Site icon IMLebanon

ثورة في علاج القلب والشرايين!

كتبت ماريانا معضاد في صحيفة الجمهورية:

تؤدي التقنيات المتطورة لعلاج أمراض القلب في العالم دوراً أساسياً في تخفيض نسبة الوفيات جرّاء هذه الأمراض أولاً، وفي تحسين نوعية حياة مرضى القلب والشرايين ثانياً. ولبنان من أهم الدول في العالم من ناحية خبرات أطباء القلب، ولكن من المشاكل التي يعانيها المرضى هنا صعوبة تغطية الجهات الضامنة لبعض العمليات المتطوّرة، والتي تأتي بفائدة كبيرة للمريض.

في حديث لـ«الجمهورية»، تناول الدكتور ميش فهد، اختصاصي في القلب والشرايين في مستشفى أبو جوده، وطبيب سابق في باريس، وأستاذ محاضر سابق في الجامعة اليسوعية – كلية الطب وكلية العلوم، أحدث التقنيات الطبية لعلاج شتى أمراض القلب والشرايين، مجزئاً أهمها إلى 4 أقسام:

-أمراض الشرايين

-انسداد الصمام الأبهر

-عدم انتظام دقات القلب

-الضعف العضلي

قال د. ميش: «في الأعوام الفائتة، شهد طب القلب والشرايين تطوراً تكنولوجياً ملحوظاً، مع ظهور تقنيات حديثة ومتطورة جداً لمعالجة معظم أمراض القلب».

1 – أمراض الشرايين:

وفقاً للدكتور فهد، «إنّ أكبر سبب وفيات في العالم هو أمراض الشرايين. فتشكل ضحايا هذه الأمراض حوالى 20% من مجمل الوفيات في العالم، ما يوازي حوالى 8 ملايين حالة وفاة سنوياً في العالم. إذا نظرنا في تاريخ علاجات أمراض الشرايين، نأتي بهذه الوقائع:

– في العام 1977، أجريت أول عملية فتح شريان بالبالون في سويسرا،

– في العام 1986، استُعمِل أول «راسور» في فرنسا،

– في العام 2002، تطورت الرسورات (Stent) بشكل كبير، ولكنها ظلت تُستَعمل في معظم الأحيان فقط للانسدادات البسيطة والسهلة تقنياً، ويخضع المريض لعملية قلب مفتوح في الحالات الأصعب.

– في السنوات العشر الأخيرة، أصبحنا قادرين على علاج معظم الانسدادات، حتى المعقدة والصعبة، تفادياً لجراحة القلب المفتوح. اليوم، نستعمل تقنيات متطورة لفتح انسدادات على الجزع الأساسي، او على مفترق شرايين، او الإنسدادات الكاملة المزمنة او وجود تكلّس شديد في الشريان، إضافة الى وجود معدات حديثة لتقييم الانسدادات المتوسطة واختيار العلاج المناسب لها.

«هذه التقنيات المتطورة في عالم الرسورات وغيرها، تعتبر ثورة في معالجة شرايين القلب، وفوائد هذا التقدم سرعة تعافي المريض وعودته إلى حياة طبيعية».

2 – انسداد الصمام الأبهر:

أشار د. فهد أنّ «حوالى 2% من الذين يتخطون عمر الـ65 يعانون من انسداد الصمام الأبهر. ونسبة الوفاة تصل إلى 60% بعد 5 سنوات من الإصابة، وإلى 90% بعد 10 سنوات! كلاسيكياً، العلاج هو عملية القلب المفتوح، وكنّا نزرع صماماً بيولوجياً أو ميكانيكياً. ولكن في العام 2002، تم اكتشاف أول صمام يمكن إدخاله من شريان الرجل إلى مكان الصمام الأبهر وعُرِفَ بالـ TAVI.

وانتشرت هذه التقنية الجديدة بسرعة كبيرة، لاسيما في السنوات الـ5 الأخيرة في العديد من المستشفيات في لبنان. مشكلة هذه التقنية الوحيدة هي الكلفة العالية، وصعوبة أكثرية الجهات الضامنة في تغطية تكاليف العملية. في السابق، كانت تُجرى هذه العملية فقط للمرضى الذين يتعرضون لخطر كبير في حال الخضوع لعملية القلب المفتوح. مع مرور السنوات، أصبح يوصى بها للمرضى الذين يتعرضون لخطر متوسط، وفي السنوات الآتية نتوقع أن تصبح لجميع المرضى وتحل مكان القلب المفتوح؛ إذ تشبه مسيرة تقنية الـ بـTAVI مسار «الراسور» في بدايته.

3 – عدم انتظام دقات القلب:

لحالات عدم انتظام دقات القلب أنواع مختلفة، أهمها الرجفان الأذيني atrial fibrillation). وبحسب د. ميش، «إنّ 1% يصابون بمرض عدم انتظام دقات القلب بعد تخطّي عمر الـ60، و10% بعد عمر الـ80. كلاسيكياً، كنّا نتبع العلاج بالأدوية. بعض المرضى يتجاوبون، وآخرون لا. لذا، حاولنا تطوير تقنيات لإزالة المنطقة في القلب التي تنتج الكهرباء غير المنتظمة.

وحديثاً، جرى تطور كبير في العالم، وبلغ التطور لبنان، وهو وسائل لإزالة نقاط الكهرباء التي تتسبّب بدقات قلب غير منتظمة. وهناك طريقتان لذلك، وهي إمّا استعمال الحرارة الشديدة (radiofrequency)، أو البرودة الشديدة (cryoablation). وتبيّن أنّ نسبة النجاح أكثر من 90%، حسب نوع عدم الانتظام. في لبنان، هذه التقنية في تطور دائم، ولكن مشكلتها هي أيضاً صعوبة تغطية الجهات الضامنة لها، على الرغم من عدم ارتفاع كلفتها.

4 – ضعف عضلة القلب:

وصف الدكتور ميش ضعف عضلة القلب بأنه «مرض خطير جداً يلزمه متابعة شديدة. في الواقع، هناك 6 إلى 10% من الناس يعانون ضعفاً في العضلة بعد عمر الـ65، وأكثر من 10% بعد عمر الـ75. كما أنّ نسبة الوفاة هي 50% بعد 5 أعوام من الإصابة، أكثر من العديد من الأمراض السرطانية.

ونذكر أنّ الحالات الخلقية نادرة نسبة للحالات التي تحدث مع تقدم العمر، وخاصة المرضى الذين يعانون الضغط وأمراض الشرايين.

وسلّط د. فهد الضوء على أهمية وجود في المستشفيات «وحدات الاهتمام بمرضى ضعف عضلة القلب» (Heart failure unit)، وكنّا السباقين في مستشفى ابو جودة، حيث تهتم ممرضة متخصصة بكل نواحي المرض: من الأدوية، إلى الرياضة، فالطعام، والضغط والوزن، والإرشادات وغيرها، مع متابعة في عيادة ضعف العضلة بشكل شهري، والأهم من ذلك انّ كل هذا العمل مجاني، وهذه نقطة مهمة. واننا نلمس الإيجابيات الكثيرة لهذه المتابعة.

«في الحقيقة، الفكرة وراء هذه الوحدات لضعف العضلة في لبنان آتية من المستشفيات المخصصة فقط لمرضى ضعف عضلة القلب في أوروبا، حيث يقضي المريض أيامه في المستشفى لفترة معينة (من 3 أسابيع إلى 3 أشهر)، ويتلقى تثقيفاً كاملاً حول الموضوع، وتستمر الدولة في إعطائه أجره المعتاد، كي يتعايش مع حالته».

وبالعودة إلى لبنان، «لقد أصبح لدينا في الأعوام الفائتة أدوية جديدة لمرضى ضعف عضلة القلب. فساهمت في تراجع في ضيق النفس، ورفع القدرة على السير مسافات أطول، وتقليص عدد المرات التي يدخل فيها المريض إلى المستشفى جراء مضاعفات في العام الواحد، وغيرها». وقد خفضت كل من هذه الأدوية الجديدة نسبة الوفيات بين 20 و40%.

إذاً، نلخص التطورات الجديدة في ضعف العضلة بـ: أدوية متطورة + وحدات مخصصة للاهتمام بمرضى ضعف العضلة + البطاريات (منذ التسعينات) + زراعة قلب موهوب، لاسيما للمرضى غير المتقدمين في العمر. ولكن قلة الواهبين تشكّل مشكلة كبيرة. لذا، تم تطوير جهاز طبي يسمى LVAD ويُعرَف «بالقلب الاصطناعي». غير أنّ الجانب السلبي هو أنه موصول بحقيبة يحملها المريض طوال الوقت. ولأن هناك صعوبة العثور على واهب للقلب، تم تطوير الجهاز، وأصبح باستطاعة المريض استعماله طوال حياته.

ختاماً، قال د. ميش فهد: «هذه أكثر التطورات شيوعاً في علاجات مشاكل القلب والشرايين. في السنوات الـ10 الفائتة، حدثت ثورة في تقنيات معالجة أمراض القلب والشرايين، وأصبحنا على مقدرة – وبأقل من ساعة واحدة – من معالجة جرحة قلب خطيرة بواسطة تقنيات مبسّطة، والسماح بعودة المريض إلى منزله في اليوم التالي أو ما بعده».