Site icon IMLebanon

سوق المخدرات: مهرّبون يستغلون النافذين

كتبت نور أيوب في صحيفة “الاخبار”:

ليس الاتجار بالمخدرات وتعاطيها ظاهرة جديدة في العراق، لكنهما سجّلا، بمجرد انجلاء غبار المعركة على «داعش»، قفزة ملحوظة، بفعل جملة عوامل، منها ما هو داخلي ومنها ما هو خارجي. هذه القفزة تستدعي، من وجهة نظر الأجهزة الأمنية، تكثيفاً لجهود سدّ طرق التهريب وردع الشباب عن التعاطي. لكن تلك الجهود تظلّ قاصرة في ظلّ تقاطع مصالح رسمي ـــ حزبي، كفيل بتشكيل مظلة حماية للمتاجرين والمتعاطين على السواء.

«ميديلين كارتيل»، «كالي كارتيل»، «غوادالاخارا كارتيل»، «سينالوا كارتيل»… أسماء لمنظمات إجرامية اشتُهرت في القارتين الأميركيتين، ومن ثم في العالم أيضاً. كان لتلك «الكارتيلات» سطوة مخيفة، أجادت شبكة «نتفليكس» إظهارها في عدد من مسلسلاتها التي لاقت رواجاً كبيراً. إجرام وثراء منقطعا النظير، ملازمان لعلاقات طيبة تجمع «باترونات» (أباطرة) هذه التنظيمات بالطبقة السياسية الحاكمة، والمتنفذين في كولومبيا والمكسيك. العلاقة بين المهرّبين والمتنفذين في تلك الدول ليست استثناءً. في بلادنا أيضاً، بلدان العالم الثالث، حالاتٌ كهذه. المهرّبون في حاجة ماسة إلى الغطاء السياسي. والمهرّبون في حاجة، أيضاً، إلى بيئة حاضنة للترويج والاستهلاك. بيئة لا تنحصر بطبقة معينة، لكنها عادة ما تكون من أولئك «المسحوقين في الأرض». في مسلسلات «نتفليكس»، يحرص المنتجون على تكريس الهروب من الواقع كمحرّض على التعاطي، إضافة إلى ظروف اجتماعية أخرى كالعوز. ظروف تتجلّى بأوضح صورها في العراق، حيث تُثقل الأزماتُ البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ عام 2003، تاريخ الغزو الأميركي.

طرق التهريب

طوال الأعوام الأربعة الماضية، مثّل الشباب العراقي وقود أكثر التنظيمات تطرّفاً في العالم. لكن، وبعد انقشاع غبار المعارك، «لاحت في الأفق فرصة ضرب شبابنا ومجتمعنا»، وفق ما يقول مصدر أمني رفيع. يروي المصدر، في حديث إلى «الأخبار»، بعضاً من فصول «الحرب على المخدرات في بلاد الرافدين». يقول إن هذه الحرب «بدأت فعلاً»، مشيراً إلى أن «الجهات الأمنية لاحظت (موجبات) ذلك مع اقترابنا من حسم المعركة ضد داعش».

يوضح أن المخدرات تأتي عبر طرق ثلاثة: بحراً، وبراً، وجواً. من جهة البحر، تمثّل الموانئ الجنوبية مركز إيداع البضائع القادمة من الدول الخليجية، وتحديداً الإمارات، التي تُعتبر واحداً من المصادر الأساسية للمواد المخدرة القادمة إلى السوق العراقي. من جهة البر، يسلك المصدّرون الأفغان طرقاً ومنافذ شتى، تبدأ من أفغانستان فإيران وصولاً إلى العراق، لإيصال نتاجهم المحلي «الفاخر»، فيما يستغلّ المهربون الحدود الإيرانية ـــ العراقية الشرعية وغير الشرعية لإيصال بضاعتهم إلى الداخل العراقي. في هذا السياق، يلفت المصدر إلى أن «طهران تولي أهمية قصوى للقضاء على المخدرات، لجهة التصنيع والتصدير والتهريب»، مضيفاً أن «التجار هنا محليون، في أفغانستان وإيران والعراق… ولا أستبعد أن يكون لهم غطاء سياسي من أحزاب وقوى متنفذة».

ولا تنحصر طرق التهريب البرية بالحدود الشرقية العراقية فحسب، بل إن المناطق الغربية والشمالية تمثّل «ساحة خصبة» لذلك؛ إذ تعتبر الحدود مع تركيا والحدود الشمالية الغربية (المحاذية للمناطق الكردية السورية) بوّابة لاستيراد المواد المخدرة، «غير أن نسبتها ضئيلةً جداً، إذ تمثّل 5% مقارنة بتلك المستوردة شرقاً».

التساهل الأمني

أما «الفضيحة الكبرى»، بوصف مصادر أمنية متعددة، فهي أن بعض الأجهزة الرسمية تغطي عمليات استيراد المخدرات ونقلها إلى العراق، خاصة على مستوى عمليات التهريب الجوي. تتحدث المصادر عن «شحنات محمّلة بآلاف حبات الكابتاغون» تنطلق من مطار رفيق الحريري الدولي، لتصل إلى مطار بغداد الدولي. رحلة «ليس التساهل معها من جانب واحد فقط، بل هو مشترك بين الطرفين». ترفض المصادر تقييم أداء الأجهزة الأمنية اللبنانية، لكنها تتحدث عن «تساهل أو إهمال من قِبَل تلك الأجهزة، قد يصل حد غضّ النظر المتعمّد عن عمليات النقل والتهريب». وهي حالة تقول المصادر العراقية إنها «تنسحب أيضاً على ضباط كبار في جهاز الجمارك العراقي، الذين يسهّلون عمليات التهريب لحظة وصول المنتج إلى مطار بغداد، ويسهمون في توزيعه وفق خطوط محددة مسبقاً».

تبدي المصادر أسفها لتنامي نفوذ المهرّبين في المحافظات الجنوبية، نتيجة «العلاقات الوثيقة» التي تربطهم بضباط متنفذين في الأجهزة الأمنية من جهة، والغطاء الممنوح لهم من قِبل بعض الأحزاب السياسية، متسائلة: «هل تعلم قيادات تلك الأحزاب بتصرفات بعض المسؤولين فيها لجهة توفير غطاء للمهربين، مقابل مبالغ مالية ضخمة؟». وينسجم الحديث المتقدم مع فحوى تقرير أمني، حصلت عليه «الأخبار»، يفيد بأن «نشاط ترويج المخدرات داخل المحافظات الجنوبية في ازدياد مستمر… الأمر الذي يحفّز بعض الشباب العاطلين من العمل على امتهان تجارتها لغرض الاستفادة من عائداتها، كما يُستغلّ قسم منها للاستهلاك المحلي، وعلى الأرجح تكون تلك المحافظات منطلقاً لتهريب المخدرات إلى المحافظات الأخرى».

الغطاء الحزبي

صنوف مختلفة من المواد المخدرة تصل إلى العراق. بعضها «مضروب» ورخيص نسبياً، فيما بعضها الآخر من «الصنف الفاخر»، ويُباع بسعر مرتفع. وبحسب تقرير صادر عن «جهاز مكافحة الإرهاب»، حصلت عليه «الأخبار»، فإن «مروجي المخدرات يركزون على صغار السن في ترويج بضائعهم، مستغلين ظروفهم النفسية المتقلبة للتأثير عليهم، وتهيئة جيل من المتعاطين بينهم»، مرجّحاً أن تكون «أجهزة مخابراتية أجنبية قد دفعت بالمروجين إلى توجيه نشاطهم نحو صغار السن والمراهقين»، مضيفاً أن «من المحتمل (أيضاً) أن تجار المخدرات يعتمدون على هذه الفئة في ممارسة عمليات الترويج لتمكين المروجين الرئيسيين من تجنب ملاحقة الأجهزة الأمنية». ويؤكد التقرير أن «شريحة المتعاطين في الأوساط الجامعية في اتساع مستمر، لما يوفّره الحرم الجامعي من بيئة آمنة للتواصل بين مروجي المخدرات ومتعاطيها بعيداً عن أنظار الأجهزة الأمنية… كما أن الترويج لا يستهدف الشبان، فقط بل يكلف مروجون بعض الطالبات بالترويج بعد توريطهن بالتعاطي».

وفي الإطار نفسه، تضرب مصادر أمنية متعددة أمثلة أخرى. تقول إن شارعاً بغدادياً نشطاً، تكثر فيه المطاعم والمقاهي، «زبائنه من مختلف الشرائح الاجتماعية… واستهلاكهم موزّع على مختلف الأصناف». واللافت أن «قادة بارزين في عدد من الأحزاب يمنحون غطاءً للعصابات المروجة» هناك. وهو أمر ينسحب أيضاً على بعض الفنادق المنتشرة على ضفاف دجلة، والتي يعتبر روّادها من الطبقة «الميسورة»، وبالتالي هم يستهلكون «الأصناف الفاخرة». الصدمة، بالنسبة إلى المصادر نفسها، ما تقول إنه معلومات عن أن «حزباً سياسياً بارزاً صار يتشارك الأرباح مع عصابات الترويج»، المهيمنة على تلك البقعة من العاصمة.

إذاً، تتقاسم عصابات الاتجار والترويج مناطق العاصمة في ما بينها على قاعدة النفوذ/ السوق، والارتباط بمظلّة الحزب السياسي، التي تحول دون الملاحقة الأمنية لأفرادها. ولأن بغداد مقسّمة بشكل طبقي أيضاً، فإن المناطق الفقيرة لها حصة الأسد. السوق ـــ وفق المصادر الأمنية ـــ يطلب الحبوب أو البضاعة المضروبة، والعصابات تؤمّن حاجة السوق، أما الغطاء فتوفّره بعض الأحزاب النافذة، لقادة ميدانيين يجيّرون نفوذهم لصالح العصابات التي «تردّ الجميل… بالجميل»!

«الكريستال» الأكثر انتشاراً

بحسب تقارير أمنية متعدّدة، حصلت عليها «الأخبار»، تُقسّم الداوئر المعنية في العاصمة بغداد المواد المخدرة المستهلكة في «السوق العراقي» إلى ثلاثة أنواع: مخدرات طبيعية، ومخدرات نصف طبيعية/ تخليقية، ومخدرات اصطناعية/ تخليقية. أما المخدرات الطبيعية فهي المشتقّة من نباتات تحتوي أوراقها أو زهورها أو ثمارها على مواد مخدرة، كالقنب والأفيون والحشيشة والماريجوانا والكوكا وجوزة الطيب. ويُقصد بالمخدرات نصف الطبيعية مجموعة من المواد المخدرة التي يتم استخراجها من النباتات، كالكوكايين والمورفين والكوديين والهيرويين. وبالنسبة إلى المخدرات الاصطناعية، فهي مجموعة من المخدرات التي تُصنع داخل المعامل من تركيبات كيميائية، ويصعب تعقّبها، كالكريستال والمهدّئات والمنشّطات والمهلوسات والمواد الطيّارة. وقد أظهرت دراسات ميدانية، حصلت «الأخبار» على نسخ منها، أن أكثر الحبوب المخدرة تعاطياً هي «الكريستال»، والأخرى المسماة «صفر 1»

الاتجار والإدمان… في تنامٍ مستمر

في دراسة لظاهرة انتشار المخدرات في العراق، تعتبر «المفوضية العليا لحقوق الإنسان» أن التعاطي بات من «أهم ظواهر الحياة الاجتماعية» في هذه البلاد، عازية ذلك إلى أن الحروب والنزاعات الداخلية والأزمات الاقتصادية أسهمت في تعاظم الظاهرة في مختلف المحافظات الـ18. وتضيف الدراسة أن «اتساع ظواهر العنف، والتفكك الأسري، وتراجع النظام التربوي والتعليمي، والبطالة، والفقر، والهجرة، شكلت ظروفاً مساعدة لتنامي» التعاطي، خاتمةً في سياق استعراض «الظروف المساعدة» بأن «العراق أصبح سوقاً اقتصادية رائجة لبيع وتجارة المخدرات بعد أن كان ممراً لها». وتحمّل «المفوضية» الدولة العراقية مسؤولية التراخي في مكافحة الظاهرة، لافتة إلى «عدم تفعيل اللجان الخاصة بمكافحة المخدرات، وعدم وجود مراكز تأهيل لمعالجة ظاهرة الإدمان»، إضافة إلى «افتقادنا لإجراءات مشددة لضبط الحدود مع الدول المجاورة لمنع وصول المخدرات»، و«عدم وجود حملات إعلامية للتوعية من مخاطرها».

Exit mobile version