Site icon IMLebanon

فشل سياسات الاسكان يظهر الآن!

كتبت إيفون أنور صعيبي في “نداء الوطن”:

 

“الارض” سلعة نادرة وغير متجددة فكيف ان كانت في بلد صغير؟ عندها قد يكون الاستثمار فيه آمناً. هذا من وجهة نظر بلد خدماتي قائم على الاستهلاك بدلا من الانتاج حيث قضت سياسة الفوائد المرتفعة والمديوينة المستمرّة والمتفاقمة باطراد على إمكانية بناء اقتصاد مُنتج وقادر على المنافسة. للأزمة الاسكانية بمعناها الاجتماعي أسباب ثلاثة: أوّلها الزيادة الديموغرافية (2.7% سنويا)، ثانيها سياسيات دمار الريف المتّبعة منذ التسعينات والتي ساهمت في انخفاض حصة الانتاج الزراعي من الناتج المحلي الى 7% ليصبح الريف فارغا والمدينة ملأى، فـ 70% من السكان يسكنون في المدن الساحلية.اما ثالثها فحركة النزوح الداخلية منذ الاستقلال حتى الانتفاضة الاولى (1958) ثورة رافقها هجرة وتهجير ثم الحرب الاهلية (1975 ) التي استمرت حتى الطائف.

الى ذلك، وعلى مدى أعوام، اقتصرت السياسيات الاسكانية على “مستقبل” القطاع العقاري وسبل تجنيب المستثمرين فيه نتائج الانهيار من خلال نقل المخاطر الى ذوي الطبقة المتوسطة عبر “فورة” القروض المخصصة للاسكان. كان ذلك في غالبية الاحيان على حساب تسخير الاراضي والشقق لخدمة الناس وتأمين واحد من حقوقهم التي تكفلها القوانين كافة. لقد تمّ الاعتماد على نظام “الدعم” فقط للنفاذ إلى تيسير الإسكان؛ هنا لا بد من استذكار الخبرات الدولية التي تكشف أنّ النتيجة الطويلة الأمد لسياسة مماثلة تؤدّي إلى وجه متفاقم من المشكلة الأساسيّة حيث تعتبر نيويورك مثالاً على ذلك، فبالرّغم من الإنفاق على الإسكان بما يقارب الـ 10 أضعاف مجموع إنفاق عاشر أكبر مدن في الولايات المتحدة، تجد الدولة نفسها في الوضع عينه مع الكثير من مدن دول العالم الثالث في ما خصّ الازمة الاسكانية.

عن الموضوع يوضح مدير عام المؤسسة العامة للاسكان روني لحود أن” “بنك الإسكان” تأسس في العام 1977(تملك الدولة اللبنانية 20% من أسهمه) ليشكل وسيلة من أجل مساعدة الافراد على شراء، بناء او ترميم منازلهم، بالإضافة الى تمويل “تعاونيات الإسكان”. العام 1996، تم انشاء المؤسسة العامة للإسكان التي حلت مكان “صندوق الإسكان المستقل”، والتي أُسست بهدف مساعدة الطبقتين المتوسطة والفقيرة وتمكينهما من اقتناء عقار سكني. حددت المؤسسة سقف القرض بـ 270 مليون ليرة اي بمعدل 177 مليون ليرة للقرض الواحد طبعا ان توفرت في مقدم الطلب الشروط اللازمة والتي تفرضها المؤسسة. في الواقع لم تمول المؤسسة القروض المدعومة من محفظتها الخاصة بل ان مصرف لبنان سمح خلال الاعوام الماضية للمصارف ان تستعمل احتياطاتها المجمدة لديه بـ 0% لتوظيفها في القروض السكنية. هكذا ساهم الدعم بتمويل حوالى 5000 طلب سنويا. العام 2017 منع مصرف لبنان استخدام هذا الاحتياطي فارتدّت الازمة على ما يقارب 60 قطاعاً كلها قطاعات مرتبطة مباشرة بالسوق العقارية.ج راء هذه المستجدات حاولنا البحث عن طرق جديدة للتمويل، وصدر قانون دعم الفوائد على القروض السكنية وصادق عليه مجلس النواب وتم تخصيص المبلغ، لكن ترافق ذلك مع ارتفاع الفوائد بنسب مرتفعة. الى ذلك حصر القانون اعطاء القروض المدعومة بالمؤسسة العامة للاسكان وهذا يعتبر انجازا للمؤسسة ولذوي الدخل المحدود على حد سواء”.

ويضيف لحود “في تعميمه رقم 503 منع المركزي المصارف من توظيف اكثر من 25% من ودائعها في القروض الامر الذي أدى الى تفاقم الازمة ليعود ويصدر مطلع العام الجاري تعميما يطلب فيه من البنوك التجارية استبدال الدولار بالعملة المحلية لتمويل قروض الاسكان. وهذا ما رفضته المصارف غير المستعدة للتضحية بدولاراتها في هذه العملية. فكانت النتيجة أن قلّة من المصارف استمرت في اعطاء قروض سكنية. من هذا المنطلق حاولنا ايجاد بدائل لتمويل الدعم على القروض السكنية ونحن نعمل على تفعيل قانون الواجهة الخامسة وتسوية مخالفات البناء التي ستحقق عوائد الى كل من المؤسسة والبلديات ووزارة المالية. بهذه الطريقة يمكن تمويل المزيد من الطلبات. تدرك المؤسسة تماما ان الاسكان ليس مجرد عملية اعطاء قروض لطالبيها بل هو قضية اجتماعية أكثر منها اقتصادية. في هذا الاطار تعمل المؤسسة على اطلاق خطة اسكانية شاملة وقد أثرنا فيها اهمية الايجار والايجار التملكي كخيارين للسكن اللائق، هذا ونعمل على سلة مشاريع قوانين من شأنها ان تحلّ المعضلات المتعلقة بالاسكان من مختلف الجوانب. الخطة على طاولة مجلس الوزراء بانتظار اقرارها”.

ضبط الايجار والايجار التملكي

في الاعوام السابقة، لم تكن قضية “استملاك” شقة تعتبر امتيازا. لكنها اصبحت كذلك بسبب غسل دماغ ثقافي انتهجه المطورون العقاريون الذين تواطؤوا مع عدد من المصارف فباتوا يركّزون في حملاتهم الدعائية على فكرة انه لا يمكن للشاب ان يتقدم لطلب يد فتاة ان لم يمتلك شقة! بالتالي اصبح انشاء عائلة مرتبط بتملك شقة. قبل القروض المدعومة لم تكن هناك مشكلة في الإسكان. مع هذه القروض ارتفعت الأسعار “اصطناعيا”. لهذا السبب يمكننا الافتراض أن القروض المدعومة كانت حلاً لأزمة غير موجودة حيث تقدم هذه القروض المعونة لإنقاذ المطورين العقاريين بدلاً من مساعدة المشترين والحرص على مصلحتهم.

هنا يبرز ضبط الايجار والايجار التملكي كحلّ فعّال لمعضلة الاسكان للطبقتين المتوسطة وما دونها. يتيح ضبط الإيجارات الحفاظ على التنوع الاقتصادي والاجتماعي ، بدلاً من إجبار جميع أفراد طبقة معيّنة على العيش في مناطق محددة منخفضة التكلفة. كما يمكن للمستأجرين توفير المال وتخصيصها لاشياء أخرى وتحسين مستوى عيشهم وهذا ما لا تضمنه الإيجارات العادية.

أما الإيجار التملكي، فيعطي المستأجر حق تملك المأجور لقاء ثمن متفق عليه عند إجراء عقد الإيجار مع إحتساب الأقساط المدفوعة منه كبدلات إيجار من أصل الثمن. وفي نهاية مدة العقد يصبح المستأجر مالكاً، وبالتالي هذا يشجع على إيجاد حل لمشكلة المستأجرين.

اذا، تبلغ تكلفة الايجار سنويا حوالى 3% من قيمة الشقة، لذا فان الايجار أكان تملكيا ام لا يكون الحل الافضل لذوي الدخل المحدود لا سيما في الاوضاع الراهنة بدلا من التورط بدفعات شهرية لأصول من الممكن ان تخسر نسباً مرتفعة من قيمتها. الى ذلك فان اسعار الايجارات تتبع الاقتصاد الحقيقي وهي تجنّب الوقوع في فخّ المضاربات. ثمّ من قال إن الأسعار لا تنخفض أبداً في لبنان؟ العقارات هي أحد الأصول ويمكن أن تتأثر الأسعار بالاقتصاد الحقيقي الذي يبدو انه لا يبشر خيرا على المدى المنظور.