Site icon IMLebanon

مرجع دستوري يُفسِّر المادة 95: «لا تغامروا»!

كتب عماد مرمل في “الجمهورية”:

 

بعد مضي نحو ثلاثة عقود على وضع اتفاق الطائف الذي أصبح دستور «الجمهورية الثانية»، لا يزال مضمون هذه التسوية المركّبة قابلاً للتأويل والاجتهاد، عند كل محطة مفصلية، تبعاً لموازين القوى ووجهة الرياح الطائفية والمذهبية.
بهذا المعنى، ليس الانقسام المستجد على تعريف محتوى المادة 95 من الدستور سوى «عيّنة» من العوارض المترتبة على «حمّى الهواجس» التي تصيب الطوائف والمذاهب مداورة، متسببة بارتفاع حرارتها وتعريضها لـ«الدوار»، من حين الى آخر.

وإذا كانت الرسالة التي وجّهها رئيس الجمهورية ميشال عون الى مجلس النواب تهدف الى التوافق على تفسير موحّد لتلك المادة، إلّا انّ الانقسام على الرسالة بحدّ ذاتها بين مؤيّد ومعترض، انما يعكس بوضوح هشاشة الارضية التي ترتكز عليها دولة ما بعد «الطائف».

ويُستنتج من الخلافات المتكرّرة حول تفسير بنود جوهرية في الدستور، انّ «الجمهورية الثانية» تأسست منذ البداية على أعمدة من «الغموض» غير البنّاء، وبالتالي فانّ هذه الجمهورية «الركيكة» سرعان ما تهتز وتترنّح مع كل عاصفة تهبّ عليها من الداخل او الخارج.

وليس أدلّ الى هذا الواقع من انّ عون وجد نفسه مضطراً الى توجيه رسالة الى مجلس النواب لمعالجة ما يعتبر انّه «خلل ميثاقي» في اعتماد نتائج مباريات مجلس الخدمة المدنية التي تضمنتها المادة 80 من قانون الموازنة، داعياً الى تفسير عبارة «مقتضيات الوفاق الوطني» الواردة في المادة، ومعتبراً انّ النتائج اتت مناهضة لها.

وخلافاً للتفسير الرائج للمادة 95، والذي يحصر المناصفة في الفئة الاولى او ما يعادلها، فانّ مقاربة قصر بعبدا تعتبر انّ النص مشروط ببدء خطة مرحلية لإلغاء الطائفية، يُصار خلالها الى اعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة وفقاً لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى او ما يعادلها، حيث تكون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين.

ووفق «اجتهاد» القصر الجمهوري، فانّ الخطة المرحلية او المرحلة الانتقالية التي يُفترض ان تُلغى خلالها قاعدة التمثيل الطائفي في الوظائف العامة، ما عدا وظائف الفئة الاولى، لم تبدأ بعد، «الامر الذي يعني انّ المناصفة الكاملة في كل الفئات يجب ان تبقى سارية المفعول راهناً».

لكن مرجعاً دستورياً شارك في اجتماعات مؤتمر الطائف يؤكّد، انّ المادة 95 أكثر من واضحة، ولا تنطوي على اي التباس في دلالاتها، مشدداً على انه يجب بمقتضاها حصر المناصفة بين المسلمين والمسيحيين ضمن وظائف الفئة الاولى، «بينما الفئات الوظيفية الاخرى في الدولة لا تخضع لهذه المناصفة، بل يسري عليها معيار الكفاءة حصراً، مع استثناء المؤسسة العسكرية والاجهزة الامنية التي ينبغي ان يُراعى فيها التوازن قدر الامكان».

وينبّه المرجع الى خطورة الادبيات المستخدمة حالياً في معرض مقاربة المادة 80 من قانون الموازنة والاعتراض على تثبيت حق الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية في التوظيف، محذراً من انّ تلك الادبيات «تشكّل عودة الى ما قبل عام 1975، اي الى المرحلة التي مهّدت لنشوب الحرب».

ويلفت الى انّ المادة 95 وُضعت أصلاً لطمأنة المسيحيين، وتحديداً عبر تأكيد المناصفة في الفئة الاولى، «أما التمثيل الطائفي في الفئات الاخرى فيُلغى فور سريان اتفاق الطائف وتحوّله دستوراً». معتبراً انّه كان ينبغي تشكيل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية منذ عام 1992، «لكنّ التأخير في ذلك لا يبرّر بتاتاً التراجع عن الجرعات الاصلاحية الحيوية التي يشتمل عليها اتفاق الطائف»، مشدداً على ضرورة الشروع في إنشاء تلك الهيئة.

ويحذّر المرجع «بعض المسيحيين المسكونين بفائض الهواجس والمخاوف من انّ «الحركشة» بالمادة 95 ليست في مصلحتهم، بل سيكونون متضررين من إعادة فتح النقاش في شأنها»، مشيراً الى انّ النص الحالي «ينطوي على ضمانة قد لا تتكرّر إذا رُفعت عنه الحصانة الوطنية او الدستورية».

ويعرب عن اعتقاده انّ ظاهر الامور ليس كباطنها، ملاحظاً انّ ما يطفو على السطح يوحي بأنّ هناك حرصاً على حقوق المسيحيين والتوازن الطائفي، «أما المضمر فيبدو مفتوحاً على احتمالات سيئة عدة من بينها الدفع نحو التقسيم او ما يعادله».

ويتساءل الخبير في معادلات اتفاق الطائف: اين المشكلة في تعيين ناجحي «الخدمة المدنية»؟ وهل 400 موظف فازوا بكفاءتهم وجدارتهم هم الذين سينسفون التوازنات ويضربون التعايش، ام انّ إلحاق الظلم بهم هو الذي يمكن ان يترك مثل هذه التداعيات؟ ويضيف ساخراً: هل صار مأمورو الاحراج، على سبيل المثال، مصدر التهديد للميثاق الوطني، فقط لأنّ عدد المسلمين أكثر من عدد المسيحيين؟

ويعتبر المرجع، انّ هناك تعبئة طائفية في غير محلها، مستغرباً ان «يملك البعض ترف افتعال أزمة من المادة 95 في وقت تدهمنا المخاطر الوجودية والقضايا المصيرية من محاولات فرض صفقة القرن وتغيير الكيانات على «عينك يا تاجر»، الى التحدّيات الاقتصادية والمالية التي تهدّد بالانهيار»، لافتاً الى انّ المطلوب مواجهة التهديدات الحقيقية بدل هدر الوقت والجهد في مواجهة ازمات مفتعلة.