Site icon IMLebanon

الإصلاح المالي ليس ممكناً بلا إصلاحات نقدية

كتب محمد وهبة في “الاخبار”:

«نحن أمام لحظة الحقيقة ولحظة الحساب». هذه العبارة تختصر ما قاله وزير الاقتصاد منصور بطيش في مؤتمره الصحافي، أمس. هي لحظة الحقيقة بالنسبة إلى الحكومة التي اجتمعت أمس، وجدول أعمالها «لا يرتقي إلى مستوى الناس وانتظاراتهم»، وهي لحظة الحساب بالنسبة إلى حاكم مصرف لبنان الذي اختزل على مدى ربع قرن الاقتصاد بسياساته النقدية التي تُعدّ «من الأسباب البارزة لرفع كلفة تمويل الدولة والاقتصاد». برأي بطيش، لا يمكن تصوّر إصلاح جدي للمالية العامة «لا يتضمن إصلاحاً موازياً للسياسة النقدية، وإصلاحاً لسياسات الدعم والحوافز».

 

قد تكون واحدة من المرات النادرة التي يخرج فيها وزير إلى العلن ليصارح الناس بالوضع المالي والاقتصادي. وزير الاقتصاد منصور بطيش قرّر أن يفعلها. بجرأة بالغة وبلهجة عالية سياسياً وتقنياً، عقد وزير الاقتصاد بطيش، مؤتمراً صحافياً، أمس، انتقد فيه عمل الحكومة وسياسات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، متحدثاً عن التذاكي بثنائيات وحلول ترقيعية غير نافعة.

 

خروج بطيش إلى العلن، محذراً من الاستمرار بالسياسات نفسها وبالألاعيب ذاتها، فيه الكثير من التمايز عن باقي المكوّنات السياسية للحكومة. هو بالتأكيد، يعبّر عن رأيه المهني، وعن رؤية الجهة السياسية التي ينتمي إليها، وتحديداً رئيس الجمهورية العماد ميشال عون. وفي اعتقاده أن لحظة الحقيقة والحساب قد حانت. جاءت هذه اللحظة «بعد ربع قرن من اختلالات بنيوية وتوجهات خاطئة أثبتت فشل النموذج الاقتصادي المعتمد». أما أبرز نتائج هذا الفشل، فهي تكمن في: تفاقم عجز الخزينة، تزايد الدين العام، وتراكم الصافي السلبي في الحسابات الخارجية. لذا، يعتقد بطيش أن «الاقتراض من الخارج ما عاد يكفي، ولا ينفع الترقيع ولا التذاكي بخلاص فردي أو حزبي أو ثنائيات من هنا وهناك على حساب مصالح الناس والبلد. تماماً كما ما عادت تنفع محاولات تسجيل النقاط أو تطويب انتصارات لفريق أو جهة أو حزب. جميعنا في مركب واحد، كما ورد في البيان الوزاري. لا يشفع لبعضنا وجودهم للمرة الأولى في السلطة، طالما الحكم استمرارية».

 

الدواء أو الغيبوبة

كلام بطيش جاء انطلاقاً من مداخلته في مجلس الوزراء، أمس. ففي الجلسة سأل عما إذا كان «جدول مجلس الوزراء اليوم يرتقي إلى مستوى قلق الناس وانتظاراتهم؟»، معبّراً عن أسفه «ألا يكون رأيي إيجابياً في هذا المجال». وما يؤسفه أكثر «أن نكون جميعاً متفقين على أننا لا نملك ترف إضاعة الوقت، ومع ذلك مضى شهران على تشكيل الحكومة والإنجازات لغاية اليوم أقل من المطلوب والمأمول. فماذا ننتظر لوضع الحلول موضع التنفيذ؟». هكذا بتنا اليوم «أمام لحظة الحقيقة ولحظة الحساب. فإما أن نخرج إلى الناس ومعنا الدواء، ولو كان مُرّاً، وإما أن نخدّرهم مرّة جديدة، فيدخل البلد في غيبوبة قد لا يفيق منها إلا وقد خسر الكثير من مقومات الحياة».

لم يغفل بطيش الصعوبات الاقتصادية التي يمكن تلخيصها بالآتي: «إجمالي الدين العام يقارب اليوم 87 مليار دولار، وخدمة الدين وحدها قد تتجاوز الـ 6.5 مليارات. لن أستفيض بالكلام عن عجزنا المالي أو التجاري أو العجز في الحساب الجاري وميزان المدفوعات. كلها أرقام غير مطمئنة». «الناس يتناقلون كلاماً عن انهيار مرتقب ويتساءلون فقط عن توقيته، وبعض المسؤولين يسهمون في تعميم مثل هذه الأجواء». رغم ذلك «الحلول ممكنة».

 

إجراءات موجعة لمن؟

لا يحتمل كلام بطيش الكثير من التأويل، بل هو واضح لجهة استهداف القطاع العام بوصفه المشكلة الجوهرية، بينما المشكلة الفعلية تكمن في السياسات المتبعة منذ ربع قرن. لذلك وجّه كلامه في مجلس الوزراء إلى الرئيس سعد الحريري، غامزاً من قوله إن «بعض الإجراءات قد تكون موجعة»، إذ إن هذا الكلام يستدعي سؤالاً أساسياً: موجعة لمن؟ يجيب بطيش: «الأكيد أنه يجب ألا تكون موجعة للناس. وقد أصررت اليوم في جلسة مجلس الوزراء على أن نضع خريطة طريق للحلول ونبدأ الالتزام بها وتطبيقها».

 

مساءلة سلامة ضرورية

ما لم يقله بطيش مباشرة أن رياض سلامة هو المحرّك الأساسي لهذه المطابخ الثنائية. فالحاكم صرّح سابقاً بأن «حجم القطاع العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ارتفع من 17 في المئة قبل الحرب إلى 35 في المئة اليوم»، ودعا إلى «تقليص حجم القطاع العام كشرط وحيد لضبط هذا العجز»، معتبراً أن «العجز المالي هو مصدر كل العلل». تصريح سلامة، دفع بطيش إلى التوقف طويلاً. فهو يتفهّم ”هواجس“ سلامة، لكنه يطالبه بتقديم «دراسة تبيّن الواقع»، لأن سلامة وقع في التباس «بين مساهمة القطاع العام في الناتج المحلي الإجمالي وبين نسبة الإنفاق العام إلى هذا الناتج، وهما أمران مختلفان، إذ إن مدفوعات الفائدة وحدها استأثرت بأكثر من ثلث الإنفاق العام بين عامَي 1993 و2018 (أكثر من ربع قرن). وبالتالي، لا يعبر الإنفاق العام عن مساهمة القطاع العام أو حصّته في الاقتصاد». ويرى بطيش أنه ليس هناك خلاف على أن «نسبة العجز المالي مرتفعة قياساً إلى حجم الاقتصاد اللبناني، ولا بد من إجراءات سريعة لتخفيض هذه النسبة والحد من تنامي العجز والمديونية».

 

مضى شهران على تأليف الحكومة، والإنجازات لغاية اليوم أقل من المطلوب والمأمول

 

المسألة الأساسية بالنسبة إلى وزير الاقتصاد تكمن في الإجابة عن السؤال الآتي: «هل هي مشكلة قطاع عام فقط؟»، الإجابة تتطلب من الوزير سؤالاً ثانياً: «ألا يفترض إعادة النظر بالإدارة المالية والنقدية للدولة وتوضيح سياستها؟». ما يقوله بطيش يتعلق بشفافية حسابات مصرف لبنان المحدّدة في المادة 117 من قانون النقد والتسليف، وتنصّ على أن «حاكم المصرف يقدم لوزير المال قبل 30 حزيران من كل سنة الميزانية وحساب الأرباح والخسائر على السنة المنتهية وتقريراً عن عمليات المصرف خلالها. وينشر الميزانية والتقرير في الجريدة الرسمية خلال الشهر الذي يلي تقديمها لوزير المال». يقول إن الهدف من هذه المادة هو مراقبة عمليات مصرف لبنان واعتماد الشفافية في الإفصاح عنها، «ولكننا إلى الآن لم نطّلع على تقرير شامل يوضح العمليات التي يقوم بها مصرف لبنان تحت عنوان «الهندسة المالية». ما هي هذه العمليات؟ ولماذا تجرى؟ وكم تبلغ كلفتها؟ وهل نجحت في تحقيق أهدافها؟ وما هو أثرها على الاقتصاد والمالية العامة؟».

انطلاقاً من هذه الأسئلة، يعتقد بطيش أن «سياسة رفع أسعار الفائدة والهندسات المالية هي من الأسباب البارزة لرفع كلفة تمويل الدولة والاقتصاد، وبالتالي لا يمكن تصور إصلاح جدي للمالية العامة لا يتضمن إصلاحاً موازياً للسياسة النقدية، وكذلك إصلاحاً لسياسات الدعم والحوافز لجعلها أكثر استجابة للنهوض بالإنتاج والخدمات ذات القيمة المضافة العالية».

 

إجراءات فورية: خفض الفائدة 1% يخفض الإنفاق 900 مليون دولار

 

حدّد وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش سلسلة إجراءات أو حلول ضرورية وسريعة من أجل تطوير الاقتصاد اللبناني وتحديثه وتوسيع المشاركة فيه. يلخص هذه الحلول بمقترحات لإجراءات فورية على النحو الآتي:

ــــ أولوية إعادة التوازن إلى المالية العامة تدريجياً وإقرار الموازنة. وهذا يتطلب، قبل الحديث عن الموازنة، إرسال مشاريع قطع الحساب منذ عام 1997 حتى 2017، التي أنجزت وحوّلت إلى رئاسة مجلس الوزراء، وعرضها على الحكومة لإقرارها وإحالتها كمشاريع قوانين إلى مجلس النواب لتأخذ مسارها الصحيح، قبل نشر موازنة 2019 التي صارت أكثر من ملحة. إن مشروع موازنة 2019 يجب أن يكون مؤشراً واضحاً على نيات الحكومة وخططها. وعليه أن يعالج مكامن أساسية للهدر ولا سيما على صعيد التحويلات إلى الجهات الخاصة وإعادة النظر في كل العطاءات والعلاوات والتدابير الاستثنائية التي يستفيد منها بعض الفئات في الأسلاك والمؤسسات العامة، بحيث تنحصر الحقوق المكتسبة بالرواتب وساعات العمل الإضافية الفعلية. يفترض العمل فوراً على وضع نظام موحد للتقديمات الاجتماعية للعاملين في القطاع العام، بمن فيهم الخاضعون لصناديق تعاضد خاصة والخاضعون لنظام خاص، ولا سيما في مؤسسة الضمان الاجتماعي ومصرف لبنان.

 

ــــ مكافحة التهرب الضريبي وتحسين الجباية، سواء لجهة من يصرحون جزئياً أو المكتومين. وهناك اقتراحات عملية في هذا المجال، فحجم التهرب الضريبي في لبنان يوازي تقريباً عجز الكهرباء، ويطاول ضرائب على الدخل والأملاك المبنية والرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة.

ــــ إحداث صدمة إيجابية بما يمكن أن نسميه «تحسين إدارة الدين العام»، وترمي إلى خفض كلفته بالتنسيق مع حاكم مصرف لبنان، استناداً إلى المواد 70، 71 و72 من قانون النقد والتسليف، مع الإشارة إلى أن تخفيض 1% من معدل الفائدة يؤدي إلى خفض الإنفاق العام بنحو 900 مليون دولار للعام الحالي. وهناك أفكار عدة لإجراء مثل هذا الخفض سبق أن تداولنا بها مع وزير المال وحاكم مصرف لبنان ووافقا عليها. وفي هذا السياق، علينا إعادة النظر بالسياسات والأدوات التي يستعملها مصرف لبنان، مع الالتزام التام بسياسة استقرار أسعار الصرف ولجم التضخم.

ــــ إعادة النظر بالقروض المدعومة وبآلياتها المعتمدة. فليس مقبولاً أن يتم استغلال بعض هذه القروض بعيداً عن ”روحيّتها“ من جهة، وبعيداً عن أهدافها الاقتصادية المحددة من جهة ثانية. فقيمة القروض المدعومة تبلغ 15 مليار دولار للسكن ولقطاعات الإنتاج، فضلاً عن حوافز ”إيدال». وبالتالي يجب أن تذهب القروض لمستحقيها فقط من ذوي الدخل المحدود، كما للنشاطات الإنتاجية المولدة لفرص العمل للبنانيين والتي تخلق قيمة مضافة عالية في الاقتصاد. لا يجوز أن يبقى الدعم مشتتاً واستنسابياً، ولا يجوز أيضاً أن يبقى من الأسرار، خلافاً للأصول التي ينص عليها قانون المحاسبة العمومية.

ــــ التركيز على زيادة الإنتاج والتصدير والتخفيف من الاستيراد. هذا يتطلب قرارات جريئة وتشريعات مسؤولة. والتنسيق قائم بيني وبين وزير الصناعة في هذا المجال.

هذه الإجراءات هي بعض من مقترحات عملية طرحها بطيش في جلسة مجلس الوزراء أمس، باستثناء الحديث عن ضرورة الانتهاء سريعاً جداً من موضوع قطاع الكهرباء، على اعتبار أن المساعي حثيثة لإنجازه والتوافق عليه.

 

مشاريع قوانين

اقترح الوزير منصور بطيش دراسة ثلاثة مشاريع قوانين بهدف وضع المالية العامة على مسار إصلاحي مستدام، وهي:

ــــ مشروع قانون لإصلاح النظام الضريبي لجعله أكثر كفاءة وعدالة. وفي هذا الإطار، يجب درس إمكانية اعتماد وعاء ضريبي موحد.

ــــ مشروع قانون يعيد النظر بهيكلية الدولة بعد دراسة الحاجات، بحيث يتم إلغاء المؤسسات والمجالس والصناديق والهيئات التي لا حاجة إليها.

ــــ مشروع قانون حديث ينظّم الإعفاءات والحوافز والرعاية المطلوبة للقطاعات الإنتاجية ويساهم في تنمية المناطق وزيادة الإنتاج والتصدير ويتشدد في تغريم كل ضرر يطاول البيئة أو تعدّ على الأملاك العامة والموارد الطبيعية والتاريخية.