Site icon IMLebanon

علامة لولادة لبنان الجديد: البلد صامد

كتب فؤاد زمكحل في “الجمهورية”:

حاول اللبنانيون الاحتفال بعيد الميلاد المجيد، لكن في القلب والفكر آلام واضطراب، في ظل نقاط استفهام كبيرة جداً نطرحها عن المستقبل الغامض، المبني على الوقائع والأرقام الواقعية التي تداهمنا.

حاولنا أن نحتفل بعيد الميلاد هذه السنة، من دون أن ننسى أو نتناسى أن أكثر من نصف الشعب اللبناني (55%) بات يعيش تحت خط الفقر، وفق مرصد وأرقام البنك الدولي الأخيرة.

حاولنا أن نحتفل بعيد الميلاد هذه السنة، فيما تعيش البلاد حالة اقتصادية واجتماعية كارثية، حيث جزء كبير من اللبنانيين خسروا أعمالهم، في ظل بطالة بلغت حتى تاريخه نحو 40%، والقسم الثاني يعمل في نصف معاش أو أقل.

الواقع المر، أنّ اللبنانيين خسروا نحو 75% من القيمة الشرائية ومن مدخراتهم، كما أنّ كلفة المعيشة ازدادت على الأقل ثلاثة أضعاف، وتتابع ارتفاعها يوماً بعد يوم.

كيف نستطيع أن نعيش في أجواء الأعياد الفرحة، ونُشاهد أرقامنا الاقتصادية تتدهور نحو المجهول؟ فالناتج المحلي تراجع من 55 مليار دولار إلى 20 ملياراً، أي أكثر من 50%، وفي الوقت عينه، نتخوّف من انقطاع المحروقات (البنزين) والدواء والقمح، وهي أدنى الحاجات الضرورية للمواطنين ليتعايَشوا مع هذه الأزمة الدراماتيكية، فضلاً عن المستشفيات التي تعاني شحّاً في الموارد المالية والادوية، وصيانة الأجهزة الطبية، والخوف من أن تصبح عاجزة عن استقبال المرضى.

من المؤكد أنّ سنة 2020 كانت من أصعب السنوات في تاريخ لبنان، من كل النواحي اقتصادياً واجتماعياً ومالياً ونقدياً، والكارثة الأكبر كانت انفجار مرفأ بيروت الإجرامي في 4 آب 2020 الذي دمّر المرفأ ومحيطه، حيث العاصمة بيروت السكنية والسياحية وهي واجهة لبنان نحو البحر المتوسط. فكيف نستطيع أن نحتفل بالأعياد فيما أكثر من 209 عائلات لا تزال تبكي فقدان أحد اقربائها، وأكثر من 6 الآف مواطن لا يزالون يتألمون، ولن تُبلسَم جراحاتهم جرّاء هذا الانفجار التخريبي، وأكثر من 300 ألف مواطن مشردون دُمّرت مساكنهم، ولا يملكون سقفاً كي يُعيّدوا مع عائلاتهم بكرامة.

أُذكّر بفخر واقتناع بأنّ الذي لم يقتلنا يجعلنا أقوى، كما أذكّر بأنه خلال الحرب الأهلية في لبنان (1975-1991) بُنيت، رغم الركام والدخان، أكبر شركات ومؤسسات في شتى المجالات في لبنان، في ظل أكبر الصعوبات والتحديات التي كنّا نُواجهها. واستطاع الرياديون اللبنانيون أن يُصدّروا معرفتهم ونجاحاتهم إلى العالم، حيث نافسوا أقوى الشركات الاقليمية والدولية في العالم، في ظل الظروف الصعبة التي عاناها لبنان واللبنانيون في تلك الفترة.

أذكّر أيضاً بأنّ الاغتراب في لبنان لم يبدأ اليوم بل بدأ منذ مئات السنين، حيث مرّ هذا الوطن بصعوبات اقتصادية واجتماعية ومعيشية، تُشَبَّه بما نعيشه اليوم، وقد نجح المغتربون أن يبنوا لبنانهم الصغير في كل أنحاء العالم، وزرعوا فيه العلم والأرزة اللبنانية. وقد بنوا نجاحاتهم في البلدان المضيفة، حيث استثمروا شركات ونمّوها، وساهموا في بناء اقتصادات هذه الدول المضيفة. لذلك، نحن لا نخاف على الإغتراب اللبناني بل العكس، لأنّ هؤلاء المغتربين لا تزال لديهم الغيرة على بلدهم، والمهم أن يبقوا متشبثين بأرضهم وهويتهم وتراثهم. وسيكونون دائماً حجر الزاوية لإعادة بناء لبنان وإنمائه الإقتصادي.

لستُ خائفاً على لبنان، لأنه بلد صامد وقادر على الإستمرارية، وهو ليس بلداً بل رسالة مدوية في العالم، بحسب ما فاهَ به البابا القديس يوحنا بولس الثاني عندما زاره في العام 1997، حين قال: |إنّ لبنان ليس بلداً، بل رسالة». نعم إنه رسالة نجاح وابتكار وسلام. إنّ ترابنا مقدّس، وأرضه أرض القديسين.

لذلك، إنّ لبنان لم ولن يستسلم مهما كانت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنقدية شائكة، وسنُواجهها بشغف وشجاعة.

يحاول البعض أن يُخيفنا عبر اتفاقات جديدة في المنطقة، ومنافسة حادة ستواجهنا. جوابنا على ذلك: إننا جاهزون لأي منافسة شريفة، وسلاحنا الإبتكار والعمل الخلّاق، والصمود، والإنماء، والإبداع، وروح المبادرة التي لا تزال أسس نجاحاتنا وصمودنا في العالم.

إن عيد الميلاد المجيد هو عيد النور، النور الذي يُضيء النفق السوداوي، حيث نحن مسجونون داخله، ويُنير لنا الطريق كي نخرج منه الى نور العالم. عيد الميلاد المجيد هو عيد الولادة في قلب وذهن كل واحد منّا، فضلاً عن ولادة لبنان على الأسس والأركان التي نحلم بها. عيد الميلاد المجيد هو عيد التواضع والبساطة من خلال مغارة فقيرة، حيث منها شعّ المثلُ الأعلى إلى العالم. عيد الميلاد المجيد هو أن نلحق النجمة التي ستُضيء قلوبنا وأفكارنا وشعبنا وبلدنا، لنبقى ونثابر ونصمد في هذه الأيام الصعبة بأمل وإيمان.