اما وقد ولدت الحكومة العتيدة في نهاية الأسبوع الأول من الشهر التاسع للتكليف، فإن النقاش ما زال دائرا بين من يقول انه حُبل بها وولدت في بيروت ومن يُشير الى انها امضت فترة حبلها في الخارج قبل ان تولد في بيروت.
وعلى وقع الصراع بين النظريتين، نصح مراقبون دوليون، عبر “المركزية”، بترجيح كفّة النظرية الثانية كي لا يقال ان تشكيلها اوحى بوجود “فضيحة” وربما جريمة ارتكبت، وعليه ما الذي قاد الى هاتين النظريتين؟
يرغب بعض المسؤولين من مواقع مختلفة بالقول ان “الحكومة العتيدة ولدت في بيروت وأنها جاءت بإرادة اللبنانيين الذين رافقوا مراحل الولادة الموزّعة بين المقار الرسمية والحزبية والسياسية في لبنان”.
لكن اصحاب هذه النظرية يفتقرون الى القدرة على المجاهرة بالكثير من الحقائق المُرّة التي لا يمكن لمن يتمتع بالحد الأدنى من المنطق ان يقتنع بها او يتقبلها لو كانت له القدرة على التعبير وابداء الرأي. فهناك من يمتلك الكثير من الأسرار والروايات والسيناريوهات التي تقول العكس تماما. وهي تروي الكثير من فصول ما جرى في اعقاب ما انتهت اليه الانتخابات النيابية التي حطت اوزارها في الأسبوع الأول من ايار العام الماضي وتكرست نتائجها في 31 كانون الثاني.
ومن دون الدخول في الكثير من التفاصيل، يقول احد العارفين بالكثير من التفاصيل، لـ”المركزية”، ان “المحاولات السابقة لتوليد الحكومة التي شهدها الأسبوع الأخير من تموز الماضي والى اليوم، مرورا بتجارب 29 تشرين الثاني و19 كانون الأول الماضيين، اصطدمت بالتطورات الجارية في المنطقة وشكّلت مناسبة للتعبير عن عدم نضوج الرؤية التي تسمح بتشكيل الحكومة الجديدة، ففضلت اعادة البحث عن احداث داخلية تغلّف الأسباب الخارجية وتبعدها عن المناقشات وتحول دون كشفها علنا امام اللبنانيين على رغم انها كانت مدار بحث في الكثير من مراكز القرار والصالونات المقفلة التي نوقش فيها كل ما كان مطروحا من اسباب حالت دون ان يتمتع لبنان بالاستقرار الحكومي الذي يحتاجه اقتصاديا واجتماعيا لتعزيز الاستقرار الأمني في البلاد وتحصينه وابعاد شبح الأزمات الاقتصادية والمالية في ظل الاستقرار الأمني المحقق”.
ويُذكّر بأن “المنطقة كانت تغلي وكانت حكوماتها ومعها مثيلاتها في الدول المؤثرة في ازماتها تترقب ردّات الفعل على العقوبات الأميركية التي اعقبت وقف اعتراف واشنطن بالتفاهم النووي الإيراني المعقود مع مجموعة الـ(5 + 1)، وكانت كل المعلومات تتحدث عن عوائق كبيرة تحول دون تفاهم اللبنانيين على الحكومة في ظل المعادلات الداخلية التي اهتزت وأدّت الى مزيد من التفكك بين ما تبقى من مكوّنات ما كان يسمى 8 و14 آذار من دون قدرة اي طرف على حسم الموقف لمصلحته”.
فموازين القوى، في رأيه، “بقيت متأرجحة في ظل حال من عدم التوازن الى حد بعيد، وصولا الى المرحلة التي بدأت فيها مظاهر الانقلاب على التوجهات الأميركية الجديدة في المنطقة وعصيان بعض الحكومات. فالخلاف كبر بين نظرتي واشنطن من جهة ومجموعة من الدول الأوروبية من العقوبات المفروضة على ايران وغيرها من الدول وصولا الى الصين وكوريا الشمالية، كما ان بعض حكومات الدول الصديقة لواشنطن طالتها عقوباتها بشكل من الأشكال وهو ما ولّد نوعا من التشكيك بالقدرة على مجاراتها او تنفيذ عقوباتها في ظل التفاهمات التي نشأت في تلك الفترة بين طهران وعدد من الدول الأوروبية التي تعاند الولايات المتحدة وحجم المصالح التي ستتأثر باي قرار سلبا او إيجابا”.
وفي ظل هذه الفسيفساء من المواقف، برزت المبادرة الفرنسية باتجاه طهران من موقعها الراعي لمؤتمر “سيدر” والمصالح المباشرة لها في بيروت “وهو ما اهّلها الى خوض غمار التجربة للتخفيف من حجم العراقيل الإيرانية التي برزت من خلال عُقد عرقلة عملية التأليف في بيروت في مرحلة هي الأدق على الساحة اللبنانية من مختلف الجهات، معطوفة عليها الضغوط الناجمة عن النزوح السوري والتهديدات الإسرائيلية التي بلغت ذروتها مع عملية “درع الشمال”، وهو بالتالي ما ادّى الى فتح ثغرة كبيرة في الجدار السميك للحكومة”.
وعليه، “نجح الفرنسيون في الوصول بالحكومة الى غرفة المخاض والولادة في الأيام القليلة الماضية. وهو ما ادى الى تدحرج الخطوات الإيجابية من اللقاءات التي استضافتها باريس قبل بيروت قبل ايام ترجمتها برقية الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى الرئيس الحريري والتي اشارت الى سروره بما اثمرته جهوده لدى طهران في عملية التأليف”.
وختاما، وما بين نظريتي الولادة الحكومية من الداخل اللبناني او الخارج، لا تُخفي المراجع الديبلوماسية الأوروبية التي تعاطت بالملف شعورها بانها كانت تشهد على مسلسل من “الدمى اللبنانية المتحركة” طويل المدى امتدت حلقاته لثمانية اشهر واسبوع من الشهر التاسع كتبت وقائعه وجرى تصويره وإخراجه في لبنان”.

