Site icon IMLebanon

انقلاب الفرزلي تعبير عن خوف مسيحي من مغامرة عونية تُسقِط الهيكل

كتب سعد الياس في القدس العربي:

أحدث خروج نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي من «تكتّل لبنان القوي» ومن الدائرة اللصيقة برئيس الجمهورية ميشال عون صدمة في صفوف العهد والتيار الوطني الحر خصوصاً أنه كان من كبار المنظّرين إلى جانب رئيس الجمهورية وأبرز من سوّقوا لانتخابه وأحد أركان «خلية السبت» التي كانت تلتقي عون كل يوم سبت في الرابية ولم يبقَ منها إلى جانب عون إلا مستشار القصر سليم جريصاتي فيما انفرط عقد الباقين وهم الوزير السابق كريم بقرادوني والإعلامي جان عزيز والسفير عبد الله بو حبيب وصهر الجنرال النائب العميد شامل روكز.

ولعب الفرزلي دوراً كبيراً في إقناع «تكتل التغيير والإصلاح» بتبنّي مشروع «اللقاء الأورثوذكسي» الذي كان يقوم على انتخاب كل طائفة لنوابها على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة مع النسبية. هذا المشروع الذي أيّده ظاهراً الثنائي الشيعي وعارضه الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل قبل أن تعلن القوات اللبنانية عدم تأييدها لهذا المشروع مسايرة لحلفائها وحفاظاً على الوحدة الوطنية.

ولم يكن الفرزلي الأول الذي يخرج من تكتل نيابي يرأسه عون أو النائب جبران باسيل، فقد فعل ذلك في زمن «تكتل الإصلاح والتغيير» النائب ميشال المر ثم النائب عاصم عراجي والنائب ايلي سكاف، وانسحب من «تكتل لبنان القوي» كل من رئيس حركة الاستقلال النائب ميشال معوّض، ونائب كسروان نعمت افرام ونائب زحلة ميشال ضاهر وقبلهم النائب شامل روكز.

وتعبّر هذه الانسحابات والاستقالات من التكتل عن حالة من عدم الرضى المسيحي على أداء العهد وتياره وعن خيبة أمل مما آلت إليه الأمور في ظل أخذ رئيس الجمهورية برأي باسيل حصراً وتجاهل آراء الباقين حتى بات يصحّ ما يقوله الرئيس المكلّف سعد الحريري عن الرئيس الظل بدل الرئيس الأصلي، بعدما أطلق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع مقولته الشهيرة «قوم بوس تيريز» في إشارة إلى طلب الرئيس عون منه التفاهم مع باسيل في كل مرة يزوره لمناقشة قضايا عالقة بين العهد والقوات.

وطبعاً لم يكن خروج الفرزلي اليوم من التكتل سوى تعبير عن اعتقاده أن الأزمة الراهنة ستولّد الانفجار إذا بقي الأداء على حاله وأكبر دليل ما شهدته حالة القاضية غادة عون التي يُخشى من أن يكون تمرّدها مقدمة لحالة تمرّد مماثلة قد يشهدها اللبنانيون عند انتهاء ولاية ميشال عون الذي لن يغادر على الأرجح القصر الجمهوري ما لم يتأمّن انتخاب صهره جبران باسيل بديلاً عنه أو ما لم يتم انتخاب رئيس ودخلت البلاد في فراغ رئاسي.

وعليه وجد الفرزلي أن إعادة تموضعه السياسي هو أولاً لمصلحة الوطن التي تفترض التعاطي من قبل الرؤساء وكبار المسؤولين بعقلانية وعدم انفعال من أجل تسريع تأليف الحكومة وعدم وضع العراقيل أمام كل ما من شأنه إنقاذ البلد من الانهيار، وثانياً لمصلحته السياسية في منطقة البقاع الغربي حيث تراجع حضور التيار العوني في بيئة يغلب عليها حضور تيار المستقبل بزعامة الرئيس سعد الحريري وحضور «حركة أمل» بزعامة الرئيس نبيه بري.

ولا يقتصر تراجع شعبية عون على البقاع الغربي بل هذا التراجع يمتدّ إلى المناطق التي شكّلت المناطق الانتخابية الرئيسية للتيار البرتقالي ومنها كسروان وبعبدا والمتن وجبيل، وهذا ما يفسّر خوف العهد من تحديد موعد لإجراء انتخابات نيابية فرعية في المقاعد النيابية التي شغرت باستقالة 8 نواب ووفاة إثنين، لأن هذه الانتخابات ستكشف أن التيار الذي يدّعي أنه الأوسع تمثيلاً مسيحياً لم يعد كذلك، بل أن المرجعية المسيحية والمارونية استرجعتها بكركي فيما حافظت القوات اللبنانية على حضورها الشعبي والسياسي في الشارع المسيحي وباتت هي الأقوى.

ويسود خوف لدى بكركي والقوات اللبنانية من أن يعيد الجنرال عون عقارب الزمن إلى الوراء عندما خاض حروباً مدمّرة وعبثية أنهكت المسيحيين تارة تحت عنوان «حرب التحرير» وطوراً تحت عنوان «توحيد البندقية» أو ما عُرف بـ»حرب الإلغاء» واللتين أوصلتا إلى اتفاق الطائف الذي يشكو منه عون ويعتبر أنه قلّص صلاحيات رئيس الجمهورية. وتدرك بكركي والقوات أن عون السريع الغضب والانفعال والذي يسكر برؤية الجماهير تماماً كما فعلت القاضية غادة عون، من غير المستبعد أن يقوم بمغامرة شعبوية جديدة تؤدي إلى الإطاحة بإتفاق الطائف لصالح اتفاق جديد في ظل موازين القوى الحالية التي هي لمصلحة حزب الله، ما يهدّد المناصفة بين المسيحيين والمسلمين لصالح المثالثة ويضعف المكوّن المسيحي.

وإذا كان الفرزلي دعا الجيش إلى أن يرسل عون إلى بيته، فإن مثل هذه الدعوة لم تصدر بعد لا عن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ولا عن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على الرغم من مناداة الأخير برحيل كل المنظومة الحاكمة. فالبطريرك الذي يسود الجفاء والتباعد في النظرة السياسية والوطنية بينه وبين الممثل المسيحي الأول في السلطة يتجنّب تسجيل سابقة في هذه الظروف بالمطالبة باستقالة رئيس الجمهورية خشية إضعاف الموقع المسيحي في التركيبة الوطنية، فيما جعجع يعتبر أن المطالبة باستقالة عون في ظل الأكثرية الحاكمة في مجلس النواب ستعني وصول رئيس آخر على شاكلة عون أو أسوأ منه. من هنا تشدّد القوات على إجراء انتخابات نيابية مبكّرة لتغيير الأكثرية النيابية الأمر الذي يضمن انتخاب رئيس مختلف من أكثرية نيابية مختلفة، وتستمر في تسجيل الملاحظات السلبية بحق العهد داعية إلى التخلّص من الطبقة الحاكمة قبل سقوط الهيكل.