Site icon IMLebanon

حرب الظل الإسرائيلية وتداعياتها على “الحزب”

كتبت العميد الركن نزار عبد القادر في “اللواء”:

تقف القوات الإسرائيلية في حالة تأهب قصوى على الحدود اللبنانية وعلى جبهة الجولان منذ منتصف الشهر الماضي، وذلك في موقف عسكري يُؤكّد على سياسة «الردع» التي تعتمدها إسرائيل، والتي ترجمتها بعدد من الغارات الجوية على مواقع جنوب دمشق، والتي كان آخرها الغارة التي شنت يوم الثالث من الجاري مستهدفة قوافل لنقل الصواريخ الإيرانية العالية الدقة.

تضع إسرائيل الاستعدادات العسكرية وحالة التأهب على الحدود اللبنانية بأنها تأتي رداً على تهديدات حزب الله بشن عملية من لبنان للثأر للقائد الميداني علي كامل محسن الذي قتل في غارة إسرائيلية على موقع للحزب قرب مطار دمشق.

ويبدو بأن عملية القصف التي نفذتها إسرائيل في العرقوب، وصولاً إلى قرية الهبارية الأسبوع الماضي لم تكن كافية لتنفيس الاحتقان العسكري على جانبي الحدود، خصوصاً بعد تأكيد حزب الله بأنه لم يُشارك في القصف، مع الإصرار على توعّد إسرائيل بالثأر لدماء علي كامل محسن، وذلك وفاءً لعهد السيّد حسن نصر الله بالرد على أي اعتداء  في سوريا من داخل لبنان.

يأتي التوتر القائم على الحدود اللبنانية في سياق «حرب الظل» التي تشنها إسرائيل، ضد الوجود الإيراني في سوريا، والذي امتد إلى داخل إيران نفسها من خلال تعرض العديد من المواقع الإيرانية الهامة والحساسة بما فيها الموقع النووي في ناطنز لهجمات مدمرة وغامضة. وتأتي حالة التوتر الراهنة كنتيجة طبيعية لتوسيع إسرائيل لعمليات «حرب الظل» في سوريا حيث توسعت الأهداف لتشمل مواقع حزب الله، بالإضافة لمواقع تخزين الصواريخ الإيرانية داخل الأراضي العراقية، وفي المناطق التي تسيطر عليها قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران.

غالباً ما لجأت إسرائيل إلى اعتماد سياسة الغموض حول عملياتها العسكرية، في محاولة واضحة لعدم تحمل نتائج هذه العمليات عسكرياً ودبلوماسياً، وخصوصاً عندما تطاول هذه العمليات الأراضي العراقية، وعمق الأراضي اللبنانية، كإرسال طائرات مسيرة إلى الضاحية الجنوبية، ولكن، يبدو بأن إسرائيل قد قررت تغيير هذه السياسة، والإعلان بصورة مسبقة أو لاحقة عن طبيعة العمليات التي ستلجأ إليها أو نفذتها، وكان المثال الأبرز لهذا التبدل في السياسة الإسرائيلية ما جاء في تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من تهديدات لحزب الله ولبنان في حال التعرّض للعسكريين أو المدنيين الإسرائيليين. يضاف إلى ذلك التهديد العالي اللهجة الذي وجهه وزير الدفاع بيني غانتس إلى حزب الله والدولة اللبنانية بالقول انه سيحمّل لبنان مسؤولية أي هجوم يشنه حزب الله، وبأنه قد أعطى التوجيهات للطيران الإسرائيلي للاستعداد لضرب أهداف البنى الأساسية اللبنانية

في رأينا تأتي هذه التهديدات المباشرة بضرب البنى الأساسية اللبنانية في سياق تفعيل عامل الردع الإسرائيلي في مواجهة حزب الله، وبما يعني التخلي عن سياسة ضربة مقابل ضربة، والتي كانت معتمدة في مزارع شبعا في السنوات الماضية، والتي كانت تنفذ تحت سقف محدد، ووفق ضوابط دقيقة، منعاً لحدوث أي تصعيد غير محسوب النتائج يمكن ان يؤدي للانزلاق إلى حالة حرب واسعة على غرار ما حدث عام 2006.

يأتي التصعيد في المواقف والعمليات العسكرية الإسرائيلية في غياب وجود مبررات ودوافع عسكرية أو استراتيجية ملموسة. إذا كانت الأسباب الكامنة وراء توسيع «حرب الظل» تتعلق بتنامي النفوذ الإيراني أو ترسيخ تواجد قوات الحرس الثوري والميليشيات التابعة لفيلق القدس في سوريا والعراق ولبنان واليمن. فإن إسرائيل تدرك جيداً بأن هذا النفوذ لم يترجم واقعياً على شكل تهديد مباشر وخطير لأمن إسرائيل، باستثناء ما يمثله إدخال صواريخ متطورة إلى مسرح العلمليات السوري، وما يصل منها لحزب الله في لبنان.

في الواقع ان ما يهم إسرائيل امنياً واستراتيجياً الاستمرار في انتهاج حرب غير معلنة على التواجد العسكري الإيراني في سوريا، لمنعه من إقامة بنى عسكرية تؤمن له القدرة على مهاجمة جبهة الجولان، وربطها بالتالي بجبهة الحدود اللبنانية التي يسيطر عليها حزب الله، كما تجهد إسرائيل لمنع إيران من الاستفادة من وجودها في سوريا من أجل شحن كميات من الصواريخ المتطورة لصالح حزب الله في لبنان، تنفيذاً لهذه السياسة العسكرية ضد إيران فقد شنت إسرائيل خلال السنتين الماضيتين مئات الغارات الجوية والصاروخية ضد المواقع الإيرانية في سوريا والعراق. حيث تشتبه  بنصب مجموعات من الصواريخ المتوسطة داخل الأراضي العراقية، بالإضافة لإقامة مخازن لهذه الصواريخ، وكان نتنياهو قد سبق وألمح إلى هذا الأمر بقوله: «لا مناعة لإيران في أي مكان» وبأن إسرائيل ستكون جاهزة لضربها حيث تدعو الحاجة.

من المتوقع ان تسير إسرائيل قدماً في سياسة التصعيد لمواجهة الوجود الإيراني في العراق وسوريا ولبنان، والتي كانت قد بدأتها مع بداية عام 2019، وذلك ضمن سياسة منع إيران من إقامة جبهة مباشرة معها. يضاف إلى ذلك بأن هذه السياسة المتشددة تجاه إيران تخدم مصالح نتنياهو السياسية سواء لجهة تقوية موقعه السياسي أو لجهة السعي للافلات من الملاحقات القضائية بتهم الفساد والرشوة. واللافت في الأمر ان نتنياهو قد غامر بتخليه عن سياسة الحذر الأمني التي كان يعتمدها منعاً لأي انزلاق نحو حرب كبيرة، وها هو يستبدل الحذر الأمني بحرب غير معلنة ضد التواجد الإيراني في سوريا والعراق. ويذهب بعض المراقبين إلى ان نتنياهو قد استفاد من التنسيق مع كل من روسيا والولايات المتحدة من أجل احتواء أية إمكانية لتوسيع هذه الحرب. ويبدو أيضاً بأن نتنياهو قد وجد وسيلة في هذه الحرب لمنع حصول أي تقارب دبلوماسي بين واشنطن وطهران، وبالتالي منع حصول أي خفض لمستوى العقوبات الأميركية المشددة ضد إيران، والتي طبقت منذ قرار ترامب بالخروج من الاتفاقية النووية.

على صعيد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل، يبدو أنه ما زال هناك حرص ظاهر من قبل السيّد نصر الله لعدم التصعيد من خلال القيام بعمليات متفلتة عبر الخط الأزرق، وهو ما زال متمسكاً بمصداقيته بالرد على العمليات الإسرائيلية التي تطاول الحزب في سوريا، على ان تجري العمليات تحت سقف محدد ووفق ضوابط مشددة وواضحة.

يبدو بأن حزب الله قد ادرك خطورة وحراجة الموقف الراهن، وهذا ما دفعه إلى التريث في شن العملية العسكرية الموعودة. في رأينا ان مرد حذر حزب الله يعود إلى ادراكه بأن المتغيّرات والضغوط التي تطوق نتنياهو وحكومته قد تدفعه للمغامرة وتغيير قواعد اللعبة من خلال تنفيذ هجمات ضد البنية التحتية اللبنانية لزيادة حالة الاحراج والضغوط التي يتعرّض لها حزب الله جرّاء هيمنته على حكومة حسان دياب، واتهامه بحماية الفساد، ومنع الحكومة من القيام بأية إجراءات إصلاحية تعالج نتائج الأزمة الاقتصادية والمالية القاتلة التي يواجهها لبنان.

لا بدّ ان يُدرك حزب الله ومعه الدولة اللبنانية بأن الأوضاع السياسية والدبلوماسية التي كانت تحمي لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية قد تبدّلت، وبأن لبنان هو في حالة حصار دولياً وعربياً، وهذا ما تؤشر إليه الضغوط لتعديل مهمة أو قواعد اشتباك قوات الطوارئ الدولية، كما يؤشر إليه مشروع قانون اعدته لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس لخفض المساعدات للجيش اللبناني بنسبة 20 في المئة.

ستكون إسرائيل جاهزة وبالمرصاد لاستغلال كل هذه التطورات والمتغيرات، بالإضافة إلى التأييد الذي لقيته مبادرة البطريرك الراعي بالدعوة إلى حياد لبنان، هذا بالإضافة إلى ما يمكن ان يتسبب فيه من ضغوط سياسية ومعنوية حكم المحكمة الدولية حول جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وآخرين، والذي سيصدر في 18 آب الجاري.