Site icon IMLebanon

“تعريب” المبادرة الفرنسية حيال لبنان… الفرصة الأخيرة

 

… «الدستور واتفاق الطائف»، معادلة ثنائية رَسَمَها بوضوح وزير الخارجية المصري سامح شكري، من بيروت بوصْفها من ركائز الإطار السياسي، الذي يفترض أن يحكم مسار إخراج لبنان من أزمته على قاعدة استيلاد «حكومة اختصاصيين» بما «يفتح البابَ للدعم الإقليمي والدولي ويؤدّي لتحقيق الاستقرار المهم ليس فقط للبنان بل للمنطقة».

واكتسبتْ هذه المعادلة التي طَبَعَتْ كل المواقف التي أدلى بها شكري من بيروت التي زارها، أمس، أهميةً خاصة وسط مؤشراتٍ إلى أن ما بدا أنه «مَهمة عاجلة» تضطلع بها القاهرة على خط الأزمة اللبنانية هو من ضمن محاولاتٍ لـ«تعريب» المبادرة الفرنسية ستُستكمل أبعادُها اليوم، مع زيارة الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي.

 

ولم تتوانَ أوساطٌ واسعة الاطلاع عن وضْع محطة شكري، موفداً من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بين حدّيْن: الأوّل أنها في سياق ما يشبه «تحرّك الدقائق الخمس الأخيرة» من العواصم، التي مازال لبنان «على رادارها»، قبل حصول الاصطدام بقعر الهاوية المالية – الاقتصادية وإمكان ترجمة «العين الحمراء» الخارجية بعقوبات على معرقلي الملف الحكومي.

والثاني أنها في إطار «شدّ براغي» ضمنيّ للمبادرة الفرنسية في ضوء ما يسود بعض الكواليس من معطيات عن تحفظات مصر، التي تعبّر في حِراكها باتجاه بيروت عن مناخٍ خليجي وعربي، عن تراجعاتٍ قامت بها باريس وربما لن تمانع المزيد منها بهدف إنجاح مبادرتها «بأي ثمن».

وإذ ترى هذه الأوساط أن زيارةَ شكري لباريس في طريقه إلى بيروت تؤشّر في الشكل إلى رغبة مصرية وعربية بالإبقاء على المبادرة الفرنسية «حيّة» لأن «دفْنها» سيعني«ابتلاع» العاصفة الكاملة لبنان، لاحظتْ موقفاً متشدّداً من وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، أمس، أكد أن بلاده ستتخذ إجراءات بحق مَن عرقلوا حلّ الأزمة في لبنان و«الأيام المقبلة ستكون مصيرية»، موضحاً «أن الأزمة في لبنان ليست ناتجة عن كارثة طبيعية بل عن مسؤولين سياسيين معروفين. والقوى السياسية اللبنانية عمياء ولا تتحرك لإنقاذ البلاد رغم تعهداتها، وهي تتعنّت عن عمد».

وفي سياق متشدّد موازٍ بالغ التعبير، توقّفت الأوساط عند تعمُّد وزير الخارجية المصري توجيه رسالتين بارزتين في الشكل، قبل المضمون، وهما:

– عدم شمول اللقاءات الواسعة التي عقدها مع شخصيات لبنانية سياسية رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل ولا أي ممثّل لـ «حزب الله». علماً أن اجتماعاته، إلى الرئيس ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري، شملت زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ورئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط قبل استقبال رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميل ورئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، ناهيك عن اتصال أجراه برئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع تعويضاً عن لقاء تعذَّر حصوله بسب إصابة الأخير بفيروس كورونا.

– تَفاديه زيارة رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب أو عقد أي لقاء ثنائي مع نظيره اللبناني شربل وهبه، وحرصه على أن يكون «آخر الكلام» وخاتمة الزيارات للرئيس سعد الحريري، الذي استبقاه إلى مائدة العشاء.

وفي رأي الأوساط أن شكري، الذي أعطى انطباعاً في ضوء طبيعة لقاءاته وأجندتها بأن زيارته لبيروت سياسية أكثر منها رسمية، أطلق إشارة سلبيةً مزدوجة برسْم «حزب الله» والأهمّ باسيل الذي سادت في اليومين الماضييْن أجواء متضاربة عن زيارة مفترضة له إلى باريس ترافقت مع التداول بأفكار قيل إنها تراود فرنسا لجمْع رئيس «التيار الحر» بالحريري سواء ثنائياً أم في إطار لقاءات موسعة، وهي المناخات التي سرعان ما تلاشتْ سواء بفعل قطْع الطريق عليها من الرئيس المكلف الرافض تسليم «مفاتيح» الحل والربط الحكومي لباسيل أو نتيجة عدم نضوج كل الظروف الكفيلة جعْل أي جرعة دفْع متجددة من باريس لمبادرتها توصل إلى النتيجة المرجوة وليس إلى مزيد من تعقيد الأزمة.

وفيما لاحظت هذه الأوساط أن رئيس الديبلوماسية المصرية، وفي معرض رسالة التضامن مع لبنان والحض على الإسراع بتأليف الحكومة، سلّف الرئيس بري دعماً وتقديراً «لجهوده ومبادراته التي يطلقها للعمل من أجل الخروج من الأزمة في إطار الحفاظ على الأرضية الراسخة السياسية والقانونية المتمثلة بتطبيق الدستور اللبناني واتفاق الطائف»، في ما بدا عدم ممانعةٍ للأفكار الأخيرة التي رعى بري تسويقها على قاعدة حكومة اختصاصيين من 24 وزيراً وفق توزيعة ثلاث ثمانيات أي بلا ثلث معطّل لأي فريق، وسط اعتبارها أن كلام شكري عن الدستور والطائف جاء في إطار تأكيد الرفض الضمني لهذا الثلث ودعم رؤية الحريري لمجمل آلية التأليف التي يشتبك فيها مع رئيس الجمهورية وفريقه ولا سيما باسيل.

ولم يكن عابراً وفق الأوساط عيْنها الكلام الذي قاله الرئيس عون خلال استقباله شكري، والذي تضمّن رسائل للحريري يمكن اعتبارها أيضاً «موصولة» إلى وزير الخارجية المصري حيال «إقصاء» باسيل، إذ أعرب عن امتنانه «للدور الذي تقوم به مصر بقيادة الرئيس السيسي لمساعدة لبنان بمواجهة الأزمات المختلفة التي يعانيها، لا سيما الحكومية»، متمنياً أن «تثمر هذه الجهود نتائج إيجابية، لا سيما إذا توافرت إرادة حقيقية للخروج من الأزمة، من خلال اعتماد القواعد الدستورية والميثاقية وبالتعاون مع جميع الأطراف اللبنانيين من دون إقصاء أو تمييز».

وبعد تبلغه رسالة السيسي «التضامنية مع لبنان والداعمة للمساعي المبذولة لتشكيل حكومة جديدة»، حمّل عون الوزير شكري تحياته للرئيس السيسي، وشكره على مبادرته القائمة على «وقوف مصر على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، كما كانت دائماً عبر التاريخ».

من جهته، قال شكري «آخِر زيارة لي للبنان كانت قبل ثمانية أشهر بعد انفجار مرفأ بيروت، وللأسف لايزال هناك انسداد سياسي ولا تزال الجهود تُبذل لتشكيل حكومة من الاختصاصيين القادرين على الوفاء باحتياجات الشعب اللبناني الشقيق وتحقيق الاستقرار المهم ليس فقط للبنان بل للمنطقة ومصر. وسأعقد سلسلة لقاءات مع المكونات السياسية المختلفة لأنقل رسالة مماثلة بتضامن مصر وتوفيرها كل الدعم للخروج من أزمة تشكيل الحكومة، بما يفتح الباب للدعم الإقليمي والدولي»، وختم: «بالتأكيد، فإن الإطار السياسي يحكمه الدستور واتفاق الطائف وأهمية الالتزام الكامل بهذه الدعائم الرئيسية للاستقرار».

وبعد زيارة بري، أكد وزير الخارجية المصري أن «استقرار لبنان حيوي بالنسبة للمنطقة واستقرار المنطقة حيوي بالنسبة لمصلحتنا المشتركة. وأيضاً عدم تأثر لبنان بالاضطراب الذي تشهده المنطقة».

واستوقف الأوساط المطلعة أن لقاء شكري مع البطريرك الماروني وتوافقهما على «الإسراع بتشكيل حكومة إصلاحات تفسح المجال أمام دعم إقليمي – دولي» سبقه موقف نوعي للمطارنة الموارنة بعد اجتماعهم الشهري برئاسة الراعي أكد «دعم تحرك غبطته الوطني الهادف إلى خلاص لبنان واستعادة سيادته وقراره الحر، وذلك عبر تأليف حكومة إنقاذية تنفذ الإصلاحات المطلوبة من الشعب اللبناني والمجتمع الدولي».

وفي حين رأت الأوساط أن هذا السقف العالي لبكركي يكرّس مقاربتها للملف الحكومي التي تبدو بمفاصلها الرئيسية أقرب إلى الحريري الذي حدّد له الفاتيكان موعداً في 22 الجاري للقاء البابا فرنسيس، اعتبرت أن تزخيم الحركة العربية – الفرنسية باتجاه لبنان لا يكفي لتوقُّع اختراقاتٍ وشيكة في مأزق التأليف في ظل طغيان الحسابات الإقليمية على الأبعاد المحلية الصرف للأزمة.

وفيما اتجّهت الأنظار، مساء أمس، إلى كلمة عون التي وجّهها إلى اللبنانيين وتناولت في شكل رئيسي موضوع التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان على وقع كشف وزير الخارجية أن رئيس الجمهورية تواصل مع نظيره السوري بشار الأسد أخيراً حول ما أثير في ملف الحدود البحرية (قضم نحو 750 كيلومتراً مربعاً من المياه اللبنانية الغنية بالغاز والنفط)، انشغلت بيروت بتطورين:

– الأول الرسالة مفتوحة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي وقّعتها أكثر من 100 شخصية لبنانية من ‏المجتمع المدني (بينها وزير الثقافة الأسبق ومبعوث ‏الأمم المتحدة السابق إلى ليبيا غسان سلامة) ونُشرت في صحيفة «لوموند» وحضّت ‏على تجميد الأصول المشبوهة للمسؤولين اللبنانيين في فرنسا، ‏بهدف تفكيك «مافيا سياسية اقتصادية» أغرقت البلد في الأزمات ‏والبؤس.‏

– والثاني: ادعاء النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون ادّعت على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ومصرف SGBL بملف «التحويلات المصرفية التي أدت إلى المضاربة على العملة الوطنية وتسببت بانهيارها».

وسبق ذلك الكشف عن مذكرة أرسلها ‏سلامة أخيراً إلى النائب العام التمييزي القاضي غسّان عويدات ثم سائر المسؤولين اللبنانيين وحذّرت من تداعيات بدء المصارف المرُاسلة قطْع علاقاتها مع «المركزي»، بما ينذر بجعل لبنان في وضع «تصعب معه التحويلات الخارجية وشراء السلع الأساسية ‏ودعمها، كما الاستحصال على عملات نقدية أجنبية لتسيير المرافق الاقتصادية المُختلفة»، لافتاً إلى أنّ مصرف لبنان أصبح «في وضع صعب، فلدينا مصرف واحد هو(جي بي ‏مورغان – JP Morgan) يقبل بتعزيز الاعتمادات المُستندية التي نُصدرها لاستيراد المحروقات وغيرها ‏لمصلحة شركة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة وبعض إدارات القطاع العام»، وعازياً هذا الأمر إلى «عدم تسديد سندات الدين بالعملات الأجنبية (يوروبوندز)»، كما إلى الحملات السياسية ضدّ مصرف لبنان ومحاولة تشويه صورته وسمعته في القضاء داخل لبنان وخارجه.