران و»حزب الله» في حماية ظهر القوات الروسية في سوريا، في مقابل حماية روسية جواً للقوات الإيرانية و»حزب الله».

والأهم احتمال أن يشمل ذلك الاجواء اللبنانية بعدما أبدت روسيا إهتماماً متزايداً بالساحة اللبنانية. وتحدّثت صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية عن احتمال توسيع روسيا لنطاق عمل بطارياتها الدفاعية الجوّية لتشمل لبنان. لكن في المقابل هنالك مَن يريد استعادة «خدمات» تنظيم «داعش» وتوظيفها في إطار توجيه الرسائل الدامية.

وخلال الايام الماضية رُصِدَ انسحاب مفاجئ وعلى دفعات لمجموعات «داعش» والتي كانت متمركزة شرق السويداء جنوبي سوريا في اتجاه بادية حمص ومناطق أُخرى في بادية دمشق. المقلق أنّ هذه النقاط لا تبعد كثيراً عن الحدود اللبنانية فيما لو اراد تنظيم «داعش» التسلّل في اتّجاه لبنان.

وهذا الواقع يضاعف من الرغبة الدولية بوجوب تشكيل حكومة لبنانية في اسرع وقت ممكن، فالمخاطر الإقليمية تهدّد بمتغيّرات كبيرة في الخليج العربي وفي إسرائيل، ما يستوجب نظرة لبنانية اكثر واقعية والتعالي عن الحسابات الضيقة، ورسم الاحتمالات والتوقعات حول الاستحقاق الرئاسي المقبل.

ووفق هؤلاء فإنّ المخاطر الاقتصادية والمالية تلوح جدّياً مع وجود بداية توجّه دولي بتحويل عدد من الدول المانحة مواردَها الى بلدان أُخرى، اضف الى ذلك ارتفاع موجة الاضرابات في فرنسا بسبب الأوضاع الاقتصادية الداخلية.

ومعه فإنّ حسابات منح مقعد وزاري للنواب السنّة الستة تصبح تفصيلاً صغيراً امام حجم الاستحقاقات المطروحة، وإنه لم يعد من المنطقي، ولا من باب الحكمة، التعاطي مع هذه الأزمة من باب التصويت لبعض الملفات والتحكّم بمسار الجلسات الحكومية والتلزيمات المتوقعة، وتعزيز اوراق مرشحين لرئاسة الجمهورية، بل وجوب التعاطي من زاوية المسؤولية العامة، في الواقع الحكومة اصبحت قريبة وقبل نهاية الشهر.