Site icon IMLebanon

“Back to school” أي كابوس هذا!

كتبت جنى جبّور في “نداء الوطن”:

 

“Back to school”، بقدر ما يكره التلامذة هذه الجملة وكل ما يرتبط فيها من إعلانات لحقائب مدرسية جديدة أو مقالم جميلة وملونة، بقدر ما تحولت هذه الفترة من هذه السنة بالذات الى موضوع يرعب الأهالي، ويروّع المكتبات، ويهدد استمرار المدارس الخاصة. كل ذلك، والدولة شبه نائمة!
الأزمة متعددة الأوجه وقابلة للإنفجار في أي لحظة. المدارس الخاصة تريد من الأهالي تسديد الاقساط والأهالي غير قادرين على تحمل الأعباء المادية المرتفعة للتعليم، ولا أماكن كافية للجميع في المدارس الرسمية في المدن وجبل لبنان بشكل خاص، وقد عمدت إحدى الثانويات الى إعطاء الأفضلية في التسجيل للحاصلين على معدلات عالية. المكتبات متخوفة من تقلبات صرف الليرة اللبنانية ولا شيء يحميها أو يوقف التعدي على القانون! هذه العوامل، حولت فترة العودة الى المدارس مشكلة حقيقية يعاني منها اللبنانيون والمجتمع التربوي كله في ظل غياب أي خطة واضحة مستقبلية، ومن دون ان يلتقي هدف أي متضرر مع الآخر.

“المستعمل” قبل الجديد

المكتبات هذه السنة، ليست في أفضل حال؛ فهي متخوفة من تلاعب سعر صرف اليورو والدولار بخاصة بما يتخطى السعر الرسمي. تخبرنا صاحبة مكتبة “روبا” السيدة ريما منذر ، أنّ “المكتبات تشتري الكتب الأجنبية بالدولار أو باليورو وتبيعها بالليرة اللبنانية، وأجبرنا التعميم الصادرعن نقابة مستوردي الكتب في لبنان لهذه السنة على توحيد تصريف اليورو من خلال ضربه بـ1800 ليرة لبنانية، هذا بالنسبة إلى الموسم الحالي أما الدولار الأميركي فسعره أكثر تقلباً ( بين 1515 و 1530) وتكمن المعضلة الأساسية في أننا نبيع بالليرة اللبنانية بينما نجبر على الدفع بالدولار أو اليورو لدور النشر، ما خفف من حماستنا على العمل لهذا العام الدراسي خصوصاً أنّ أي تلاعب في الصرف “بفوّتنا بالحيط”. لكن صاحب مكتبة Reflexion مارك أنطون لا يرى المشكلة في التسعير، وهو يعتمد في تعاملاته مع زبائنه سعر السوق ، ويرى إيجابية في تراجع سعر اليورو، أما المشكلة الكبرى التي يتحملها الأهل فهي تغيير الكتب الأجنبية من سنة إلى سنة ، وأشار بيده إلى تلال الكتب المشقوعة أمام مكتبه والمرسلة إلى إعادة التدوير، ولاحظ أنطون إقبالاً زائداً هذه السنة على الكُتُب المستعملة…إن وجدت.

80 في المئة من الكتب الأجنبية تغيرت لعام 2019-2020، كذلك الوضع بالنسبة للكتب المحلية، بحسب صاحبة مكتبة روبا، وتشير الى أنّ “الهدف من هذا التغيير “تجاري بحت”، فتحديث الكتب وتعديل بعض محتوياتها يكاد لا يذكر. والملفت في الأهالي تزايد عدد عارضي الكتب المستعملة ، التي يُعاد بيعها إلى المكتبة بربع سعرها أو أقل.

صاحبة مكتبة أخرى في جبيل، ترى أن بعض طبعات الكتب المنقحة والمعدّلة سنوياً هو في مصلحة التلميذ وخدمة للمنهج ككل، وبعضها الآخر هدفه تجاري بحت، ونحن نرسل الطبعات القديمة غير الصالحة للإستعمال لإعادة التدوير، في المقابل، للكتب المستعملة سوق جيّد جدّاً ويتوسع سنوياً بإزاء الوضع الإقتصادي السيئ، فالأهالي يسألون عن المستعمل قبل الجديد وحتّى لو لم يكن الكتاب “نظيفاً”، فالمهم أن يتناسب مع قدرتهم الشرائية”.

التغيير مرة كل ثلاثة أعوام

رأي نقيب الناشرين المدرسيين في لبنان ونقيب الطباعة جوزيف صادر مختلف عن رأي اصحاب المكتبات، ويوضح أنّ “طباعة الكتب لا تتغير سنوياً، بل كل 3 سنوات، وذلك ليتمكن الناشر من تضمين المستجدات التربوية الجديدة في كتابه، وعلى الاثر يتغير سنوياً عدد من الكتب لبعض الناشرين، وليس للناشر نفسه. وبغض النظر عن الاتهامات غير الصحيحة الموجهة الينا لا سيما في ما يخص أنّ الطباعة الجديدة تقتصر على تغيير الغلاف فقط، يهمنا التوضيح أنّ التغيير يرتكز على تحديث المحتوى التكنولوجي للكتاب”.

تسعّر الكتب بالتعاون مع وزارة الاقتصاد وتؤخذ بالاعتبار الكلفة الثابتة للمحتوى، وتقسم الى طبعتين فيستوفي الناشر حقه بعد 3 سنوات. وتلعب المضاربة بين الناشرين دورها في تسعير الكتب، ويقول صادر “بشكل عام، إنّ أسعار الكتب المدرسية مضبوطة في لبنان، الّا أنّ المشكلة الاساسية تكمن بسعر صرف الليرة، خصوصاً أنّ بعض الناشرين يشترون الحبر والورق بالدولار، فيبيعون كتبهم للمكتبات بالدولار أيضاً،على الرغم من أنّ هذه العملية غير قانونية، فالقانون اللبناني ينص على التسعير بالليرة اللبنانية. في المقابل، يجبر اصحاب المكاتب على شراء الكتب بالدولار من دور النشر، ويبيعونها بالليرة اللبنانية للطلاب. وإزاء الوضع الاقتصادي الصعب في لبنان، ظهرت هذه السنة معضلة أساسية ترتكز على خوف أصحاب المكتبات من صرف الليرة”.

35 في المئة من كتب المدارس الخاصة المُباعة هي كتب مستعملة، ويعتبر صادر أنّ “التعليم حقو مصاري”، لهذا السبب تتميز المدارس الخاصة عن “الرسمية”، والامر نفسه يطبق بالنسبة للكتب. ونحن كقطاع تربوي خاص نحبذ تغيير الطبعات كل 3 سنوات، وهذا حق مشروع عالمياً… فما رأيكم أنّ الكتاب التربوي الوطني ((التنشئة الوطنية) لم يتغير منذ 20 سنة؟ هذا غير منطقي أبداً، في وقت نحن نتكلف لاضافة البرامج التفاعلية والوسائل التربوية الحديثة على الكتب، وهمنا الأساسي تأمين التعليم الجيد لأولادنا، ولا يمكن أن “نبرمج أنفسنا بحسب جيوب الناس”، بل العكس هو الصحيح، لما في ذلك من إفادة لأولادهم”.

الاهل هم الحلقة الاضعف، يريدون تعليم اولادهم مهما كانت الاثمان، الّا ان الحمل ثقيل جدّاً هذه السنة، مع الإنكماش الإقتصادي المتزايد ناهيك عن افلاس عدد من الشركات، ولجوء بعضها الآخر إلى موازنات متقشفة واستغنائها عن موظفيها. نسأل الأهالي عن بدل أقساط أولادهم الذي يختلف من مدرسة الى اخرى، فيجيبون بسؤال: “يلي مكسور علينا أو يلي لازم ندفعو؟!”.

يرتبط اختلاف الأقساط من مدرسة الى اخرى بالقانون 515 المتعلق بأصول تحديد الأقساط المدرسية في المدارس الخاصة غير المجانية، قياساً الى نسبة الأجور والرواتب التي تبلغ 65 في المئة وما فوق من موازنة المدرسة ونسبة 35 في المئة لتطويرها. يتم تحديد القسط بمجموع 100 في المئة، التي تقسم على عدد التلامذة في المدرسة. ويتمّ تحديد الموازنة المدرسية في أوائل شهر تموز من كل عام بناءً على نسبة تسجيل التلامذة القدامى والجدد. فالمستحقات التي تدفعها المدرسة للأستاذ هي الراتب الشهري بالاضافة الى 6 في المئة لصندوق التعويضات و9 في المئة للضمان الاجتماعي.

يفند بطرس، رب عائلة لـ4 أولاد، كلفة أقساط أولاده ويقارنها مع معاشه، ويقول قبل حتّى أن يحسبها “كتر خير الله عايشين”. تُعلم المدرسة الكاثوليكية المسجل فيها أولاد بطرس، طفله الرابع مجاناً، بينما يكلفه كل من اولاده الثلاثة 6 ملايين ليرة للولد الواحد، أي 18 مليون ليرة سنوياً، من دون مأكل أو ملبس أو تنقلات أو قرطاسية… يتمتم بطرس “معاشي 36 مليون ليرة لبنانية سنوياً، وفي عملية حسابية بسيطة يبقى لي 18 مليوناً “لأسيسر” أموري مع عائلتي على مدار السنة و”بعدنا احسن من غيرنا”. في المقابل، أنا أصلاً لا أثق بكل ما هو عام ولا بالمدرسة الرسمية رغم كفاءة أساتذتها لكنها تعاني من سوء ادارة، وحتّى لو اردت تسجيلهم في المدرسة الرسمية، لا استطيع ذلك لعدم توافر الأماكن حيث أقطن. واتمنى أن تصحو الدولة وتوفر لأولادنا البطاقة التربوية التي هي حقنا كمواطنين ندفع الضرائب، فواجب الدولة ان ترعى التعليم ان كان خاصاً أو رسمياً، أقله حتى المرحلة الثانوية”.

سقوط هيكل المدارس الكاثوليكية؟!

المرجعيات الروحية التي ترأس المدارس الكاثوليكية لا تستطيع الاستمرار بالوضع الحالي، هذا ما يؤكده المطران حنّا رحمة رئيس اللجنة الاسقفية للمدارس الكاثوليكية لـ”نداء الوطن” قائلاً: “وضع أهالي التلامذة صعب وصعب جدّاً. في الواقع، لدينا الكثير من المشاكل الممتدّة من السنوات الماضية وصولاً الى هذه السنة، وعدد كبير لم يتمكن من تسكير متوجباته للعام الدراسي 2018-2019، فوصلت الديون الى نحو 100 مليار ليرة لبنانية. إنطلاقاً من هذا المشهد ناشدت بكركي الدولة لتحريك عجلة إقتصاد البلاد، والبحث عن مصادر الهدر لوقفها وعدم زيادة الضرائب على محدودي الدخل، ومساعدة الاهالي على تعليم اولادهم، لا سيما أنّ المدارس الرسمية غير مهيئأة لاستقبال اعداد كبيرة من التلامذة”.

يدرك المسؤولون عن المدارس الكاثوليكية مدى جدّية الوضع الآني، ويشيرون الى أنّ “الهيكل سيقع على رأس الجميع”، وبحسب رحمه “تعبنا لنبني هوية لبنان الثقافية والفكرية والتربوية، ويوجد من يعاتبنا من مبدأ أنّ العلم رسالة من دون أن يأخذوا بالاعتبار أنّنا نرهق آخر نقطة دم قبل ان تسلم مدارسنا الروح. وفي النهاية ستقفل المدارس الكاثوليكية أبوابها وسينصرف الرهبان والراهبات الى التوبة والصلاة في الأديرة. وأنا مسؤول عن كلامي، ففي السنة الماضية أقفلت مدارس كاثوليكية عدة أبوابها ولا سيما في الجبال والأطراف والمشكلة الاكبر ستكون عند سقوط المدارس الكبيرة. ونحن غير قادرين على مساعدة الأهالي، لأنّ الدولة لا تقدم لنا أي مساعدة، وكل ما يمكن القيام به هو السماح للأهل بتقسيط الأقساط المتوجبة عليهم من سنة الى اخرى. ونتمنى لو كان باستطاعتنا المساعدة بشكل أوسع، الّا أننا لا نملك مطبعة مال، ويوجد علينا مسؤوليات وواجبات، كالدفع للموظفين وللأساتذة، وتسديد فواتير الكهرباء والمياه والصيانة والترميم، والضمان الاجتماعي وضريبة الدخل وصندوق التعويضات وغيرها”، وتوجه للأهالي بالقول: “عندما تعطى لكم فرصة التغيير، تصرفوا بمسؤولية وصوتوا بضمير، ولا تحاربوا من يحاول مساعدتكم، ولا تقفوا ضدنا، وتفهموا انه لدينا متوجبات مالية أيضاً علينا تسديدها. ونطلب من الدولة تحمل مسؤولياتها واعتماد البطاقة التربوية وأن تأخذ على عاتقها مسؤولية تعليم أولادنا، وكنا قد تحدثنا مع رئيس الجمهورية ميشال عون عن العمل بهذا القرار المتخذ سنة 1973، ووعدنا بالعمل على هذا الموضوع”.

حسومات على الأقساط

خطوة إنسانية حملتها على عاتقها مدرسة “سان أنطوني سكول الحديثة مستيتا- جبيل” في ظل غيبوبة الدولة وعدم تحمل المسؤولين مسؤولياتهم بجدية، ودفعت الأفراد الى التفكير بطرق لمساعدة الناس، فقررت إدارة المدرسة مراعاة الاوضاع النفسية والإجتماعية والإنسانية السيئة التي نمر فيها جميعاً، واضعةً الخطط للمساعدة في هذا الظرف. في هذا الصدد، أرسلت اعلاناً يتضمن الحسومات على أقساطها وفق حالة كل شخص… والتجاوب كان سريعاً وكثيفاً. في هذا السياق، قال مدير المدرسة د. جان كلود صعب لـ”نداء الوطن”: “مرّ أسبوعان على بدء التسجيل في المدرسة، وتفاعل العديد من أهالي المنطقة وخارجها مع الإعلان المرسل، وقصدونا للإستفسار أو لتسجيل أولادهم. والملفت أنّ جميع الأهالي من دون استثناء طالبونا بالمساعدة ليتمكنوا من تسجيل وتعليم أولادهم هذا العام. كما أنّ عدداً لا بأس به من الأهالي نقل أولاده من المدارس المرتفعة الأقساط، قصدنا وسجل أولاده في مدرستنا. مع الإشارة الى أنّ قسط مدرستنا متوسط، رغم ذلك فنحن ملتزمون كل الإلتزام بما أعلنّا عنه، لا سيما بالنسبة لمن لديهم وضع خاص. في المقابل، الوضع معقد جدّاً، فالدولة لا تملك الأبنية الكافية لاستيعاب عدد كبير من الطلاب، ويوجد مليون طالب لبناني 650 الفاً منهم في المدارس الخاصة، فلا أعرف كيف تزيد الدولة الأجور وتجبر الشعب على تحملها وهي غير قادرة على مساعدته، متناسية واجباتها تجاه الحق في التعليم. من هذا المنطلق قررنا العمل وفقاً لنظام تقشفي وضبط كل المصاريف الزائدة في مدرستنا، شرط ألّا يؤثر ذلك على مستوى التعليم لا سيما أنّ نسبة نجاح طلابنا في الشهادة الثانوية العام الماضي كانت 100 في المئة. أمّا في ما يخص الحسومات، فنقوم بدرس كل حالة بحالتها، ويشمل الحسم كل الصفوف من دون استثناء وتصل نسبة الحسم الى حدود الـ 70 في المئة، كذلك، نعلم الطفل الثالث في العائلة نفسها مجاناً”.

قانون سلسلة الرتب والرواتب الرقم 46 الذي صدر منذ سنتين بشكل عشوائي، رفع رواتب وأجور الأساتذة في القطاعين العام والخاص، وارتفعت معه كلفة التعليم الخاص. ويوضح صعب أنّ “المدارس لم ترفع الأقساط المدرسية بل إنّ القانون أجبرها، وأوصل الأهل الى مشكلة صعوبة تسديدها.

وفي ما يخص هذه السنة، فإنّ الزيادة على الأقساط تختلف بين مدرسة وأخرى فبعض المدارس اتفقت مع أساتذتها على دفع “الزدوة” على مدى سنتين. كذلك فإن 15الى 20 في المئة من الأهالي، لم يسددوا الأقساط المدرسية للسنة الماضية أو التي سبقتها رغم متابعتهم والاتصال بهم، الّا أنّهم يتهربون منّا لعدم قدرتهم على سداد المتوجب عليهم ونحن نحاول تفهم الأوضاع السيئة التي يمر بها جميع اللبنانيين، قدر المستطاع. خاتماً “نطالب دائماً كنقابة مدارس خاصة، بالبطاقة التربوية التي تدعم الأهل بتعليم أولادهم، وهذا حقهم وفق الدستور اللبناني”.