Site icon IMLebanon

متى تفتح السعودية أبوابها؟

كتب طوني عيسى في “الجمهورية”:

بالنسبة إلى لبنان، إنّ إرجاء زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون للمملكة العربية السعودية إلى آذار يعني أنّ التسوية التي يبحث عن تغطية لها، هو والرئيس سعد الحريري، تنتظر بعض التفاصيل لينضج البحث فيها. ولكن، إذا تحققت هذه التسوية، فستكون مؤشِّراً إلى أنّ أموراً كثيرة قد انقلبت رأساً على عقب.

من دون أن يجلس في السرايا، يبدو الحريري اليوم، وكأنه هو الرئيس الفعلي للحكومة:

– داخلياً، هو الركن السنّي الذي يُصارع ويصالح ويرسم الحدود بينه وبين الآخرين داخل السلطة، وليس الرئيس حسّان دياب.

– خارجياً، إنّ جولاته من باريس إلى موسكو فالقاهرة وعواصم الخليج، تبدو أكبر من مجرد الوساطات لتأليف الحكومة. إنها في العمق محاولات للبحث عن حلول للأزمة ككل.

لكنّ المفارقة هي أنّ الحريري، على رغم دوره الناشط عملانياً، يجد صعوبة في الوصول رسمياً إلى السرايا وإنهاء حالة تصريف الأعمال التي يديرها دياب. فولادة حكومة جديدة أصبحت جزءاً من معادلات أكبر، بل أوسع من نطاق الساحة اللبنانية.

يعرف الحريري ذلك. وهو يحاول منذ أسابيع كسر الحلقة المفرغة داخلياً وخارجياً. واستنتج أنّ أي تصوُّر لحكومة وتسوية جديدتين لن يكتمل إلّا بتغطية من الأطراف المعنية كلّها، ولا سيما الولايات المتحدة وإيران والمملكة العربية السعودية.

لقد أوحى وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض بإمكان الدخول في مناخات جديدة من التفاهم مع طهران، وتالياً بإمكان تحسين العلاقات بين الرياض وطهران، ما ينعكس تسويات في العديد من الملفات، ومنها لبنان.

لكنّ بايدن، الذي أعطى إشارات إلى التراجع عن نَهج ترامب المتصلِّب، لم يُظهِر رغبةً في استعادة نهج باراك أوباما الذي سلَّم إيران كل ما تريده في العراق وسوريا ولبنان، و»استقال» من الشرق الأوسط.

يوحي بايدن بأنه يحضِّر «طبخته الخاصة» للشرق الأوسط، وفيها سيحدّد المسافات المفترضة بين واشنطن والقوى المعنية: إيران، روسيا، تركيا، الخليج العربي، وطبعاً إسرائيل. لكنّ المقاربة الأميركية الجديدة لم تنضج بعد، على ما يبدو، وهو ما يخلق ضبابية في الصورة ويدفع الجميع إلى الترَيّث في حسم الخيارات.

لذلك، يعتقد المتابعون أنّ ماكرون تسرَّع كثيراً باندفاعته في الشرق الأوسط ولبنان، ومعه الحريري، لأنّ أيّاً من القوى الإقليمية الفاعلة قد لا يكون مستعداً للتسويات ما لم يكن الأميركيون قد بَلوروا نظرتهم إلى الحلول وأبلغوها إلى القوى المعنية.

فالإيرانيون ينتظرون مبادرة من واشنطن حول 4 نقاط: الملف النووي، الحصار الاقتصادي، الصواريخ البالستية وتوسُّع النفوذ في بلدان الشرق الأوسط. وهذه النقاط متداخلة وقد تحصل مقايضات بينها. والأرجح أنّ طهران ستستفيد من ليونة بايدن، فتطالب بالأقصى لتحصل على الأعلى من المكاسب.

هذا التريّث الإيراني يردُّ عليه الخليجيون بالتريّث أيضاً. ولذلك، عندما يطلب الفرنسيون من السعودية أن تبدّل في تعاطيها مع الملفات الشرق أوسطية، بما فيها لبنان، فإنّ المملكة وحلفاءها يطالبون بضمانات حول الموقف الإيراني أولاً.

ولا تبدو فرنسا قادرة على ضمان الوعود للسعوديين بأنّ إيران ستقلِّص طموحاتها التوسعية في المنطقة العربية، بما في ذلك الخاصرة اليمنية، وطبعاً لبنان الذي تتمتع فيه طهران بنفوذ قوي، من خلال «حزب الله» داخل السلطة وخارجها.

إذاً، كان مناسباً إرجاء ماكرون زيارته للسعودية لمزيد من التحضير. لكنّ الحريري، في الموازاة، لا يوقِف جولاته المكوكية بين باريس والقاهرة وقطر والإمارات، لعله يحقق خرقاً ما. وبعبارة أخرى، لعلّ المصريين والإماراتيين يساعدونه على خرق جدار الرياض، فتنفتح الأبواب له وللحكومة الجديدة، ويُرفَع حصار المساعدات المضروب على لبنان منذ ما قبل مؤتمر «سيدر» في 2018.

من المفارقات أنّ إيران هي التي تُوافِق اليوم على تشكيل حكومة جديدة في لبنان، لأنها مرتاحة إلى قوة حلفائها وعلى رأسهم «حزب الله». وفي المقابل، السعودية هي التي تتحفّظ، لأنّ هدفها منع «الحزب» من تكريس نفوذه وتهديد مصالحها.

المعادلة الحالية في لبنان: إيران قادرة على إسقاط أي تركيبة لا تلائمها، والسعودية قادرة على منع نشوء أي تركيبة لا تلائمها. ولذلك، يستحيل تشكيل حكومة أو تركيب تسوية، بالحريري أو بسواه، من دون تغطية السعودية والمحور العربي الحليف، ولو وافقَ عليها الإيرانيون.

ويمتاز المحور الخليجي عن إيران بأنه يحظى بتغطية القوى الغربية بلا تحفّظ، وبأنّ دوره لطالما كان حيوياً في صمود لبنان المالي والاقتصادي، وهذا الدور تعترف به القوى اللبنانية على اختلافها، وتسعى إليه.

إذاً، متى يمكن للحريري أن يتوقّع من الخليجيين، والسعوديين خصوصاً، أن يفتحوا الباب مجدداً للبنان؟

العارفون يقولون: لا شيء يمكن توقُّعه، لا من السعودية ولا من حلفائها العرب، ولا من قطر، إلّا إذا تحقَّق شرطان:

1 – إذا تمّ التوافق الأميركي – الإيراني وأوصَت واشنطن حلفاءها بوقف محاصرة «حزب الله» في لبنان وبالعودة إلى دعم الدولة اللبنانية، بنفوذ «الحزب»، كما كانت قبل 2017.

2 – إستطراداً، إذا حصل تقارب سعودي – إيراني، وتمّ فكّ الاشتباك بين الطرفين في البلدان التي تتمدَّد فيها طهران، أي اليمن والعراق وسوريا ولبنان، أو على الأقل جرت صفقة موضعية بين الطرفين محصورة بلبنان.

هل تتكامل عناصر الشرطين، ومتى؟ هذا هو السؤال. وفي الانتظار سيتعب ماكرون والحريري ويتحمّل اللبنانيون مزيداً من الوجع.