Site icon IMLebanon

الحياد يرعاه القانون.. والتيار وضع بتصرف الراعي خريطة طريق

كتب انطوان الأسمر في “اللواء”:

كان الدعم الفرنسي الذي حمله وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لوبريان الى البطريركية المارونية تأييدا لنداء الحياد، الموقف الدولي الأقوى المسجّل في سياق المواقف الدولية الداعمة. لكن تلك المواقف قد لا تكون كافية كي يسلك الحياد طريقه في حال عدم إقتران الإقتراح بآلية تنفيذية ببعديها المحلي والدولي. فالحياد ينتظم في القانون الدولي وفي عدد من الاتفاقيات ذات الصلة، ومن الأفضل أن ينال إعتراف منظمة الأمم المتحدة. كما يفرض على الدول الملتزمة به كمبدأ، مجموعة من الواجبات ويقرّ لها مجموعة من الحقوق.

1- من الواجبات، الامتناع، أي عدم المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحرب، وعدم التحيّز لأحد الأطراف أو لإحدى الدول المتحاربة، والدفاع عن الحياد.

ويشمل كل ذلك، على سبيل المثال، حظر القيام بأعمال عدوانية داخل الحدود المحايدة برا وبحرا وجوا، والامتناع عن تقديم أي مساعدة لأي من الأطراف المتحاربة، سواءً أكان ذلك مباشرة أم من الأفراد المستفيدين من تغاضي الدولة. كما يفرض الحياد على الدول المحايدة معاملة كل الدول المتحاربة بالمساواة التامة، بمعنى أن مفهوم الحياد المتعاطف غير مقبول. إذ إن الأعمال التي تحمل طابع التعاطف مع أحد الخصوم تعتبر أعمالاً عدوانية بحق الطرف الأخر.

2- من الحقوق المكرسة للدول المحايدة، إلزام الدول المتحاربة باحترام حيادها وما يتبعه من حقوق. ولذلك فإنّ للدولة المحايدة الحقّ بإلزام المحاربين بكلّ الوسائل الممكنة مراعاة هذه الحقوق واحترامها، بل عليها أن تَحول دون إخلالهم بها كلّما كان في هذا الإخلال تعارض مع الواجبات التي تفرضها عليها أصول الحياد. وكرّست اتفاقيتا لاهاي لعام 1907 الخاصتان بحقوق وواجبات الدول المحايدة، إمكان لجوء هذه الدول إلى استخدام القوة لدفع أيّ اعتداء على حيادها. ولا يعد هذا الحقّ عملاً من الأعمال العدائية. بمعنى آخر، يفترض الحياد على الدول المحايدة أن تحتفظ بكل مكامن قوتها، العسكرية منها وغير العسكرية، من اجل أن تستطيع الدفاع عن حيادها.

مقاربة باسيل حاولت تثمير الحياد بإتجاه قضيتي النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين
جاءت زيارة رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الى الديمان، الاحد الفائت، من خارج الإطار المسبق الرسم الذي حدد بالسلبية علاقته بالبطريركية، وخصوصا في ضوء الدعوة الى الحياد. إذ كثرت في الآونة الاخيرة، أي منذ عظة الحياد والدعوة الى فك الحصار عن الشرعية، التحليلات عن علاقة بكركي بالفريق الأكثر تمثيلا للمسيحيين بشقّيه: رئاسة الجمهورية والتيار الوطني الحر. وتغذّت تلك التحليلات من تقصد قيادة التيار عدم التطرق الى الدعوة البطريركية في انتظار تبلور مقاربة علمية لتلك الدعوة من خارج سياق التأييد الكلامي التوظيفي من جهة، أو التهجّم الناتج من سوء فهم او تقدير من جهة ثانية.

أتاحت المساحة الفاصلة عن زيارة باسيل، من جهة تلقف تلك المواقف، وتحديدا المؤيدة منها، مما أتاح للتيار متابعة مسارها السياسي داخليا الى جانب بعدها الخارجي في ظل المواقف الدولية المعروفة، ومن جهة أخرى بلورة مقاربة علمية للحياد بمفهومه القانوني والدستوري وبموجباتها الداخلية على القوى المحلية، والخارجية ربطا بالغطاء الدولي المفترض أن يتم تأمينه لضمان أن يأتي الحياد بحماية مظلة سياسية دولية متكاملة تؤدي الى إحترامه وفرض تطبيقه متى إستدعت الحاجة. ويمكن لهذا الغرض الإستناد الى عدد من تجارب الدول التي كرّست الحياد في دستورها كما في القبول المجتمعي له كجزء من السياسة الاستراتيجية الدولتية. وفي المستطاع الإستدلال الى الحياد السويسري القائم على من جهة على مواطن القوة العسكرية لدى السويسريين، جيشا وشعبا، متى إستدعت الحاجة للدفاع عن الذات، ومن جهة أخرى الى العزلة باعتبارها نهجا سويسريا تقليديا إحترمته باقي الدول.

طرح باسيل مع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي مجمل هذه العناوين. هو من جهة أكّد إيجابيته تجاه الطرح البطريركي، ناقضا بذلك ما حاول البعض تصويره من موقف سلبي من الدعوة الى الحياد بغية تشويه صورة التيار، ومن جهة ثانية قدّم مقاربة علمية وضعت خريطة طريق واضحة ترتكز على الاجماع الداخلي مع الحفاظ على كل عناصر القوة اللبنانية، مما من شأنه تأمين حماية الحدود والثروة النفطية. كما تقوم على ضرورة حل قضيتي اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين. وكان لافتا تلقّف البطريرك إيجابا لهذه المقاربة العلمية التي إعتمدت مخططا تنفيذيا من شأنه أن يسهل إيجاد القواسم الوطنية المشتركة لتطبيق الحياد، وأن يمكّن البطريرك من الاستناد اليه في أي جولة خارجية له لتسويق فكرته، سواء الى الفاتيكان أو واشنطن – كما تردد – وغيرها من عواصم القرار.

ولا شك ان المقاربة التي وضعها باسيل في تصرّف الراعي، مع إبداء استعداده للمساعدة في أي جهد مطلوب وفقا لخريطة الطريق الموضوعية، جاءت من خارج نمط المزايدات السياسية والحزبية التي أتت على شاكلة مواقف غرائزية سعت الى توظيف الدعوة البطريركية، ربما رغبة من هذه القوى في ملاقاة الموقف الدولي المتشدد حيال المسألة اللبنانية وتعقيداتها الكثيرة. وهذا الموقف زادها حدّة، بحيث أوثقها بالقضية الأساس: العلاقة الأميركية – الإيرانية!