Site icon IMLebanon

ملف التهجير السوري: العودة غير قريبة؟

كتب صهيب عنجريني في صحيفة “الأخبار”:

حلّ، قبل أيام، «اليوم العالمي للاجئين»، المناسبة التي بات ذكرها مقترناً باللاجئين والنازحين السوريين. وعلى رغم أن مناطق سورية كثيرة قد خرجت من خرائط العمليات العسكرية، فإن كتابة السطر الأخير في مأساة النسبة الكبرى من المهجّرين لا تبدو قريبة على الإطلاق. وعلاوة على كل ما يعنيه ذلك من تعقيدات تترك أثرها على الملف السوري في الوقت الراهن، يشكل هذا الملف خطراً فعلياً على مستقبل النسيج السوري، في المديين المتوسط والبعيد، ولا سيما في ظل ارتباطه ارتباطاً وثيقاً بالخريطة الديموغرافية للبلاد.

في نيسان من عام 2011، سُجّلت أول موجة نزوح سورية، وكانت الوجهة تركيا. حتى منتصف حزيران 2011، لم يكن عدد السوريين في تركيا قد لامس حاجز العشرة آلاف (8538)، ولم تكن موجات الهروب إلى بقية دول الجوار قد انطلقت. اليوم، تغيّر كل شيء، وباتت أعداد اللاجئين السوريين (المسجّلين رسمياً) خارج البلاد تُحسب بالملايين (أكثر من 5.6 ملايين حتى آذار الماضي، وفقاً لـ«مفوضية اللاجئين»). يضاف إليهم ما يقارب 3 ملايين نازح داخل البلاد (على الأقل)، ما يعني أن الحرب اقتلعت ما لا يقلّ عن 9 ملايين سوري من منازلهم.
يبدو جلياً أن حركة النزوح قد أفرزت خريطة ديموغرافية جديدة للبلاد، من دون أن تكون المآلات النهائية لهذه الخريطة محسومة حتى الآن. وتتنوع حوامل التحول الديموغرافي السوري، فلا تقتصر على الانتماء العرقي أو الطائفي، بل تمتد لتشمل التركيبة العمرية، والتوازن الجندري، إضافة إلى طغيان صبغات أحادية الولاء السياسي على مناطق بعينها، ولعلّ أوضح الأمثلة في هذا السياق مناطق «درع الفرات» التي بات الهوى السياسي للغالبية المطلقة من سكانها محسوباً على أنقرة، الأمر الذي ينطبق أيضاً إلى حدّ كبير على مناطق «غصن الزيتون» (عفرين ومحيطها). ويمكن هذا التفصيل، معطوفاً على التجاذبات الإقليمية، أن يتحول في المدى المتوسط إلى عامل حاسم في مسألة وحدة البلاد الجغرافية والسياسية، ولا سيما في ظلّ تخلخل البنى الاجتماعية في سوريا (في السنوات الثلاث الأخيرة على وجه الخصوص).

«بذور أزمة المستقبل»؟
ثمة خلخلة نجمت عن المتغيرات الاقتصادية الهائلة، مثل انسحاق الطبقة الوسطى كلياً، وتغير توزع الكتل المالية تأسيساً على طرق غير مشروعة في كثير من الأحيان. ومن المسلَّم به أن الخطورة في مسألة تغير «الموازين المالية» لا تنبع من الحالات الفردية، بل من اجتماع تلك الحالات في مُحدّدات جغرافية معينة. ولتوضيح هذه النقطة، يمكن أخذ مدينة حلب بوصفها نموذجاً تعرّض لأقسى أنواع الإفقار، ويسود الشارع الحلبي اعتقاد بأن «إفقار حلب كان هدفاً من أهداف الحرب فيها». ولعلّ أخطر ما في الأمر، غرس بذرة استعدائية ما بين الشارع الحلبي، وبين النطاقات الجغرافية «التي تناوبت على إفقاره»، وفقاً لما يعتقده كثير من الحلبيّين. ليس بعيداً عن الذهن أن الصراع الريفي المديني قد أدى دوراً أساسياً في تفجير الأزمة السورية الراهنة، الأمر الذي يبدو مرشّحاً للتكرار في المستقبل، مع تبادل الأدوار في بعض المناطق (مثل حلب)، ومع بقاء الأدوار على ما هي عليه في مناطق أخرى (مثل دمشق). كذلك غُرست بذور كراهية شديدة ما بين منطقة وأخرى (من بين أوضح الأمثلة دوما والساحل). ويمكن مسألة النزوح وخسارة البيوت وانعدام فرص الوصول إلى مناطق السكن الأصلية، أن تتحول إلى عامل تأجيج مستقبلي إضافي، إذا ما استمرّت العوائق قائمة ما بين كثير من السوريين وبين مناطقهم، وإذا ما غابت فرص تعويضهم ما خسروه، ولو جزئياً.

يقتصر دور «المفوضية» على تقديم المساعدات للعائدين

عودة «شبه مستحيلة»
على رغم أن تغيير الموازين الديموغرافية لم يكن هدفاً ثابتاً في كل المناطق التي طاولتها الحرب، فإن حدوثه كان حصيلة حتمية، سواء كان مقصوداً بعينه في صورة علنية (كما في عفرين، وكفريا والفوعة)، أو أتى بقصد تثبيت واقع عسكري معيّن (كما في الزبداني والقصير). ثمة تداخلات كثيرة فرضت نفسها في ملف النزوح منذ الشهور الأولى، من بينها «الاستثمار السياسي»، كما «الاستثمار العسكري». ومثلما كان الملف أسير تلك التداخلات في البواكير، ظلّ كذلك حتى الوقت الراهن. ويكاد يصحّ القول إن أيّاً من الأطراف المعنية غير مهتم بعودة «جميع اللاجئين والنازحين» إلى مناطقهم الأصلية، من دون تحقيق شروط على مقاسه (أو غير قادر على فعل ذلك، في أفضل الأحوال). يبدو هذا الواقع مفهوماً و«منطقياً» في ما يتعلق بملف اللاجئين خارج البلاد، إذ تحوّل إلى ملف سياسي بامتياز. ويختلف الحال في ملف النازحين داخل البلاد، ولا سيما في ظل تضافر عوامل عدّة في عرقلة عمليات العودة، تتربّع على رأسها «الحسابات الأمنية» (إذا ما استثنينا الدمار الكبير الذي ترك كثيراً من السكان بلا بيوت يرجعون إليها).

«المفوضية»: لا دور لنا في تنظيم العودة
يُعدّ ملف «النازحين داخل البلاد» شأناً محلياً، وتتولى تنظيم «العودة» الجهات الحكومية والأجهزة السورية، مع تأثير لـ«الحلفاء» في بعض المناطق (موسكو في درعا والغوطة الشرقية، طهران في الغوطة الغربية، «حزب الله» في ريف حمص الغربي). لا تؤدي «مفوضية اللاجئين» أي دور على صعيد «تنظيم العودة»، بل يقتصر دورها على «تقديم المساعدات للعائدين في المناطق التي تستطيع الوصول إليها»، وفقاً لما يؤكده لـ«الأخبار» مكتب «المفوضية» في دمشق. وتحضر «مفوضية اللاجئين» في محافظات دمشق وريف دمشق، وحمص وحماة، ودرعا والسويداء، وحلب، والحسكة. أما محافظتا دير الزور والرقة، فـ«الوصول إليهما ما زال محدوداً». ويتلقى العائدون (سواء من اللاجئين أو النازحين) الدعم من خلال «برامج المفوضية الاعتيادية، ومن شركائها المحليين»، فيما تشمل المساعدات «المواد غير الغذائية، المأوى، المواد الشتوية، والمساعدة في الحصول على سُبل العيش»، وفقاً للمصدر نفسه. تعمل «المفوضية» مع 31 شريكاً من المنظمات المحلية والدولية غير الحكومية في جميع أرجاء سوريا. وعبر شبكة مؤلفة من 93 مركزاً مجتمعياً، و29 مركزاً مجتمعياً مصغراً، و102 وحدة متنقلة، بالإضافة إلى 2766 متطوعاً، في إطار جهودها لـ«دعم الجهود المبذولة لتحسين الظروف داخل سوريا».

أرقام العائدين
توضح المعلومات المتوافرة لدى «مفوضية شؤون اللاجئين»، إلى نهاية نيسان/ أبريل الماضي، أن عدد اللاجئين السوريين العائدين في الربع الأول من 2019 بلغ 21,575 شخصاً. وصل عدد النازحين داخل البلاد من العائدين إلى مناطقهم في الربع الأول من 2019 إلى 96,558 شخصاً. وكان عدد اللاجئين العائدين في العام الماضي، 2018، 56,047 شخصاً، فيما سجّلت المفوضية عودة 1400,000 نازح إلى مناطقهم في العام نفسه.