Site icon IMLebanon

مصابون بـ«كورونا» يروون تجاربهم: ألم ووحدة وخوف من الموت

يخيّم الموت على المستشفيات والقلق على المنازل وكذلك الوحدة والرغبة في المشاركة أو بالتغيير… مصابون بفيروس كورونا المستجدّ يروون آلامهم ومخاوفهم، وقد فضّل بعضهم عدم الكشف عن أسمائهم الكاملة:

الموت يخيّم على المستشفى

فابيو بيفيرالي، طبيب قلب إيطالي من سكان روما يبلغ 65 عاماً: أمضى ثمانية أيام «معزولاً عن العالم» في قسم العناية الفائقة والإنعاش في مستشفى بوليكلينيكو اومبيرتو أونو في روما، وهي عيادة طبّ أسنان تم تحويلها إلى مستشفى لمواجهة الأزمة. وقال فابيو «كنت أشعر بآلام غريبة (…) كأن هناك قرداً على ظهري. هكذا وصف أحد المرضى لديّ العوارض التي شعر بها». وأضاف «علاج الأكسجين مؤلم والبحث عن الشريان الكعبري صعب. كان أفراد الطاقم الطبي يقومون بذلك مرتين في اليوم. لقد ساعدني واقع أنني طبيب لتحمّل الألم. كان المرضى الآخرون يائسين يصرخون كفى، كفى!». أُعطي مضادات للفيروسات، ضد الملاريا والإيدز وحتى عقار توسيليزوماب لالتهاب المفاصل. وروى أن «الوقت الأصعب هو خلال الليل. لم أتمكن من النوم والقلق كان يجتاح الغرفة (…). تبدأ الكوابيس ويخيّم الموت». وقال «كنت أشعر بالخوف من أن أموت من دون أن أتمكن من الإمساك بأيادي أفراد عائلتي. كان اليأس يجتاحني». كانت أجساد أفراد الطاقم الطبي «مغطاة بالكامل، القدمان واليدان والرأس. لم أتمكن من رؤية إلا عيونهم خلف الأقنعة الزجاجية. عيون فيها الكثير من العاطفة. لم أكن أسمع إلا أصواتهم. الكثير منهم كانوا صغاراً في السنّ، أطباء في الصفوف الأمامية. كانت لحظة أمل».

عوارض غير منتظمة

كريستين، محللة جنوب أفريقية تبلغ 28 عاماً تعاني من تكهف النخاع الشوكي، ثبُتت إصابتها بكورونا المستجدّ في 20 مارس، لم يتمكن صديقها داوي وهو محام جنوب أفريقي يبلغ 30 عاماً وصحته جيدة، من إجراء الفحص لأن «النظام (الطبي) تحت الضغط»، لكن لديه العوارض نفسها. وهما يعزلان نفسيهما في المنزل في جوهانسبرغ حيث يعملان عن بُعد. شعرت كريستين بأول عوارض بعد يومين من احتكاكها بزميلة لها مصابة وجاء الفحص ليؤكد الأمر. بعد ثلاثة أيام، أصبح داوي في الوضع نفسه. وتقول كريستين «العوارض تتقلّب من ساعة إلى أخرى. تذهب وتعود، كأنها موجات. الأمر مختلف عن الزكام.. هناك إرهاق وصعوبة في التنفس وضغط على مستوى الصدر. الطريقة الأفضل لوصف ذلك هي كأنكم على علو مرتفع ولديكم صعوبة في التنفس». يتساءل داوي أحياناً ما إذا كانا «يبالغان»؛ لأن «هناك أياماً نشعر فيها بأننا في أحسن الأحوال. في اليوم نفسه، نرتعش (جرّاء الحرارة المرتفعة)، وبعدها نشعر بأننا تحسنّا. الأسوأ (..) هو خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما واجهت صعوبة في التنفّس، وسألت نفسي ما إذا كان يجب أم لا الذهاب إلى المستشفى؟ (..). شرح لي طبيبي كيفية معرفة ما إذا كان ينقصني الأكسجين، قائلاً: انظر ما إذا كان لون أظافرك تحوّل إلى الأزرق».

تغيير بعد المرض

وان شونهو، صيني يبلغ 44 عاماً يعاني من ارتفاع ضغط الدمّ، هو مستثمر متزوج ولديه فتاة تبلغ تسعة أعوام: نُقل في 30 يناير إلى مستشفى ميداني في ووهان (وسط الصين)، حيث ظهر الوباء للمرة الأولى. تعافى بعد مرور 17 يوماً في المستشفى. وقد أمضى 14 يوماً في الحجر الصحي ينتظر أن يتلقى على هاتفه رمزا يؤكد أن صحته سليمة. في المرة الأولى التي ذهب فيها إلى المستشفى وكانت حرارة جسمه مرتفعة، تمّ تشخيص إصابته بكوفيد-19، إلا أنه أُعيد إلى منزله مع مضادات حيوية لعدم توافر غرفة له. وقال «كنت مرعوباً». تفاقمت حالته وبدأ بالسعال. أُدخل إلى أول مستشفى في 30 يناير. تلقى علاجاً بالهرمونات لتخفيض حرارة جسمه، لكنه كان لا يزال يعاني من صعوبات في التنفس. كان هناك نقص في الأدوية فيما استخدم العاملون الصحيون أكياسَ نفايات لتغطية أحذيتهم. في الرابع من فبراير، نُقل إلى أحد المستشفيين الميدانيين اللذين شُيّدا خصيصاً للمصابين بكورونا المستجدّ في ووهان. وقال «لم أكن خائفاً، لكن كان هناك خوف بين المرضى». وأضاف «اليوم أرى الأمور بطريقة مختلفة. أشعر بهدوء حيال كل شي، فعلاً هدوء. (…) لقد وصلت إلى باب الجحيم وعدت. رأيت أولئك الذين لم يتعافوا والذين ماتوا. هذا الأمر أثّر فيّ كثيراً. لم أعد آخذ أي شيء على محمل الجدّ».

قلق في المنزل

جميلة كيروش، ربة منزل فرنسية (47 عاماً) كانت عاملة نظافة في السابق، متزوجة ولديها ثلاثة أبناء (6 و11 و19 عاماً) أُصيبت بــ «كورونا» المستجدّ في 17 مارس، وعزلت نفسها في منزلها في مولوز (شرق فرنسا)، حيث يتفشّى المرض كثيراً. وروت لــ «فرانس برس»: «أُصبت بنوبة سعال. في اليوم التالي، تفاقم الأمر، فقدتُ صوتي وحاستَي الذوق والشمّ. عندما كنت أسعل، كنت ضعيفةً، ضعيفةً جدّاً. لم أُجرِ الفحص، لكن الطبيب شخّص إصابتي بالفيروس». وأضافت: «توسّلت لزوجي كي يأخذ إجازة لمدة أسبوع، لكنه يعمل في ملحمة، فقال لي: تخيّلي إذا قام الجميع بذلك؟ لن يعود هناك طعام». وتابعت: «في المنزل، أرتدي قفازين وقناعاً واقياً. لا ألمس الطعام. لكن اثنين من أبنائي يسعلان».   واعتبرت أن «الأسوأ من كل شيء هو الفروض المدرسية. يضع أبنائي ضغطاً كبيراً على أنفسهم، يريدون أن ينجحوا في المدرسة. يعطيهم أساتذتهم فروضاً، وكأن الوضع طبيعي. ابنتي البكر (19 عاماً) تحضّر لشهادة البكالوريا المهنية، وأراها تبكي عندما لا تتمكّن (من التركيز) ولا يمكنني أن أضمّها بين ذراعي ومواساتها ومساعدتها». وتابعت: «نفسيتي غير مرتاحة على الإطلاق. لا أكفّ عن البكاء، لا راحة، هذا الوضع يفوق قدراتي!».

يقظة اجتماعية

ماريسول سان رومان، عالمة اجتماع، طالبة أرجنتينية (25 عاماً) أُصيبت بــ «كوفيد ــــ 19» في 10 مارس أثناء عشاء وداعي في مدريد، بعد إغلاق معهد «إمبريسا»، حيث كانت تتعلّم، قبل عودتها إلى وطنها. وهي تخضع للحجر الصحي في منزلها. في 12 مارس، عادت إلى بوينس آيرس، وبدأت حجراً صحياً إلزامياً، فُرض على جميع العائدين من دول تفشّى فيها الوباء. في اليوم التالي، ظهرت الأعراض الأولى. وروت «كانت حرارة جسمي 40 درجة مئوية، كاد حلقي ينفجر، كنت أشعر أنني أتمزّق من الداخل». وأضافت «ما إن رآني الطبيب، أدرك أنني كنت على احتكاك بمصاب، لأنه كان هناك أشخاص في صفّي في الجامعة مصابين بكورونا». يتجنّب والدها البالغ 65 عاماً الاحتكاك بها فيترك لها الطعام أمام باب غرفتها. ينبغي عليها وحدها أن تتعالج من التهاب رئوي ناجم عن سعالها وقياس معدّل الأكسجين في الدمّ. وقالت إن فترة المرض هي «وحدة، وحدة كاملة». انتشرت قصّتها وأجرت مقابلات كثيرة مع وسائل إعلامية. وقالت إنها تلقت إهانات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها عادت إلى البلاد فيما هي مصابة بالفيروس. لكنها قالت «حاولت من جهتي (…) أن أكسر الوصمة المقترنة بالمصاب بكورونا المستجدّ». وكتبت على حسابها على تطبيق انستغرام أن دورها اليوم هو أن تكون شخصا لديه «يقظة اجتماعية»، «يقول للناس أن يصبحوا متيقظين لأن الأمر ليس مزحة وأن كونكم شباباً لا يعطيكم مناعة ضد شيء، وأن كورونا المستجدّ ليس زكاماً».

«المصابة الأولى»

لورينا مدرّسة إكوادورية تبلغ 33 عاماً، هي ابنة شقيقة «المصابة الأولى» في الإكوادور التي كانت عائدة من عطلة في أسبانيا واستُقبلت باحتفال عائلي جمع نحو ثلاثين شخصاً في أواخر فبراير في مدينة باباهويو الواقعة في جنوب غرب البلاد. وروت لورينا «خالتي لم تذهب إلى أي مكان. لم يكن لديها وقت. عند وصولها، لم تكن بحال جيّدة.. قالت لنا إنها تشعر بأن حرارتها مرتفعة أثناء الرحلة، وإن الكثير من الناس كانوا يسعلون» في الطائرة. في 22 فبراير، نُقلت الخالة البالغة 71 عاماً إلى مستشفى في غواياكيل، بؤرة الوباء في الإكوادور. وبعد أسبوع ثبُتت إصابتها وتمّ عزل أقربائها وإجراء الفحوص لهم. في الأول من مارس، رأوا على التلفزيون وزيرة الصحة كاتالينا اندرامونو – التي أُقيلت من منصبها مذاك – تعلن عن خمس إصابات في مؤتمر صحافي. وتقول لورينا في إشارة إلى هذه الإصابات الخمس «هم نحن!»، مضيفة «علمنا بالأمر عبر التلفزيون من دون إعلامنا» مسبقاً. في 13 مارس، توفيت الخالة. وأصيب نحو عشرة أفراد من العائلة بينهم لورينا التي تعافت لاحقاً. لا يعرف أحد فعلاً كيفية معالجة المرضى المعزولين في منازلهم. الأطباء «يقولون لي: قومي بقياس ضغط الدمّ لهم، بنفسك ويرفضون لمس أهلي». (أ ف ب)