Site icon IMLebanon

ماذا سيفعل سنّة لبنان إذا استمرّ سقوط الكيان؟

كتب أحمد الأيوبي في “اللواء”:

دخل اللبنانيون «رسمياً» مرحلة الانهيار الشامل الذي يتدحرج حاصداً معه أموالهم ومأكلهم ومشربهم وصحّتهم وتعليمهم وكلّ مقوّمات حياتهم، وجارفاً كلّ مكتسباتهم ومقوّمات بقائهم، من دون وجود أُفقٍ للخروج من هذه الكارثة، ليبرز اتجاه لدى المناطق والطوائف للانكفاء على نفسها وتدبّر أمورها مع تعاظم اليأس من إمكانية استعادة الدولة بعد المعادلة التي أعلنها «حزب الله» إما الموت جوعاً نصرة لمحور إيران، أو الفتنة والخراب الأمني.

من هنا جاء موقف النائب السابق وليد جنبلاط خلال لقائه الجامع مع قيادات الحزب التقدمي الاشتراكي بمن فيهم قادة «جيش التحرير الشعبي» الذي كان واجهة الدروز في الحرب الأهلية، حيث أعلن أمامهم أنهم لن يكونوا مستعدين لأي حرب عسكرية، إنّما لمواجهة خطر الجوع، وأن «على الجميع التضامن للصمود في المرحلة المقبلة».

كلام جنبلاط يعطي إشارة واضحة إلى مسارين:

الأول: أنّ التوتر كبير في القواعد الدرزية تجاه «حزب الله»، لذلك استحضر «جيش التحرير الشعبي» لتأكيد رفض الانزلاق إلى صراعٍ عسكري معه، مع ضرورة «التعالي عن جراح» 7 أيار.

ولا شكّ أن هذا التوتر يسري على سائر المناطق والشرائح اللبنانية التي ترى أن الحزب مسؤول بشكلٍ مباشر عن رعايته للفساد وعن محاصرة الجيش على يد السلطة السياسية المهيمنة.

الثاني: أنّه لا أمل في انبلاج حلول سياسية واقتصادية، لهذا دعا إلى التضامن لتأمين مقوّمات الصمود.

مؤشر اليأس هذا رفع من مستواه الدكتور سمير جعجع في حديثه التلفزيوني الأخير عندما دعا العائلات في الاغتراب إلى مدّ يد العون لأهلهم في الوطن.

اللافت للانتباه أن القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، إضافة إلى «حزب الله» وحركة أمل، فضلاً عن الكنائس المسيحية والمرجعيات الروحية قطعوا أشواطاً طويلة في تحضير بيئتهم لمخاطر المجاعة الزاحفة، بينما الغائب الأكبر كان تيار المستقبل المنفصل عن قواعده وعموم أهل السنّة الذين يظهرون في المشهد اليوم أيتاماً لا أب لهم ولا سند.

إنكفاء الطوائف على ذاتها

تنكفئ الطوائف على محاضنها وتجتهد الأحزاب لرعاية بيئاتها، بينما تبقى البيئة السنيّة نهباً للفوضى والإفقار والتهميش وللاختراقات الأمنية المتواصلة التي أنهكت مدنها وأحرقت قلبها، بينما تتمتع باقي المناطق باستقرارٍ نسبيّ واضح.

يعقد نوّاب طرابلس الاجتماع تلو الآخر، ونقرأ في الأخبار ما «سوف» يقومون به من خطوات، كان آخرها اجتماع مجموعة «لصالح طرابلس» في دارة الرئيس نجيب ميقاتي، والذي كان شبيهاً بمؤتمراتٍ سابقة استعرضت حاجات المدينة وخلصت إلى ضرورة تأمين الاستقرار الأمني كمدخلٍ للاستقرار الاقتصادي.

هذا النوع من المقاربات لا تنتج شيئاً، لأنه لا يتضمّن خطواتٍ عملية لفرض الأمن في طرابلس ولكفّ يد المجموعات المخرّبة التي عاثت وتعيث في المدينة فساداً، وسط غياب للمقاومة المدنية الفاعلة في وجهها، ومع تضخّم حالة الجُبن والعجز عن مواجهتها، فكيف يُعقل أن تتمكّن شرذمة منفلتة من استباحة طرابلس، وهي معروفة الوجوه والانتماء، والأنكى من ذلك أن من يمثّلها في المجلس النيابي يشارك في اجتماعات «إنقاذ» طرابلس.

مراوحة وعجز

لم ينتِج اجتماع نواب طرابلس تصوّراً واضحاً حول كيفية التعاطي مع السلطة المركزية وكيفية تمكين الجيش من القيام بواجباته في حفظ الأمن والاستقرار، بعد فضائح متتالية حشرته فيها السلطة السياسية، عندما وضعته في حالة المتفرّج على تخريب المصارف والشوارع وضرب المخافر.

بين الأمن الذاتي والدفاع عن النفس

ما بين الأمن الذاتي والدفاع المشروع عن النفس والحقوق خيط دقيق، لا يريد اللبنانيون أن ينقطع، وأن يبقى حضور الدولة هو الضامن لاستقرارهم. لكن يبدو أنّ علينا أن نواجه حقيقة مخيفة، وهي أنّ التحالف الحاكم يُمعنُ ويتمتّع بإنهاك الجيش، الذي بات اليوم محروماً من كلّ الإمكانات اللوجستية من صيانة وخدمات، بل وصل التقشّف إلى طعام العسكر بعد انهيار قيمة راتبه نتيجة الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار مقابل الليرة.. فأيّ مصيرٍ ينتظر هذا الشعب وأيّ مستقبل ينتظر هذه الدولة؟!

ما بين الجوع والفوضى وانفلات الأمن، يقف اللبنانيون. والقوى التي تمتلك القدرة على التماسك هي التي سيُكتب لها البقاء، فأين التماسك عند أهل السنّة في لبنان، وماذا ينتظر أصحاب المبادرة والقدرة على التحرّك؟

يتثاقل المجتمع المدني السني في خطواته، كما يتوارى دور دار الفتوى بمؤسساتها وأوقافها الواقعة تحت وطأة الفساد وإهمال تحصيل الحقوق، ممّا جعلها أوقافاً تستجدي بدل أن تُعطي، وهي التي تتمتّع بثروة عقارية في المدن والأرياف كفيلة بأن تكفي الشريحة الأكبر من الفقراء الواقفين اليوم على أبواب الخوف والجوع.

ليس أمام السنة في لبنان خياراتٌ كثيرة باستثناء البحث عن سبل الصمود بابتكار وسائل وطرق لا ترتهن للسياسيين الذين عجزوا عن القيام بواجباتهم وعن الحفاظ على مكتسباتهم في الدولة، فالأرجح أن التدهور سيطالهم بينما الحوارات تجري على استبدال هذا بذاك، في تكرارٍ بائس لمسارات الفشل المتوقع سلفاً.