Site icon IMLebanon

الاجتماع الفاتيكاني حول لبنان روحي يطلّ على… السياسة

 

لم يكن عابراً في غمرة الاستعدادات في بيروت لأسبوعٍ يتم التعاطي معه على أنه مفصليّ في تحديد اتجاهات الريح في الأزمة الحكومية وتالياً مجمل الواقع اللبناني، أن يعلن البابا فرنسيس أنه سيجتمع في الأول من يوليو «مع قادة لبنان المسيحيين لمناقشة الوضع المقلق في البلاد والصلاة معاً من أجل نعمةِ السلام والاستقرار».

وباغتَ هذا الإعلانُ بيروت المأخوذة بمناخاتٍ مُتَضارِبَةٍ حيال أفقِ المسعى الذي يضطلع به رئيس البرلمان نبيه بري لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري واستيلادِ حكومةٍ صارت «مهمّتُها الإصلاحيةُ» واقعةً بين مطرقة انهيارٍ زاحِفٍ يُخشى أن يكون بات أكبر من أن توقفه إجراءاتٌ «تقنيةٌ» من دون «صدمةٍ كبرى» في السياسة تعيد تصويبَ مسارٍ عمره أكثر من 16 عاماً اقتيدتْ معه البلادُ إلى فوالق المنطقة ولعبة المَحاور، وبين سندان انتخابات نيابية (بين مارس ومايو 2022) ستجعل أي خطوةٍ إصلاحية «رهينة» حسابات القوى السياسية والحزبية الممثَّلة في البرلمان وهو المسار الذي يصبح أكثر تعقيداً إذا نجح فريق عون بانتزاع تشكيلةٍ مُحاصَصةٍ… قديمة – جديدة.

 

وبدا للوهلة الأولى أن «بلاد الأرز» أمام خطوة فاتيكانية غير مسبوقة تشكل امتداداً لاهتمام بالغ ومباشر بالوضع اللبناني عبّر عنه البابا على أكثر من صعيد وبأكثر من خطوة في الأشهر الستة الماضية، وسط أسئلةٍ دهمتْ بيروت وطبقتها السياسية عما إذا كانت في سياق مبادرةٍ أو طاولةِ «تلاوة نيات» من ممثّلي مسيحيي لبنان، وهل سيكون اللقاء على مستوى رؤساء الأحزاب وما جدول أعماله، وغيرها من الأسئلة.

وبتدقيقٍ قامت به «الراي» لمغزى الدعوة البابوية، اتضح أن الاجتماع حول لبنان هو لرؤساء الطوائف المسيحية وليس لقادة لبنان المسيحيين.

وفُهم من أوساط مطلعة أن التباساً حصل في الإعلان عن الخبر الذي بُث على أنه من طبيعة سياسية، ما أثار علامات استفهام حول خلفيات الاجتماع قبل أن يتبيّن أنه روحي لا سياسي.

ولا يقلّل الطابع الروحي من أهمية هذا الحَدَث الذي وُصف بأنه «سينودس مصغّر» يجمع البطاركة المعنيين وربما ممثلون عن مؤسسات فاعلة اجتماعياً، وسيكرّس العناية الفائقة التي يوليها الفاتيكان لـ «بلاد الأرز» انطلاقاً من الإرشاد الرسولي ومن ثوابت مقاربته للواقع اللبناني من زاوية كيفية حماية «دور» هذا الوطن ورسالته التعايشية بين المسيحيين والمسلمين هو «الذي يمرّ بأزمة داخلية والمُعرَّض لفقدان هويّته ولمزيد من التورّط في التوتّرات الإقليمية» كما سبق للبابا فرنسيس أن قال.

وكانت معبّرة دعوة البابا في عظته أمس المؤمنين «لأداء صلوات تضامنية ترافق التحضير لمناسبة الأول من يوليو، للدفع باتّجاه مستقبل أكثر سلاماً لهذا البلد الحبيب».

وتعرب أوساط متابعة عن اعتقادها بأن ما ستشهده الأزمة اللبنانية على مدار الشهر الفاصل عن هذه المحطة البارزة هو الذي سيفرض نفسه عليها ويحدّد تالياً المستوى الذي سيتّخذه الانخراط الفاتيكاني في هذه الأزمة التي يوليها الكرسي الرسولي اهتماماً ما فوق عادي.

ولم يحجب هذا الدخول الفاتيكاني القوي على المشهد اللبناني الأنظار عن المأزق الحكومي الذي لا يشي بأنه يقف على مشارف اختراقاتٍ إيجابية، في ظلّ تَداخُل التعقيدات السياسية (مثل عقدتيْ حقيبتيْ الداخلية والعدل ومَن يسمي الوزيرين المسيحييْن من خارج حصة عون والمردة والقومي) مع الدستورية (حدود دور رئيس الجمهورية في التشكيل) كما مع البُعد الاقليمي الذي لا يمكن أن يغيب عن هذا الملف في ضوء لعبة التوازنات التي تحوط به، وصولاً إلى ارتسام ما يشبه «الحرب النفسية» على الحريري على أكثر من جبهة آخِرها الإشاعات عن أنه محتجَز في إحدى الدول العربية.

وعَكَس عدم تمرير الحريري، الذي كان في باريس حين سرت هذه الإشاعات ليل السبت، الأمرَ بلا تعليق إذ تَعمّد صباح أمس الإطلالة بتغريدة قال فيها «يسعد صباحكم بالخير، كيفكم اليوم؟»، أنه «تلقى رسالة الحرتقة» وفي الوقت نفسه استشعاره بفداحة هذا النوع من الممارسات على ما تبقى من رصيدٍ للبنان لدى الدول العربية، وهو ما كان عبّر عنه مصدر قريب منه قال لتلفزيون «الجديد» إن الأخير «يراقب الإشاعات على وسائل التواصل عن توقيفه، ويستغرب خفة مطلقيها معروفي المصدر والانتماء والذين يساهمون في زيادة الاحتقان من خلال نشر الاخبار الكاذبة وتعكير العلاقات مع الدول».

وعلى وقع هذه المناخات، قالت أوساط واسعة الاطلاع في بيروت لـ «الراي» إن كلمةَ سرٍّ ذات طبيعة إقليمية هبّتْ في وجه الحريري لدفْعه إلى تشكيلٍ سريعٍ للحكومة وبـ «دفترِ شروطٍ» إلزامي يجعله «ينقلب على نفسه»، أو تشكيل حكومة من دونه عبر إحراجه لإخراجه من خلال تأمين نصابٍ سياسي ضاغطِ يدْفعه إلى الاعتذار تحت وطأة تحميله مسؤولية ما آلت إليه الكوارث في البلاد، إفساحاً أمام الائتلاف الحاكم (عون وحزب الله) لأخْذ الأمور بيده في إدارة المرحلة المقبلة.

وأوحت هذه الأوساط بأن محاصرة الحريري ومحاولة دفْعه إلى تَجَرُّع أحد الخياريْن، التسليم بشرط الائتلاف الحاكم أو الاعتذار الأقرب إلى سحْب التكليف منه، على صلةٍ بـ «مرحلة إقليمية جديدة» ترتبط بما آلتْ إليه حرب غزة وسعي «محور المقاومة» إلى استثمارها عبر اندفاعةٍ تتيح له حصْدَ المزيد من المكاسب في ساحات المنطقة.

وإذ أشارتْ الأوساطُ عيْنها إلى ضرورة معاينة سلوك الائتلاف الحاكم ووتيرة شروطه في الأيام المقبلة، وخصوصاً مع عودة الحريري إلى بيروت، لفتت إلى أنه ليس أمراً عابراً خروج «حزب الله» من الدائرة الرمادية والانخراط في دفْعِ عربةِ الملف الحكومي واتجاهاته من الخلْف و… حيث يريد.

https://www.alraimedia.com/article/1537644/خارجيات/الاجتماع-الفاتيكاني-حول-لبنان-روحي-يطل-على-السياسة