Site icon IMLebanon

عن أي أزمة نتكلّم؟

كتب وزير المال الأسبق جورج قرم في صحيفة “الأخبار”: 

 

اشتهر لبنان في تاريخه الاقتصادي الحديث بحرّية التعامل بالنقد الأجنبي وبقوّة العملة المحلّية، ومنذ الاستقلال لم يحصل أيّ تطوّر سلبي إسوة بما نشهده اليوم، إذ يدخل البلد تدريجياً مرحلة منع التحويلات إلى الخارج. وهنا تبرز مسؤولية السياسات النقدية والمالية والاقتصادية التي حكمت لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي.

على الرغم من نيل الاستقلال في عام 1943 وفكّ ارتباط الليرة اللبنانية بالفرنك الفرنسي، إلّا أن لبنان تأخّر نسبياً في تأسيس بنك مركزي وتطوير الجهاز المصرفي، وكان بنك سوريا ولبنان يلعب دور مؤسّسة إصدار النقد. لاحقاً، تمّ تأسيس جمعية مصارف لبنان في عام 1959، وتحوّلت إلى أكبر قوّة ضغط في البلاد، وفي عام 1963، تأسّس مصرف لبنان وصدر قانون النقد والتسليف. أوّل خضّة واجهها القطاع المصرفي والبنك المركزي الفتيّ، تمثّلت بتوقف بنك إنترا عن الدفع عام 1966 بعد أن امتنع مصرف لبنان عن مدّه بالسيولة على الرغم من جودة موجوداته واستثماراته، انصياعاً لضغوط كبار المصرفيين اللبنانيين. إثر انهيار بنك إنترا الذي كان قد بنى إمبراطورية في لبنان والخارج، أفلست العديد من المصارف الصغيرة ودخل الاقتصاد الوطني مرحلة من الركود، فتمّ إنشاء لجنة الرقابة على المصارف وكان الرئيس سليم الحصّ أول رئيس لها، ومن ثمّ تمّ تطوير بنك للتسليف الصناعي والعقاري والسياحي.

الجدير بالملاحظة هو دور المسؤولين السابقين في القطاع المالي والمصرفي السوري في تطوير القطاع المالي اللبناني، كما هو الحال مع بنك لبنان والمهجر الذي أسّسه مسؤولون سوريون سابقون. وفي تلك الحقبة التاريخية، استفاد لبنان أيضاً من تدفّق رساميل عربية إليه من دول عربية عديدة كانت قد أمّمت قطاعها المصرفي، وفي بعض الحالات قطاعات اقتصادية واسعة أيضاً. شكّلت هذه العوامل مجتمعة فرصة لتطوّر النظام المصرفي اللبناني بشكل سريع وكبير.

كانت الحقبة بمثابة العصر الذهبي للبنان، بكلّ معنى الكلمة، خصوصاً أن بيروت بدأت تتحوّل إلى مركز مالي إقليمي، لا سيّما بعد أن قامت بعض الشركات الأجنبية بإصدار سندات دين دولية بالليرة اللبنانية مثل شركة رينو الفرنسية والبنك الجزائري للتجارة الخارجية.

في عام 1975، دخل لبنان في القلاقل السياسية الداخلية، ومن المفيد ذكره أن سعر الصرف في حينه كان يعادل ليرتين مقابل كلّ دولار أميركي. وبقيت الليرة قوّية على الرغم من ظروف الحرب، لا بل شهدت تحسّناً في قيمتها بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982، حين تفاءل الناس بسذاجة تامّة مع الأمر، فازدادت تحويلات المغتربين إلى لبنان لاستثمارها في القطاع العقاري، وشهدت البلاد حركة بناء ناشطة وخصوصاً في جونية والمعاملتين. ولم يبدأ سعر صرف الليرة اللبنانية بالتدهور إلّا في منتصف الثمانينيات، حين انطلقت عمليات المضاربات على الليرة اللبنانية، والتي خاضتها الميليشيات اللبنانية وبعض المصارف بحركة بيع ومن ثمّ شراء للعملة المحلّية على إيقاع التوترات العسكرية الميدانية. فتراجعت احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، وتفاقم نزف الاحتياطات بعد أن تمّ دفع قيمة صفقة سلاح مع الولايات المتحدة الأميركية نقداً، وقد بلغت نحو مليار دولار، بدلاً من ترتيب أقساط للمبلغ على دفعات. وبالنتيجة تدهور سعر صرف الليرة من 3 ليرات للدولار في منتصف الثمانينيات إلى 800 ليرة للدولار في نهايتها.

التدهور الأكبر في قيمة الليرة اللبنانية كان في بداية التسعينيات، وتحديداً في عام 1992 في ظلّ حكومة الرئيس عمر كرامي، على الرغم من تحسّن الظروف الأمنية. ففي أواخر ذلك العام، بدأت الموجة الأخيرة من المضاربات ضدّ الليرة، التي تدهورت قيمتها إلى ما يقارب الـ2900 ليرة للدولار الواحد من دون أيّ سبب، ذلك أن الإحصاءات كانت تبيّن وجود فائض متواضع في ميزان المدفوعات، وإنّما فائض. هذه الحقبة كانت حقبة التحضير للإتيان بالرئيس رفيق الحريري رئيساً لمجلس الوزراء في ظلّ نظام الوصاية الثلاثية على لبنان، الأميركية – السورية – السعودية. ومع مجيء الرئيس الحريري، سرعان ما تحسّن سعر الصرف وبلغ في نهاية العام نحو 1600 ليرة للدولار، لكن اللافت أنه لم يعد إلى سعره في بداية عام 1992، إذ كان مصرف لبنان يتدخّل لصالح الدولار بدلاً من الليرة لتسهيل شراء العقارات بأسعار بخسة.

هذه التطوّرات المؤسفة أفقرت فئات واسعة من الشعب اللبناني التي لم يكن لها أرصدة بالدولار، وكانت رواتبها ومعاشاتها التقاعدية بالليرة اللبنانية.

على وقع هذه الصدمات المتتالية، تأسّس نظام نقدي جديد، وأصبح الدولار الأميركي بمثابة عملة محلّية رئيسية، بتشجيع من مؤسّسات الدولة وفي مقدّمها البنك المركزي الذي كان يجري مقاصة الشيكات بالدولار الأميركي وليس على الليرة اللبنانية حصراً. كان ذلك خطأ جسيماً، فدخلنا عهد ازدواجية العملة، وقد قمت بتحليل مساوئ هذا النظام في مقال سابق، وهو ما تؤكّده آراء خبراء دوليين أيضاً. ضَمَن النظام النقدي الجديد، الذي لا مثيل له في العالم، تأمين مكاسب هائلة للأثرياء اللبنانيين والعرب في لبنان، إذ شجّع المصارف على الاستدانة بالدولار بمعدّلات فائدة معتدلة تراوح بين 5% و6%، وتوظيفها بسندات خزينة بالليرة اللبنانية بمعدّلات فائدة وصلت إلى 35% في ظلّ نظام سعر صرف ثابت. هكذا بدأ تراكم الدَّيْن اللبناني، وأصبحت فيما بعد الدولة تصدر سندات خزينة بالدولار الأميركي. وتجدر الإشارة إلى أن لبنان خرج من الحرب الأهلية من دون أيّ دَيْن يذكر (ما يعادل 1.5 مليار دولار بالليرة اللبنانية).

من ينظر إلى المالية العامّة للدولة في هذه السنوات، يرى أن الموازنات لم تكن تعاني من عجز كبير، لا بل تعاظم عجز الموازنة نتيجة الزيادة المتواصلة لكلفة خدمة الدَّيْن العام، إلى أن أصبحت هذه الكلفة تمثّل تقريباً 40% من نفقات الموازنة أي ما يعادل كلفة الأجور والرواتب في كلّ الدولة اللبنانية.

والجدير بالذكر هنا، أن وزارة المالية عبر مصرف لبنان كانت تصدر سندات خزينة بمبالغ تفوق حاجات الدولة. في حينه، بادر الرئيس سليم الحصّ، الذي كان يتزّعم المعارضة لسياسات الرئيس رفيق الحريري، إلى إصدار قانون يمنع وزارة المالية من إصدار سندات خزينة تفوق الحاجة الفعلية للخزينة.

بطبيعة الحال، أدّى عهد الاستدانة بالدولار الأميركي إلى تمكين العديد من المتموّلين اللبنانيين وغير اللبنانيين من جني الأرباح الطائلة عبر الاستثمار بالدَّيْن العام.

بلغت هذه اللعبة المُدمّرة للاقتصاد اللبناني والمالية العامّة اللبنانية حدّها الأقصى بالهندسات المالية، التي وفّرت للقطاع المصرفي أرباحاً إضافية. وبنتيجتها أصبح جزء كبير من موجودات المصارف بالعملة الأجنبية في حوزة مصرف لبنان، وفقد القطاع المصرفي استقلاليته تجاه البنك المركزي.

المشكلة الفعلية التي نعيشها اليوم هي فقدان الدولار من الأسواق لأن العديد من المدّخرين الكبار إمّا حوّلوا ودائعهم بالدولار إلى الخارج أو لأن العديد من الناس أصبحوا يخزّنون الدولارات في بيوتهم تحسّباً للأسوأ.

ممّا لا شكّ فيه أننا نعيش فترة استثنائية في تاريخنا المالي والنقدي من ناحية انهيار الثقة بالنظام النقدي اللبناني وطرق إدارته طوال العقود الماضية. في أسوأ الظروف السياسية والعسكرية لم يمرّ لبنان بمثل هذه الأزمة، بل العاصفة النقدية، وهي نتيجة عقود من الاستهتار وعدم احترام الحدّ الأدنى من قوانين الإدارة السليمة المالية والنقدية. هذا مع الإشارة إلى أن أخطاء جسيمة ارتُكبت مؤخّراً بتسويق سندات الدَّيْن اللبنانية المُحرّرة بالدولار خارج لبنان، بينما أهمّ مصدر قوّة واستقرار كان بقاء الدَّيْن بالدولار في حوزة المصارف اللبنانية وكبار المتموّلين المقيمين.

هنا تكمن الخطورة والانزلاق نحو وضع جديد يشبه وضع اليونان سابقاً، مع سبب ضعف إضافي، أننا لسنا جزءاً من منطقة اليورو. لذلك يجب مساءلة من قاموا بتسويق سندات الدَّيْن اللبنانية المُحرّرة بالدولار خارج السوق اللبنانية، لأن ذلك قد أدّى إلى انكشاف خطير تجاه الخارج.

ولا بدّ أيضاً من الإشارة إلى موجة الانكماش الاقتصادي الكبير الذي نعيشه بسبب سياسات تقشّفية غير مدروسة تزيد الطين بلّة، لأن في ظلّ الانكماش الاقتصادي لا يمكن أن تزيد الحركة الاقتصادية ونخرج من حلقة مُفرغة صنعتها السياسات الاقتصادية والمالية التي نسير عليها منذ بضع سنوات. وإن مثل هذا الوضع يؤدّي، كما هو واضح، إلى هبوط حادّ في تحويلات المغتربين الذين يفضّلون إبقاء مدّخراتهم خارج لبنان.

هي إذاً أزمة ثقة بكلّ أبعادها، من دون أن تقوم السلطات اللبنانية من تشريعية وتنفيذية بمعالجة منطقية وسليمة، بل كلّ ما نراه هو إجراءات تضرب الوضع الاجتماعي للفئات الوسطى والفئات المحدودة الدخل.

يصعب بطبيعة الحال التنبّؤ بما سيحصل، لكن على قوى التغيير أن تتحرّك وتؤكّد وجودها وتحضّر لمستقبل أفضل ولإجراءات تحدّ من الأضرار الجسيمة التي تحيط بنا.