Site icon IMLebanon

المأزق السياسي في لبنان يقترب من بلوغ أزمة وطنية

 

يقتربُ المأزقُ السياسي الذي يَحْتَجِزُ الحكومةَ في بيروت من بلوغِ أزمةٍ وطنيةٍ كبرى يصْعب التَكَهُّنُ بتداعياتها في ضوء محاولةٍ مُبَرْمَجةٍ لتحويل حادثٍ أمني وَقَعَ قبل أربعة أسابيع في إحدى بلدات عاليه سيْفاً مُصْلَتاً على زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
ورغم تقْليلِ الأوساطِ القريبة من رئيس الحكومة سعد الحريري من واقعيةِ الكلام عن إمكان تقديم استقالته بسبب تكبيل سعْيه لانعقاد الحكومة بالشروط، فإنها لم تُخْفِ في الوقت نفسه شعورَه بالقرَف والغضَب والاستياء من جراء فائضِ السلبية في التعاطي مع التحدّيات التي تواجهها البلاد.
وعَكَستْ حال الحريري، الموجود خارج لبنان في زيارةٍ عائلية، الاقتناعَ المتزايدَ في بيروت بأن ثمة أطرافاً تعمل على إحباط المُبادرةِ تلو المُبادرةِ لكسْر المأزق السياسي، خصوصاً تلك التي بكّر رئيس البرلمان نبيه بري في طرْحها أو التي يضطلع بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم ويجْري الارتدادُ عليها.
ويتمثّل المأزق الحالي في جعْل النائب طلال أرسلان، مصيرَ الحكومة رهينة الاستجابة لطلبه بإحالة الحادث الأمني في بلدة البساتين (عاليه) على المجلس العدلي، متكئاً في ذلك على دعْم «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل، وهو المطْلب الذي يرفضه الحريري وبري و«القوات اللبنانية»، إضافة إلى جنبلاط بطبيعة الحال.
ويسود الاعتقادُ في بيروت بأن قفْلَ أرسلان (يتمثّل بوزير واحد في الحكومة) الأبواب أمام مروحةٍ من المبادرات للحلّ، مردُّه إلى قرارٍ داخلي – إقليمي بتصفية الحساب مع جنبلاط، ولأسباب تتصل بتموْضعه السياسي كلاعِبٍ لا يمكن تَجاوُزُه في الداخل وله مكانته الإقليمية في آنٍ، وهو ما تُرْجِمَ بمحاولاتٍ لفرْض الحصار عليه وإضعافه قبل الحادثة الأمنية في 30 يونيو الماضي.
وفي تقدير أوساطٍ متابعة أن جنبلاط، الذي سعى إلى «تنظيمِ الخلاف» مع «حزب الله» وأبدى انفتاحاً على علاقةٍ إيجابية مع الرئيس ميشال عون، لم يتخلّ عن خياراته ما جعله «خارج السرب» في الواقع اللبناني الذي «سلّم» عموماً بإدارة «حزب الله» للدفة في البلاد.
ولم يَكُنْ عابِراً أن يتوجّه الأمينُ العامُ لـ«حزب الله» في إحدى إطلالاته إلى جنبلاط لـ«تظبيط أنتناته» وأن يكشف الأخير عن طَلَبٍ تَلَقّاه من السيد حسن نصرالله، كشرطٍ للمضيّ في تطبيع العلاقة مع حزبه، بأن يكفّ عن تَناوُل إيران في تصريحاته.
هذه الوقائع تفسّر التَوَجُّسَ لدى قريبين من جنبلاط من أن يكون الإصرارُ على تحويل حادثة «البساتين» إلى المجلس العدلي هَدَفُه تكرارُ ما يُعرف بـ«تفجير كنيسة سيدة النجاة» (1994) الذي كان اتُّهِم به رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع وجرى حلُّ حزبه والزجّ به في الاعتقال 11 عاماً بعدما فُتحت بوجهه ملفاتُ الحرب، رغم تبرئته لاحقاً من تفجير الكنيسة الذي توجّهت أصابع الاتهام السياسي فيه إلى النظام الأمني اللبناني – السوري.
وكان لافتاً أمس، أن جنبلاط الذي قرأ في مواقف نصرالله منحى لـ«تصفية حسابٍ» معه، ذهب أبعد في رسْم سقف المرحلة المقبلة وتظهير خلفيات الجملة عليه، إذ غرّد أولاً «يبدو ان التشنج السياسي الحالي وكما عبّرت عنه جهة حزبية محلية وإقليمية ليس محصوراً بالبساتين أو (قبلها حادثة) الشويفات. لذا فإن اجتماع بعبدا (المصالحة في القصر الجمهوري) غير مفيد، إذا ما أصحاب العلاقة المباشرين، وليس أبواق النعيق اليومي، أوضحوا لنا لماذا هذا العداء الجديد والذي كنا أطلقنا عليه تنظيم الخلاف (مع حزب الله)».
وما لم يقُله جنبلاط بلْوره بوضوح عبر موقع «المدن»، إذ اتّهم نصرالله بأنه نصّب نفسه «محققاً وقاضياً، وأبرم الحكم سريعاً» (في حادثة البساتين)، معلناً «لن أذهب إلى بعبدا لألتقي بطلال أرسلان. وإذا كان لا بد من لقاء، فمع مندوب مباشر لنصرالله لنفهم لماذا انتقل تنظيم الخلاف السياسي إلى عداء سياسي»، مضيفاً: «يريدوننا أن نكون إما معهم واما ضدهم، وربما ما يجري هو في سبيل الضغط عليّ وعلى سعد الحريري لأن نكون في صفوفهم، أو أن نصطفّ معهم في ظل المواجهة الكبرى بينهم وبين الأميركيين (…)».
من ناحيته، عبّر اللواء عباس إبراهيم عن بعض ما يعترض بلوغ تسويةٍ في قضية «البساتين» وعقدة إحالتها على «العدلي» بقوْله «دعوتُ للمصالحة من خلال المصارحة لكن يبدو أنه لا توجد مصارحة وهناك نيات مبيتة من جميع الأطراف للأسف، وأنا أقوم بما يجب القيام به».
علماً أن آخِر المبادرات التي أُعلن أن المدير العام للأمن العام يعمل عليها هي انتظار القرار الظني الذي يصدر عن المحكمة العسكري في ملف البساتين لتحديد إذا كان يستوجب الإحالة على «العدلي» أم لا.