Site icon IMLebanon

لبنان فوق فوهة “إعصارٍ” اجتماعي أكثر شراسة

 

لم يَعُد أدلّ على دخول لبنان منطقة «الأعاصير المتوحّشة» من تَلازُم أي مقرراتٍ سياسية لمؤتمرات دولية أو توصياتٍ أمنية في قراراتٍ أممية مع «ملحقاتٍ» تضع الإصبعَ على «الكارثة الانسانية» التي تكتمل معالِمُها تباعاً في «بلاد الأرز» التي رُمي شعبها في فم «الجحيم»، تتقاذفه «إبادةٌ جَماعية» بالجوع أو المرض أو بفقدان أبسط مقومات العيش والقدرة على الوصول إلى الماء والكهرباء والدواء و«هجرةٌ جَماعية» تُنْذِر بأن تكون الأكبر في تاريخ الوطن الذي بات أهله «يودِعون» أبناءهم في أحضان غربةٍ كانت حتى الأمس القريب موجعةً فإذ بهم هذه الأيام يودّعونهم «بلا رفّة جفن» وبلا أي دمعةٍ ولسان حالهم «ما ترجعوا، اعملوا مستقبلكم بالبلد اللي بليق فيكم».

وآخِر تظهيراتِ الأزمة الإنسانية التي باتت تضع اللبنانيين في دائرة جهنّمية من الفواجع المفتوحة على المزيد من العصْف في ظل استمرار الاستعصاء في ملف تأليف الحكومة الجديدة، تخصيص مجلس الأمن الدولي في قرار التمديد لقوة «اليونيفيل» العاملة في الجنوب فقرةً تطلب «اتخاذ تدابير موقتة وخاصة لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمواد غير فتاكة ‏‏مثل الغذاء والوقود والأدوية والدعم اللوجستي مدة ستة أشهر.

وسيتم ذلك في حدود ‏الموارد المتاحة، وبما يتوافق مع سياسة العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان التابعة ‏للأمم المتحدة».

كما حضّ على «مزيد من الدعم الدولي وزيادته للقوات ‏المسلحة اللبنانية، مع تأكيد ضرورة انتشار هذه القوات بشكل فعّال ودائم ‏جنوباً».

وعَكَست هذه الدعوة حراجة الواقع الإنساني الذي انزلق معه أكثر من نصف الشعب اللبناني إلى تحت خط الفقر والذي صُنِّفت معه «بلاد الأرز» قبل نحو شهر ثالث دولة عالمياً من ناحية تلقي التمويل والمساعدات الإنسانية الدولية، بعد سورية واليمن، وهو الوضع الذي لا يميّز في وقْعه «المدمّر» بين مدنيّ وعسكريّ، موظّف وعاطِل عن العمل، بعدما تساوت الأكثرية في العوز والبؤس.

وإذا كان الشقاء في مجمله غالباً ما يُقاس بتداعياته الفتاكة معيشياً ونفسياً وحتى بكونه «قنبلة موقوتة» من غضب مكتوم قد يتحوّل بين ليلة وضحاها ومع أيّ شرارةٍ ثورةً لضحايا الفقر والبطون الخاوية، فإن وطأة الانهيار المالي على الأسلاك والأجهزة والمؤسسات الأمنية والعسكرية تُحسَب بانعكاساتها على قدرة عناصرها وضباطها على حفْظ «شبكة الأمن» والاستقرار في بلدٍ يسوده «دومينو» سقوط كل صمامات الأمان المالية والاقتصادية والاجتماعية.

وبعد تقارير متواترة عن واقع مؤسسات أمنية يُخشى أن تكون باتت محكومة بعنوان «الحاجة أم الهروب»، جاء بالغَ الدلالات قرعُ وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد فهمي وبالفم الملآن جرس الإنذار في حديث صحافي من «أنّ نسبة هروب العناصر من سلك قوى الأمن ارتفعت أخيراً، تحت وطأة الحاجة إلى التفتيش عن موارد رزق إضافية، منبّهاً إلى أنّ المؤسستين الأمنية والعسكرية تشكّلان خط الدفاع الأخير عن الدولة، وبالتالي يجب تحصينهما بكل الوسائل الممكنة».

وما ينطبق على قوى الأمن الداخلي، يصحّ وبدرجة أكبر على الجيش الذي تُنظَّم له مؤتمرات دعم ويتلقى مساعدات غذائية دورية من أكثر من بلد صديق، والذي يُعاني عناصره«تَعَباً»بفعل الواقع المأسوي الذي يغرق فيه لبنان، حيث لم يَعُد مفاجئاً التداول بصور أو تناقُل حكايا عن جنودٍ بالكاد تساوي رواتبهم ما يوازي 70 دولاراً يجلسون منهكين متكئين على جدار تحت جسر بانتظار«توصيلة»لأنهم لا يملكون أو يتحملون تكلفة الانتقال من وإلى مراكزهم بفعل الأزمة الكاسرة وارتفاع سعر المحروقات.

وهذا الوضع الدراماتيكي مرشّح لفصول أكثر شراسة في الأسابيع المقبلة التي ستشهد اشتداد موجات«تسونامي»الانهيار الكبير وارتفاع منسوب الضغط على القوى العسكرية والأمنية لاحتواء «مدّ الغضب» المتوقَّع بعد الرفع الكامل للدعم عن المحروقات نهاية سبتمبر وتدشين مرحلةٍ أعتى من التضخم الذي سيترافق مع بدء موسم الشتاء والسنة الدراسية وتعاظُم الحاجة إلى الكهرباء والمازوت للإنارة والتدفئة.

وفي حين بدأت طلائع السيناريو الأسود مع ملامح «الاحتراب الأهلي» على جبهة البنزين ومحطاته التي تحوّلت «حلبات مصارعة» يومية على أفضلية التعبئة وساحاتٍ تطلّ منها رائحة «اقتتال طائفي»، وإن أعيد جمره الى تحت الرماد سريعاً كما حصل على«جبهة»مغدوشة – عنقون في شرق صيدا، فإن المؤشرات إلى أن أزمة المحروقات «باقية وتتمدّد» حتى بعد رفْع الدعم تُنْذِر بأن يبقى هذا«الفتيل» قابلاً و«جاهزاً» ليكون صاعقاً لانفجارٍ يُخشى أن يسبق الجميع رغم محاولات الأجهزة الأمنية قمْع عمليات التخزين والتهريب للبنزين والمازوت كما للأدوية.

انفجارٌ قد لا يمنعه السماحُ الاستثنائي لبيروت باستجرار الغاز المصري عبر الأردن ثم سورية لزوم تشغيل معامل الكهرباء في ظل التقارير عن الحاجة لحكومة مكتملة المواصفات لإكمال نصاب هذا المسار، ولا بطبيعة الحال السفن الإيرانية المحمّلة بالمحروقات والتي تبرز مخاوف من أن تصبّ الزيت فوق «اللهيب» اللبناني لاسيما في ضوء توالي الإشارات من طهران إلى أنها تستخدم هذه الورقة منصةً للجهر بأنها تتولى «قيادة الدفة»في «بلاد الأرز» عبر «حزب الله»، وهو ما عبّرت عنه أولاً باعتبار أن إرسال السفن يتم بناء على طلب «لبنان»، ثم تحذيرها اسرائيل، بعد دعوة الولايات المتحدة لعدم التدخل في هذا الشأن، من أن أيّ خطأ تجاه أيّ سفينة سيُقابَل بردّ من إيران ولبنان.

وفي رأي أوساط مطلعة، أن اختيار طهران «خلْع القفازات» بالكامل بمخاطبتها الخارج في ما خص الملف اللبناني و«الإمرة لمَن» فيه، تشكّل إحدى الحلقات الخفية التي مازالت تعوق استيلاد حكومةٍ يريدها المجتمعان العربي والدولي كأول إشارة إلى تبديل بيروت «وُجهتها» الاستراتيجية، ولو تحت عناوين إصلاحية تُمْلي «توازنات محسوبة» في شكل الحكومة العتيدة، فيما تُغرقها إيران بأثقال لا تترك مجالاً للشك في «الوجه الممانع» لـ «بلاد الأرز».

وتعتبر هذه الأوساط أنه بمعزل عن التفاصيل التقنية المتصلة بالخلافات بين رئيس الجمهورية ميشال عون وفريقه وبين الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي ومعه رؤساء الحكومة السابقين حول بعض الحقائب والأسماء والتي تُخْفي وراءها انكشاف قطبة لم تعُد مخفية، فإن «الحرب الباردة» الحكومية والمرشحة لأن تستمر وفق معادلة «لا تشكيل ولا اعتذار» قريبان لها بُعْدان رئيسيان:

الأول إقليمي محوريّ ويرتبط بمآلات ترسيم النفوذ على تخوم الملف النووي الإيراني. والثاني داخلي لا يمكن التغاضي في إطاره عن أن المكاسرة الحكومية تنطوي في جانب منها، وفق خصوم باسيل، على رغبةٍ في استدراج الخارج وتحديداً واشنطن لرفْع العقوبات عنه كونها تشكل عقبة رئيسية في طريقه «الرئاسي»، وهو ما قد يستدعي، بحسب هؤلاء، المضيّ بـ«المعركة».

وفي موازاة ذلك، طالب عون الأجهزة العسكرية والأمنية والقضائية«بالتعاطي بشفافية مع المواطنين في ما خص نتائج المداهمات التي تقوم بها القوى العسكرية والأمنية لمستودعات الادوية والمواد الغذائية ومحطات المحروقات، والتي تزايدت خلال الأيام الماضية»، معتبراً «أن من حق اللبنانيين، من أجل استعادة ثقتهم بالدولة وبأجهزتها ومؤسساتها كافة، ان يعرفوا مَن هم المتَّهَمون الفعليون باحتكار الأدوية وحليب الاطفال والمستلزمات الطبية وتخزينها لبيعها بسعر أعلى وحرمان المحتاجين منها.

كما من حقهم أن يعرفوا مَن هم أولئك الذين خزّنوا المحروقات ولأجل أيّ غاية، وما الإجراءات التي اتُخذت في حقهم، وهل أوقفوا واودعوا السجن، أم تواروا عن الأنظار، أو حظيوا بحماية من جهات او مرجعيات امّنت لهم التفلت من العدالة»؟
https://www.alraimedia.com/article/1551978/خارجيات/لبنان-فوق-فوهة-إعصار-اجتماعي-أكثر-شراسة