Site icon IMLebanon

شارل سابا لـ «الأنباء»: مرفأ بيروت منجم ذهب للسياسيين

‎مرفأ بيروت هو الميناء البحري الرئيسي في لبنان يقع في الجزء الشرقي من خليج سان جورج على ساحل بيروت شمال البحر الأبيض المتوسط وغرب نهر بيروت، ويشكل مركز التقاء للقارات الثلاث: أوروبا، آسيا، وأفريقيا، وهذا ما جعل منه ممرا لعبور أساطيل السفن التجارية بين الشرق والغرب.

‎خلال السبعينيات من القرن العشرين كان مرفأ بيروت أهم محطة للتجارة الدولية مع الدول العربية المحيطة حتى تفجيره في 4 أغسطس 2020 في حادث الانفجار الكبير من خلال أطنان نيترات الامونيوم كانت مخزنة فيه منذ اكثر من 6 سنوات، فيما ما زالت أسباب الانفجار خارج متناول المحققين.

‎يشكل مرفأ بيروت المملوك من الدولة اللبنانية الحوض الشرقي للبحر المتوسط، والمنفذ البحري الأساسي للدول العربية الآسيوية، ويتعامل مع 300 مرفأ عالمي ويقدر عدد السفن التي ترسو فيه بـ 3100 سفينة سنويا. ومن خلاله تتم معظم عمليات الاستيراد والتصدير اللبنانية وتمثل البضائع التي تدخل إليه نسبة 70% من حاجات السوق اللبناني. كما يحتل المركز الأول في المداخيل المركبة بنسبة 75%، إضافة إلى دوره كمركز أساسي لإعادة التصدير والمرور (الترانزيت).

‎وبعد انتهاء العقد بين شركة الامتياز لتشغيل مرفأ بيروت والدولة اللبنانية في العام 1990 وبدلا من أن تذهب الدولة اما الى مزاد دولي لتلزيم ادارة واستثمار المرفأ الى شركة جديدة وإما الى انشاء مؤسسة عامة بقانون مع نظام داخلي على غرار مؤسسة كهرباء لبنان، لجأت الى انشاء لجنة مؤقتة برئاسة حسن قريطم لإدارة واستثمار المرفأ شرط ان تديره وفق آلية التشغيل التي كانت تعتمدها شركة الامتياز، لكن ما فعلته هذه اللجنة انها منذ الشهر الاول لتكليفها راحت تطلق المناقصات بالتراضي وتقيم مشاريع وهمية لتبرير حجم الانفاق، وعلى سبيل المثال مشروع ردم الحوض الرابع الذي لزمته اللجنة المؤقتة بالتراضي لشركة «حورية» في العام 2014 بقيمة 130 مليون دولار، يومها تحركت بكركي بأوسع عملية اعتراض على مشروع ردم الحوض المذكور واوكلت مهمة المتابعة الى المطران بولس صياح الذي تبين له بالاستناد الى تقارير الخبراء ان المبلغ المدفوع لشركة حورية مضخم جدا في وقت لا تتجاوز كلفة المشروع 40 مليون دولار اي بفارق 90 مليون دولار لجيوب اعضاء اللجنة، وطبعا لغطائهم السياسي، هنا تدخلت قيادة الجيش مانعة ردم الحوض بحجة ان السفن العسكرية لحلف شمال الاطلسي تشطط فيه، فألغي المشروع.

‎وعلى سبيل المثال ايضا اشترت اللجنة المؤقتة رافعات (ونوش) لنقل الحاويات (كونتينر) بقيمة 17 مليون دولار من احدى الشركات الصينية الا ان الفواتير قدمت بقيمة 54 مليون دولار، طبعا ليست اللجنة وحدها معنية بهذه السرقة انما بتواطؤ سياسي معروف، هذا وخصص قريطم لنفسه راتبا شهريا بقيمة 34000 دولار اميركي كل عشرين يوما اي ان سنة العمل هي 15 شهرا بدلا من 12 وبذلك يصبح راتبه السنوي 510000 دولار اميركي.

‎أضف الى هذا الفساد، تم توظيف رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر كطبيب أسنان في الأهراء، علما أن موظفي الأهراء يتمتعون بنظام للتأمين يشمل طب الأسنان مع شركة الميدغلف المتعاقد معها أيضا بالتراضي بقيمة 4 ملايين دولار أميركي سنويا.

‎الملف الأكبر في المرفأ هو محطة الحاويات التي التزمتها شركة BCTC بطريقة مشبوهة يقف وراءها الوزير السابق مروان خير الدين، والجدير ذكره أن اللجنة تتقاضى رسوما مرفئية عالية دون وجه حق، لأن لا مرسوم ولا قرار ولا قانون يجيز لهم ذلك، وهذه الرسوم تقدر بقيمة 5% من قيمة الصادرات والواردات في المرفأ، ما يعني عمليا أن البضاعة المستوردة تخضع إضافة الى الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية، الى الرسوم المرفئية غير الشرعية، اي أن المرفأ تحكمه عمليات التشبيح والتحايل على القوانين لتحقيق أكبر قدر من الأرباح الخاصة والشخصية. وبالتالي فان الرابط بين عنبر نيترات الأمونيوم وآلية تشغيل المرفأ هو الفساد، علما أن العنابر في المرفأ أصبحت لزوم ما يلزم نظرا لانتفاء الحاجة اليها بسبب تطور آلية الشحن بحيث أصبحت البضائع تصل الى بيروت ضمن مستوعبات مقفلة وبالتالي ليست بحاجة الى عنابر لتخرينها، وبالرغم من ذلك كانت إدارة المرفأ تتكتم على محتويات العنابر بهدف الإيهام بالحاجة لها للإبقاء عليها ليتبين اليوم ان احداها كان يحتوي على مادة نيترات الامونيوم ما يفسر اسباب التكتم على ما تحتويه العنابر.

‎وتابع سابا «التيار الوطني الحر تسلم الحكم منذ العام 2016 وهو اكثر من يعرف حسن قريطم ودواوينه وبالتالي تستر عليه، واذا صح التعبير فان غالبية التركيبة السياسية في لبنان استفادت من الصندوق الأسود في مرفأ بيروت الذي حولوه في السنين الأخيرة الى منجم للذهب ومسرح مفتوح للتشبيح».

‎وردا على سؤال، قال سابا حتى الفوترة في مرفأ بيروت تخضع للمحسوبيات، بمعنى أن الشحنات المحسوبة على الاحزاب المرضي عنها من قبل إدارة المرفأ تعفى من الضرائب والرسوم المرفئية، ناهيك عن ان بين العامين 2012 و2019 زادت مداخيل المرفأ لجهة الواردات بما يتخطى نسبة 100% في حين ان المداخيل الجمركية المسجلة في الموازنة العامة تدنت بشكل كبير، الامر الذي يبرهن حجم التهرب الضريبي الذي تقدره وزارة المالية بمبلغ يفوق الـ 600 مليون دولار اميركي، وقال سابا ان ‎حسن قريطم الموقوف إلى الآن لدى القضاء يملك ڤيلا ضخمة في منطقة المنصف ومنزلا فخما في العاصمة الفرنسية (باريس)، وما كان أساسا يداوم في مكتبه في المرفأ إلا يوما واحدا في الأسبوع، هذا ويعلم قريطم كل شاردة وواردة في المرفأ، أي أنه يحمل كنزا من الأسرار العائدة الى السياسيين وهو بالتالي مستهدف جسديا، وعلى الدولة اذا ما كانت فعلا تريد محاسبة الفاسدين وكشف الحقائق توفير الحماية له تأمينا لحياته.

‎ولناحية العلم بما يجري في المرفأ فإن مدير عام الجمارك بدري ضاهر، كان على اطلاع وثيق بكل ما يجري من ألاعيب وخزعبلات واحتيالات وهو بالتالي شريك مباشر ومضارب لحسن قريطم.

‎وعما يقال بأن حزب الله يسيطر امنيا على مرفأ بيروت نظرا لامتلاكه مخازن اسلحة وذخائر ومتفجرات فيه، يقول سابا ان المهربين الكبار في لبنان كانوا في زمن الحرب الاهلية محميين من قبل الميليشيات المسيطرة على الارض، وهم انفسهم اصبحوا في زمن ما بعد اتفاق الطائف محميين من حزب الله وغيره من القيمين والمشرفين على ادارة واستثمار مرفأ بيروت، ومعروف بالوثائق ان كمية كبيرة من الاعفاءات الجمركية تصدر باسم جهات دينية، لكن الاهم من ذلك ان لدى الجمارك في مرفأ بيروت خطين تمر خلالهما البضائع والمستوعبات المستوردة، خط احمر تخضع فيه البضائع والمستوعبات للتفتيش الدقيق وخط اخضر تمر فيه المستوعبات مرور الكرام دون القاء ولو نظرة سريعة على ما بداخلها، وهنا يدخل عامل الاستنسابية وفهمك كفاية، علما ان بدري ضاهر هو صاحب الامرة النهائية الذي يقرر بأي خط تدخل فيه المستوعبات والبضائع.

‎وختم سابا مؤكدا ان الدولة تبحث في التحقيقات الجارية حول انفجار المرفأ عن كبش محرقة لإنقاذ الكبار من تهمة الضلوع في الفساد والتهريب، وما دون تحقيق دولي للكشف عن الملابسات والاسباب الغامضة وراء الانفجار سترسو التهم بالأدلة والبراهين المفبركة على عمال التلحيم وبعض النواطير وصغار الاداريين.