Site icon IMLebanon

الحريرية تخوض “معركة الوجود”.. وتحدي صعود “البديل”

كتب عمّار نعمة في صحيفة “اللواء”:

إنها معركة الذود عن الذات تلك التي يخوضها زعيم «تيار المستقبل» الرئيس سعد الحريري في مرحلة دقيقة يمر فيها وتياره يمكن الذهاب معها الى تسمية المرحلة بـ»حرب الوجود» بالنسبة الى الرجل.

بالنسبة إلى كثيرين، فإن الحريرية السياسية كما جاء بها الرئيس الشهيد رفيق الحريري تبدو مهددة. ربما ليس الأمر لناحية قهر الظروف والأخصام والأعداء، القريبين منهم أو البعيدين، لهذه الظاهرة، بقدر ما يتعلق بتعرضها لضربة يأمل البعض أن تشكل بدء العد العكسي لها على طريق الأفول.

لم يكن أمام الحريري الإبن بدّ من الانتقال الى مرحلة الهجوم المضاد وهو خير وسيلة للذود عن النفس. شحن كل الأسلحة المناسبة نحو مرحلة مقبلة ستشهد تموضعه مع حلفاء الزمن الجميل للأب والإبن. وكما فعل عندما تقلص حضوره النيابي في انتخابات العام 2018، حين خرج الأخصام مزهوين بما اعتبروه انتصارا على الرجل أسس لقضم معتبر من حصته في السلطة، فظهر زعيم التيار الأكبر على الساحة السنية ليعلن عدم خسارة الحرب، يقوم الحريري بالمهمة نفسها اليوم.

يستذكر القيادي في «المستقبل» مصطفى علوش مراحل عدة تعرض خلالها الحريريان للضربات، لكنهما خرجا منها بقوة. حصل ذلك في زمن رفيق الحريري العام 1998 حين أجبر على الخروج من السلطة قبل أن يعود بتأييد شعبي جارف في انتخابات العام 2000. وتكرر الأمر مع الحريرية نفسها مع زلزال اغتيال الحريري العام 2005، لكنها صمدت وحققت الفوز الانتخابي تلو الآخر.

مع سعد الحريري يمكن العودة الى العام 2011 مع إخراجه المُحرج من الحكومة خلال زيارته الرئيس الاميركي باراك أوباما تحت عنوان الـ»وان واي تيكت»، لكنه عاد الى السلطة.. ولو بالتدريج. بالنسبة الى علوش، فإن عودة أي تيار الى السلطة يرتبط بكيفية معالجته لأزماته، وهو ما يجب على «المستقبل» الشروع به مع خروج زعيمه من السلطة.

 

تغيّر القيادات العونية قد يعيد التسوية

والواقع أنه خلال احتفال «بيت الوسط»، شكل الهجوم على العهد مواربة ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل مباشرة، الوسيلة الأنجع لاستقطاب الجماهير وللدفاع عن النفس في وجه أزمة كبرى في البلاد كما في وجه انتفاضة شعبية شكلت قرارات حكومة الحريري والمقربين منه شرارتها.

كان الحريري يعلم تماما تراجعه شعبيا، وتحت عنوان إعادة إطلاق الحريرية والضرورات الأمنية، نقل احتفال 14 شباط من «​البيال»​ إلى ​«بيت الوسط»​ لكي يغصّ المكان بالمحتفلين. والواقع أن إخراج الاحتفال كان بارعا في اللعب على الوتر العاطفي واستذكار كل من حارب رفيق الحريري والدفع عن النفس تهمة التورط بأزمة البلاد. وبكلمات أخرى، كان زعيم «المستقبل» يوجه الاتهامات ويحمل المسؤولية الى كل من وقف في وجه مشروع الأب الطموح الذي قدم الى السلطة في زمن السلم لإعادة بناء ما دمرته الحرب.

من هنا، شكلت رموز الماضي المُتهمة بمحاربة الحريري، كما تلك الجديدة، مضبطة الاتهام، في مقارنة بين من حارب الأب لإنهائه سياسيا ومن يحارب الإبن للسبب نفسه.

والحال أن فضلاً كبيراً يسجل للحريري في نقل البلاد من مرحلة الفراغ الرئاسي المؤذي السابق في اتجاه مرحلة جديدة أمل منها أن تؤسس الى عهد جديد في لبنان يشكل معه الحريري الضلع المؤسساتي الهام على الساحة.

لذلك كانت مساهمته في وصول العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية. لكن في حسابات العهد وباسيل كانت مرحلة نحو ثنائية مارونية سنية متجددة بين باسيل والحريري. والواقع أن التسوية صمدت طيلة سنوات ثلاث برغم ما اعتراها من عثرات غلّفتها استفادة متبادلة في السلطة، لكن مع تفجر الغضب الشعبي في 17 تشرين الأول الماضي ومن ثم تقديم الحريري لاستقالته مرغما بعد ان بات في وجه الناس، من دون إستشارة العهد، تشكلت فجوة بين الجانبين عمّقها سعي الحريري لحكومة يُخرج منها باسيل.

فشل الحريري في خطته، وكانت من المفارقات أن من ساهم في إفشاله كان حليفه «القواتي» سمير جعجع الذي أعلن انه لن يمنح الثقة في المجلس لحكومة يؤلفها الحريري. وبغض النظر عن المسبب في خروج زعيم «المستقبل»، فإن الاخير قد نعى التسوية، وتقارب مع حلفائه التاريخيين وعلى رأسهم زعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، في ظل مساعي لمد جسور التلاقي مع جعجع.

وبينما يسود في أوساط «التيار الحر» رأي أن لا عداوة مطلقة في السياسة، وأن لا امكانية لاستئناف الحريري قوته من دون تسوية أخرى مع باسيل في المستقبل، يلفت علوش الى إمكانية الأمر، لكن تشوبه صعوبات كبرى. وهو يعود الى أساس المشكلة: التسوية تقوم على تفاهم بين جانبين، أما عندما لا يقوم أي طرف باحترامها، فإنه بذلك يسقطها كما حصل مع اتفاق معراب. ولعل ثمة دعابة يطلقها علوش ولو في شكل جاد لدى سؤاله حول إمكانية بعث تلك التسوية من جديد عبر استفهام مقابل: من يعلم قد يتغيّر التيار الوطني الحر أو قياداته فتعود التسوية!

 

مُعارضة شاملة.. خارج «14 آذار»

وبذلك يلخص علوش صعوبة التوافق اليوم مع باسيل، لكنه يؤكد ضرورة قيام جبهة جديدة برلمانية وشعبية في وجه الحكومة برغم أن الأمر قد يتخذ وقتاً.

وبينما يدعو البعض ممن إنضوى في قوى «14 آذار» الى إحيائها من جديد في ظل جهود من قبل جعجع خصوصا على هذا الصعيد، يرى علوش أن المعارضة الجديدة يجب أن تضم قوى على امتداد الساحة السياسية وليس حصرا ضمن «14 آذار» التي لم يعد اطارها صالحا.

ويلفت الى أن قوى وشخصيات جديدة قد استجدت اليوم على الساحة، ويجب مواءمة جهد معارضة الشارع والبرلمان في ظل المعطيات الجديدة التي طرأت على البلاد.

كما تبرز رغبة عند معارضين لحكومة الدكتور حسان دياب لوضع خارطة طريق لمرحلة ما بعد خطاب الحريري عبر إعادة ترتيب التحالفات ومنها مع «القوات اللبنانية» بعد تنقية الماضي، بعد تثبيت العلاقة مع «الإشتراكي»، واستمالة تيارات هامة أخرى مثل حزب «الكتائب» وغيره حتى من هم في قوى ما يعرف بـ»الممانعة»، ولما لا رئيس مجلس النواب نبيه بري وزعيم «تيار المردة» سليمان فرنجية؟

وبالنسبة الى أصحاب الفكرة هذه فإن من الأهمية بمكان تحديد الأهداف لكل مرحلة ووضع برنامج إنقاذي شامل يلحظ التشارك مع المنتفضين في الشارع. والواقع أن الجميع أدرك أن ما بعد 17 تشرين ليس كما قبله.

متطلبات العودة

يراهن الحريري وتياره على عودته إلى السلطة من باب السرايا وهو يراهن على الوقت كما على أخطاء حكومة دياب والمتغيرات الخارجية المحيطة.

هو لم يستهدف دياب، حتى الآن، لكي لا يظهر معطلاً، وشرع في تحصين الذات سنيا وشد العصب والمناداة بحماية إتفاق الطائف الذي وفر بعض السلطات لرئيس الحكومة، بالتزامن مع الهجوم على من يستهدفه وهما عون وباسيل، مع تحييد «​حزب الله​« الذي انتقده من دون تشنج في خطابه الأخير، في ظل ربط النزاع معه على قضايا ثلاث: السلاح، المحكمة وسوريا.

إنه رهان على الوقت، وفي صفوف «المستقبليين» ثقة في أن حكومة دياب لن تكون قادرة على التصدي للتحديات، لكن المهمة الاساسية اليوم هي لتحصين التيار من الداخل. ويبدي علوش، الذي سبق وأشار الى خلل داخلي في صفوف التيار، ثقة بأن الحريري سيؤدي المهمة مع ضرورة التخلص نهائيا من العائلية والشخصانية وتوفير فرص متساوية للجميع للتطور وأداء مهامهم في التيار. وهي أمور تتطلب بحسم متابعين لأداء التيار، نزول الحريري الى القاعدة وعدم التعاطي بفوقية وبيروقراطية تفقد القائد شعبيته المهتزة أصلا.

غياب البديل.. إلى متى؟

يشير كثيرون الى أن حبل النجاة بالنسبة الى الحريري والذي يتمسك به دوما، يتمثل اليوم في غياب منافس سني يقارعه على مساحة تواجد الطائفة في البلاد. ليس ذلك فقط، الرجل يشكل حاجة حتى للأخصام كما للخارج، لكن وجوده خارج السلطة، وإن جلب له التعاطف، سيُهمشه، خاصة وأن لا ضمانات بأن انتخابات نيابية قد تجري في ظل الظروف الحالية، ناهيك عن تلك المبكرة التي طالب بها «زعيم المستقبل» في خطابه الأخير.

وفي هذه الأثناء، قد يجد بعض المنافسين من شخصيات وتيارات فرصة للصعود، ولو نسبيا، في وجه الحريري الذي لم يعد يتمتع بالحاضنة الاقليمية والدولية السابقة، ومن شأن «فشله في لملمة التيار أن يؤسس لفراغ يصعد عبره البديل له». ولن يكون في مقدور زعيم «المستقبل» لحماية الحريرية السياسية سوى إعادة رص الصفوف مع الحلفاء الذين عليهم احتضانه، لكن على الرجل تقبل عدم عودة الحريرية الى أزمنتها الذهبية حين تفردت بالواقع السني في البلاد الذي لم يتم اختزاله معظم مراحله التاريخية بزعامة واحدة، خاصة وأن مرحلة خروج الحريري من الحكم قد لا تكون قصيرة.